تعديل القاضي للشرط الجزائي

تعديل القاضي للشرط الجزائي

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

تعديل القاضي للشرط الجزائي
تعديل القاضي للشرط الجزائي
في بعض الحالات يقوم المتعاقدون بتضمين العقد الشرط الجزائي كبند أو شرط من ضمن شروط العقد، وينص هذا الشرط على انه إذا لم ينفذ المتعاقد شروط العقد أو بعضها في الوقت المتفق عليه فانه يدفع للمتعاقد الآخر مبلغا معينا ، وقد يكون الشرط الجزائي بمثابة إتفاق مسبق على تقدير التعويض ، ففي هذه الحالة يكون الإتفاق المسبق على تقدير التعويض مجرد توقعات لما سيحدث في المستقبل من ضرر بالمتعاقد جراء عدم قيام المتعاقد الآخر بتنفيذ التزامه في الوقت المحدد لذلك، وعلى هذا الأساس يحق للقاضي عند نظره للنزاع بين المتعاقدين أن يقوم بتعديل التعويض السابق الإتفاق عليه حتى يتناسب التعويض مع الضرر الفعلي الذي لحق بالفعل بالمتعاقد جراء عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه العقدي، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 7-3-2010م في الطعن رقم (36898)، وقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: ((فالمعلوم قانوناً فيما يتعلق بالتعويضات في حالة إخلال أي طرف بالعقد أنه لابد أن يكون في الاعتبار بأن يتم تقدير التعويض على أساس ما لحق صاحب الحق من ضرر لعدم الوفاء بالحق أو للتأخير، ومن ثم فتمسك الطاعن بالشرط الجزائي غير صحيح ولا يعتد به ، لأن ذلك الشرط لم يكن قد صدر في حالة محققة وقائمة بالفعل وإنما تحسباً لما قد يقع في المستقبل، فيشترط في هذه الحالة الا يكون الشرط مرهقاً، وإن كان كذلك فإن للمحكمة حق التدخل في تعديله وفقاً لنص المادة (354) مدني التي تجيز للقاضي أن يخفض التعويض المتفق عليه إذا ثبت أن التقدير مبالغ فيه، كما أن التعويض مرتبط بالضرر وجوداً وعدماً، وعليه : فإن الطعن يكون مرفوضاً))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: مفهوم الشرط الجزائي:

الشرط الجزائي: هو الاتفاق المسبق بين المتعاقدين على مقدار التعويض الذي يستحقه المتعاقد إذا لم يقم المتعاقد الآخر بتنفيذ التزامه أو تأخر في تنفيذ التزامه عن التاريخ المتفق عليه، فمضمون الشرط الجزائي هو تعويض المتعاقد عن عدم تنفيذ المتعاقد الآخر لالتزاماته العقدية أو بعضها، ويكون الشرط الجزائي عبارة عن شرط من ضمن شروط العقد أو بنداً من بنود العقد، ويجوز أن يكون في وثيقة مستقلة عن وثيقة العقد يتم تحريرها بعد التوقيع على العقد.(فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة ، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين، ص 124).

الوجه الثاني: موقف الفقه الإسلامي من الشرط الجزائي:

 يذهب الفقه الاسلامي إلى أن الشرط الجزائي في العقود المالية جائز ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دَيْناً فلا يجوز، مثل أن يُشترط على من اشترى سلعة بالتقسيط أن يدفع شيئا زائدا على هذا الثمن إن تأخر في السداد ، لأن هذه الزيادة ستكون زيادة على الدَّيْن ، وهذا ربا صريح ، أما ما عدا الدَّيْن من الحقوق والالتزامات ، فيجوز الشرط الجزائي فيها للتعويض عن الضرر الفعلي إذا وقع في المستقبل ، فقد جاء في قرار "مجمع الفقه الإسلامي" بشأن موضوع الشرط الجزائي :
"أولاً : الشرط الجزائي في القانون هو اتفاق بين المتعاقدين على تقدير التعويض الذي يستحقه من شُرِط له عن الضرر الذي يلحقه إذا لم ينفذ الطرف الآخر ما التزم به ، أو تأخر في تنفيذه .
ثانيًّا : يؤكد المجلس على قراراته السابقة بالنسبة للشرط الجزائي الواردة في قراره في السَّلَم رقم 85 ( 2 / 9 ) ، ونصه : ( لا يجوز الشرط الجزائي عن التأخير في تسليم المُسْلَم فيه ؛ لأنه عبارة عن دَيْن ، ولا يجوز اشتراط الزيادة في الدين عند التأخير) ، وقراره في الاستصناع رقم 65 ( 3/7 ) . ونصه : (يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطًا جزائيًّا بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة) ، وقراره في البيع بالتقسيط رقم 51 ( 2 / 6 ) ونصه : (إذا تأخر المشتري (المدين) في دفع الأقساط بعد الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين ، بشرط سابق ، أو بدون شرط ، لأن ذلك ربا محرم) .
ثالثًا : يجوز أن يكون الشرط الجزائي مقترنًا بالعقد الأصلي ، كما يجوز أن يكون في اتفاق لاحق قبل حدوث الضرر .
رابعًا : يجوز أن يشترط الشرط الجزائي في جميع العقود المالية ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دينًا ؛ فإن هذا من الربا الصريح .
وبناء على هذا ، فيجوز هذا الشرط في العقود المالية كعقد المقاولات بالنسبة للمقاول ، وعقد التوريد بالنسبة للمورد ، وعقد الاستصناع بالنسبة للصانع (البائع) ، إذا لم ينفذ ما التزم به ، أو تأخر في تنفيذه .
ولا يجوز الشرط الجزائي في البيع بالتقسيط بسبب تأخر المدين عن سداد الأقساط المتبقية ، سواء كان ذلك بسبب الإعسار أو المماطلة ،وكذا لا يجوز الشرط الجزائي في عقد الاستصناع بالنسبة للمستصْنِع (المشتري) إذا تأخر في أداء ما عليه .
خامسًا : الضرر الذي يجوز التعويض عنه يشمل الضرر المالي الفعلي ، وما لحق المضرور من خسارة حقيقية ، وما فاته من كسب مؤكد ، ولا يشمل الضرر الأدبي أو المعنوي .
سادسًا : لا يعمل بالشرط الجزائي إذا أثبت من شُرط عليه أن إخلاله بالعقد كان بسبب خارج عن إرادته ، أو أثبت أن من شُرط له لم يلحقه أي ضرر من الإخلال بالعقد .
سابعًا : يجوز للمحكمة بناء على طلب أحد الطرفين أن تعدل في مقدار التعويض إذا وجدت مبررًا لذلك ، أو كان مبالغًا فيه. (قرارات المجمع" (ص371) طبعة وزارة الأوقاف القطرية ).

الوجه الثالث: موقف القانون المدني اليمني من الشرط الجزائي:

مع أن القاعدة تقضي بأن العقد شريعة المتعاقدين، ومؤدى ذلك وجوب الالتزام بالشرط الجزائي الوارد في العقد الذي تم الاتفاق عليه بالتراضي بين أطراف العقد، إلا أن مبادئ الشريعة الاسلامية ومبادئ العدالة والإنصاف تكون مقدمة في هذه الحالة على قاعدة العقد شريعة المتعاقدين، فمبادئ الشريعة الاسلامية ومبادئ العدل والإنصاف تقتضي أن يتم تعديل المبالغ المذكورة في الشرط الجزائي إلى قدر الضرر الفعلي الذي لحق بالمتعاقد بسبب عدم الوفاء بالالتزام.
ومقتضى ذلك أن القاضي يقضي بتعديل مبلغ الشرط الجزائي سواءً في تخفيض مبلغ الشرط الجزائي أو في زيادة مبلغ الشرط الجزائي بحسب الضرر الفعلي الذي وقع بالفعل.
فللقاضي أن يقضي بتخفيض مبلغ الشرط الجزائي إذا كان هذا المبلغ أكثر من الضرر الفعلي الذي لحق بالمتعاقد، وكذلك يحق للقاضي أن يحكم بزيادة مبلغ الشرط الجزائي إذا كان مبلغ الشرط الجزائي يقل عن الضرر الفعلي الذي لحق بالمتعاقد، وكذا يحق للقاضي أن لايحكم بما ورد في الشرط الجزائي إذا ثبت له عدم وجود ضرر فعلي بسبب عدم القيام بتنفيذ الإلتزام أو التأخر في تنفيذه، والله أعلم.

الكلمات المفتاحية

تعديل القاضي للشرط الجزائي الشرط الجزائي القانون المدني الفقه الإسلامي التعويض

تعليقات

عدد الزوار