تزاحم عقود الإيجار على العين الواحدة

تزاحم عقود الإيجار على العين الواحدة

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
تزاحم عقود الإيجار على العين الواحدة
تزاحم عقود الإيجار على العين الواحدة

في بعض الحالات يقوم مالك العين أو وكيله بإبرام عدة عقود إيجار على العين الواحدة اما مع شخص واحد في فترات متتالية فيحل كل عقد منها محل العقد السابق له ، ففي هذه الحالة لاتتزاحم عقود الإيجار ولو كانت على عين واحدة ، لأن هذه العقود لم يتم ابرامها في فترة واحدة ، وانما في فترات متتالية ، فالعقد في هذه الحالة لا يزاحم غيره من العقود ، فالعقد اللاحق يحل محل العقد السابق له ولا يزاحمه.

اما إذا قام مالك العين بإبرام عدة عقود ايجار على العين الواحدة مع عدة اشخاص فان قانون تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر قد صرح بأن العقود اللاحقة للعقد الاول تكون باطلة ،لما يفضي اليه تعدد العقود على العين الواحدة من نزاع وفوضى ، ففي هذه الحالة يحدث التزاحم بين العقود، ولمعالجة هذا التزاحم فقد نصت المادة (13) من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر على أنه (لا يجوز إبرام أكثر من عقد إيجار واحد لنفس العين لمدة زمنية واحدة، وفي حالة المخالفة يقع باطلاً العقد أو العقود اللاحقة للعقد الأول، وإذا التبس أو تعذر إثباته تكون الحجية للعقد الموثق ، فإذا لم يكن هناك عقود موثقة تعطى الأولوية لمن سبق منهم إلى وضع يده على العين، ولا يعتد بالعقد الذي تم توثيقه بعد وضع اليد)، فقد جعل النص القانوني السابق الاولوية عند التزاحم للعقد الاسبق في التاريخ ، واذا التبس الأمر فلم يتم معرفة العقد الأسبق في التاريخ فالاولوية للعقد الموثق على غير الموثق ، واذا كانت جميع العقود غير موثقة فقد اعطى النص السابق الاولوية للمستاجر الذي وضع يده على العين المؤجرة على غيره من أصحاب العقود غير الموثقة، حتى لو قام أحدهم بعد ذلك بتوثيق عقده ، وقد اشار الى هذه المسالة الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 21-4-2010م في الطعن رقم (39795)، وقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: ((فالمادة (13) من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر تنص على عدم جواز إبرام أكثر من عقد إيجار واحد لنفس العين لمدة زمنية واحدة ، فهذه المادة لا تنطبق على الخصومة القائمة بين الطاعن والمطعون ضده ، لأن العقد الذي اقيمت الدعوى بناءً عليه هو عقد واحد، وقد سبقته عدة عقود، أما العقد الذي أكثر الطاعن من ترديده وهو المؤرخ.... فقد انتهى بإبرام عقد آخر بعده بين طرفي العلاقة))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: المقصود بتزاحم العقود على العين الواحدة في مدة زمنية واحدة:

كان جانب من النقاش في الحكم محل تعليقنا قد اتجه إلى هذه الجزئية، في حين بينت المادة (13) من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر بينت المقصود بتزاحم العقود على العين الواحدة في فترة زمنية واحدة ، وكذا بينت المادة المشار اليها بينت حكم تزاحم العقود، إذ نصت هذه المادة على أنه (لا يجوز إبرام أكثر من عقد إيجار واحد لنفس العين لمدة زمنية واحدة، وفي حالة المخالفة يقع باطلاً العقد أو العقود اللاحقة للعقد الأول، وإذا التبس أو تعذر إثباته تكون الحجية للعقد الموثق فإذا لم تكن هناك عقود موثقة تعطى الأولوية لمن سبق منهم إلى وضع يده على العين، ولا يعتد بالعقد الذي تم توثيقه بعد وضع اليد).

 ومن خلال سياق هذا النص يظهر ان تزاحم العقود على العين الواحدة يحدث إذا قام المؤجر بإبرام عدة عقود إيجار للعين الواحدة في فترة زمنية واحدة مع عدة أشخاص .

وقد عالج النص السابق تزاحم العقود وفقا للاحكام الآتية:

الاول : اذا تم التعرف على العقد الاسبق من خلال معرفة تاريخ ابرامه، فانه يكون هو النافذ الذي يجب العمل بموجبه ، فلا يتم العمل بالعقود اللاحقة له لأنها باطلة حسبما ورد في النص السابق ، فلم يعد لهذه العقود محل بعد قيام المؤجر بتاجير العين ذاتها للمستاجر الاول بموجب العقد الأول.

الثاني : إذا حدث التباس في معرفة العقد الأول ، فلم يتم التعرف على العقد الأول، كعدم وجود تاريخ ابرام العقد في العقود والعجز عن اثبات العقد الأول أو الأسبق منها باية طريقة من طرق الاثبات ، فاذا وقع الالتباس ولم يتم التحقق من العقد الأول ، فتتم المعالجة كما ياتي :

1- تكون الأولوية لصاحب عقد الإيجار الذي تم توثيقه على العقود الاخرى غيرالموثقة ، فان كانت العقود جميعا غير موثقة فتكون الاولوية لصاحب العقد الذي وضع يده على العين المؤجرة تنفيذيا لعقد الإيجار الذي بيده، فاذا وضع المستاجر يده على العين المؤجرة فقد ثبتت اولويته حتى لو قام بعد ذلك احد المستأجرين بتوثيق عقده ، فلايكون ذلك حجة في مواجهة المستاجر الذي وضع يده على العين بموجب عقد غير موثق ، ويعد المستاجر قد وضع يده على العين إذا استلم من الموجر مفاتيحها أو نقل المستاجر متاعه إليها أو استخدمها بالفعل،اما التخلية فلاتعد وضعا لليد.

2- إذا كانت جميع عقود الإيجار موثقة من غير أن يكون أحد المستأجرين قد وضع يده على العين المؤجرة وقام حيازة العين فإن الأولوية تكون لصاحب العقد الأقدم في تاريخ توثيق العقد.

الوجه الثاني: إبرام المؤجر لأكثر من عقد مع المستأجر نفسه الشاغل للعين المؤجرة:

كان جانب كبير من النقاش في الحكم محل تعليقنا بشأن مجادلة الطاعن بأن المؤجر المطعون ضده قد ابرم معه أكثر من عقد إيجار للعين التي يشغلها الطاعن المستأجر، واستدل الطاعن بالمادة (13) من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر السابق ذكرها، وقد رد الحكم محل تعليقنا على مجادلة الطاعن في واستدلاله بالمادة (13) بان ذلك النص لا ينطبق على حالة الطاعن، لأن العقود التي ابرمها المؤجر معه كانت في فترات إيجار متتالية، فكلما انتهت فترة من فترات الإيجار تم ابرام عقد إيجار جديد مع المستاجر الطاعن ، وهذا يعني أن كل عقد من هذه العقود يكون نافذاً من تاريخ ابرامه حتى تاريخ ابرام الذي يليه ويحل محله ، فالعقود المتعددة في هذه الحالة ليست مدة الايجار فيها متداخلة مع بعضها في فترة واحدة ، بل انها في فترات متتالية ومع مستاجر واحد ، وليست هذه العقود مثل تلك العقود التي يتم ابرامها مع عدة مستاجرين للعين الواحدة وفي فترة واحدة حسبما قضى الحكم محل تعليقنا، والله اعلم.