الأسباب الكافية لحمل الحكم

الأسباب الكافية لحمل الحكم

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

الحكم هو المنطوق، والمنطوق هو النتيجة التي تنتهي إليها اسباب الحكم، وأسباب الحكم هي المقدمات للمنطوق التي تبرر الحكم، وأسباب الحكم هي التي تدل على سلامة منطوق الحكم، وقد تكون أسباب الحكم كافية في تبرير منطوق الحكم ، كما أنها قد لا تكون كافية لتبرير الحكم أو حمله، حسبما اشار الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 30-1-2010م في الطعن رقم (36568)، وقد ورد ضمن أسباب ذلك الحكم: ((فما ساقه حكم الشعبة من أسباب لا تكفي لحمل النتيجة التي انتهى إليها في موضوع دعوى الطاعن الفرعية – التي ادعى فيها ان المطعون ضده قام  بإستلام مديونيات من العملاء لم تظهر أثناء المحاسبة التي قامت عليها المخالصة وكذا ما أدعى به الطاعن  من مديونيات اسماها بالوهمية اذ  لم يكن لها مؤيدات تمكن الطاعن من متابعة تحصيلها حسبما نصت عليه المخالصة))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: معنى الأسباب الكافية لحمل الحكم:

المقصود بالأسباب الكافية لحمل الحكم هو : الأسباب التي يستند إليها الحكم التي تكفي لتبرير منطوقه ، ولاتكون أسباب الحكم كافية  الا اذا  كانتً  منطقية تحقق ارتباط منطقي ووثيق بين الأسباب والمنطوق بحيث تؤدي هذه الاسباب إلى نتيجة الحكم (المنطوق) ، بمعنى عدم وجود أي تناقض أو تضارب بين الأسباب فيما بينها أو فيما بين الأسباب والمنطوق، كما ينبغي أن يكون لما ورد في أسباب الحكم أصل في أوراق القضية، فإذا تحققت هذه الشروط في أسباب الحكم فإنها  عندئذ تكون كافية لحمل الحكم أي حمل النتيجة التي توصل إليها الحكم، وهي منطوق الحكم.

الوجه الثاني: أسباب الحكم الكافية وأدلة الواقعة أو التصرف:

أسباب الحكم هي عبارة عن عرض لمجمل الوقائع والتصرفات محل الخلاف وأدلة أطراف النزاع والنصوص القانونية الواجبة التطبيق عليها ومناقشة أدلة أطراف النزاع والموازنة والترجيح بينها، ولذلك فأن مفهوم أسباب الحكم الكافية يرتبط ارتباطاً جدلياً بأدلة الوقائع والتصرفات محل الخلاف الذي ينظره القاضي، فإذا استطاع الخصم أن يقدم الأدلة الكافية لإثبات التصرف أو الواقعة أو نفيها وقام القاضي بعرض هذه الأدلة ومناقشتها والترجيح بينها وفقاً للمنهج المقرر في صياغة الحكم القضائي، فإن أسباب الحكم تكون في هذه الحالة كافية لحمل الحكم.

الوجه الثالث: تفاوت أدلة إثبات الواقعة أو التصرف:

من المعلوم يقيناً أن أدلة إثبات الوقائع والتصرفات تتفاوت من حيث قوتها أو ضعفها في الدلالة، فليست أدلة اثبات الوقائع والتصرفات  التي يقدمها الخصوم في مرتبة واحدة من حيث دلالتها على إثبات الواقعة أو نفيها، فقد يكون الدليل الوحيد أو أحد الادلة كافياً لحسم النزاع أو ثبوت الواقعة أو نفيها ، كما هو الحال بالنسبة لليمين الحاسمة، وقد يكون الدليل ضعيفاً لا يقوى وحده لإثبات الواقعة ولكنه يتقوى إذا ما تساند وتظافر مع غيره من الأدلة فأنه يتقوى بها.

وعلى هذا الأساس  فقد يكون سبب واحد من أسباب الحكم كافياً لحمل الحكم، فالعبرة ليست بكثرة الأسباب بل بقوة  دلالتها في إثبات الواقعة أو نفيها.

الوجه الرابع: أسباب الحكم الزائدة:

إذا توفرت أسباب الحكم الكافية بحسب المفهوم المشار إليه في هذا التعليق فقد تحقق المقصود وكانت أسباب الحكم ومنطوقه صحيحين، وذلك هو القدر المطلوب من القاضي عند صياغته لاسباب الحكم ومنطوقه ، فإذا ازاد القاضي فوق الأسباب الكافية فتلكم هي أسباب الحكم الزائدة.

وأسباب الحكم الزائدة لا يعني ذلك أنها عبث بل معناها أنها  زائدة عن الأسباب الكافية لحمل الحكم، فأسباب الحكم الزائدة تدل على إيجابية القاضي ودوره التنويري، فأسباب الحكم الزائدة قد تتضمن إرشاد للخصوم كأن يقول القاضي في أسباب الحكم: فما ذكره المدعى عليه لا محل لإثارته أمامنا فمحله أن يقوم المدعى عليه برفع دعوى مبتدأة إن أراد ذلك، وقد تتضمن أسباب الحكم الزائدة إرشاد للمحامين، كأن يقول القاضي في أسباب الحكم: اما ما ذكره محامي المدعي فهو تخريج لم يذهب إليه  أحد من شراح القانون حسبما ورد في كتاب نظرية الدفوع لأبي الوفاء ص: كذا، كما قد تتضمن الأسباب الزائدة توصية للسلطة التشريعية بتعديل نص معيب كأن يقول القاضي ضمن الأسباب الزائدة: ونتمنى أو نوصي المقنن بتعديل هذا النص، وكذا تتضمن أحكام المحكمة العليا في اليمن ومحاكم النقض والتعقيب والتمييز في العالم العربي تتضمن الأسباب الزائدة لأحكامها توجيهات إلى محاكم الموضوع لتلافي كثير من أوجه القصور في أحكام محاكم الموضوع في المستقبل، والله اعلم.

الأسباب الكافية لحمل الحكم
الأسباب الكافية لحمل الحكم.


تعليقات

عدد الزوار