التوفيق للصلح بين الخصوم لا يكون إكراها

التوفيق للصلح بين الخصوم لا يكون إكراها

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

التوفيق بين الخصوم لايكون إكراها أو إحراجا أو تدليسا على الخصوم لحملهم على التوقيع على عقد الصلح ، فالتوفيق بين الخصوم تمهيدا للصلح بينهم يحتاج إلى مهارات وخبرات للتقريب بين وجهات نظر الخصوم المتباعدة، عن طريق تقديم الموفقين المشورة والنصح والمقترحات والبيانات والمعلومات اللازمة للخصوم لتبصير الخصوم بما يحق لهم ومالايحق لهم، وعرض المزايا الشرعية والقانونية للصلح حتى يقوم الخصوم بإبرام عقد الصلح والتوقيع عليه عن وعي وبصيرة، ولذلك فقد ظهرت مراكز تتولى التوفيق بين الخصوم في كثير من الدول، كما ظهر قاضي الصلح في غالبية الدول، وعلى هذا الاساس فان دور الموفقين وندبهم الخصوم للصلح وتقديم الموفقين للمقترحات أو صياغة مشروع عقد الصلح أو اقتراح بنود عقد الصلح لايكون ذلك من قبيل التدليس أو الاكراه أو الإحراج للخصوم على إبرام عقد الصلح والتوقيع عليه ، ولذلك لا تقبل دعوى الخصم بأن عملية التوفيق بين الخصوم من قبيل إكراه الخصوم أو إحراجهم أو التدليس عليهم للتوقيع على عقد الصلح، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 21-6-2010م في الطعن رقم (40789)، وقد ورد ضمن أسباب ذلك الحكم: ((والدائرة تجد أن: نعي الطاعن غير سديد، لأن الصلح عقد يتم بالتراضي بين الطرفين فقد عرَّف القانون المدني الصلح في المادة (668) مدني التي نصت على أن: الصلح عقد يرفع النزاع ويقطع الخصومة يحسم به الطرفان نزاعاً قائماً أو يتوقيان به نزاعاً محتملاً، وذلك بأن يتنازل كلٍ منهما عن جزء من إدعائه، ومن خلال إستقراء هذا النص يتبين أن التراضي هو الأساس للقول بقيام الصلح بين الطرفين، ومن ثم لا يستلزم القانون أن يكون التوصل إلى صلح دون تدخل الغير، بل أن المتعارف عليه والغالب في التعاملات أن يتم التوصل إلى الصلح بمساعٍ يبذلها شخص من غير أطراف الخصومة، يتولى التقريب بين وجهتي النظر، والمادة (214) مرافعات تنص على أنه (يجوز للخصوم في أية حالة تكون عليها الخصومة أن يتصالحوا فيها ويقدموا ما اتفقوا عليه مكتوباً وموقعاً عليه منهم أو من وكلائهم المفوضين بالصلح...))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: ماهية التوفيق بين الخصوم:

التوفيق بين الخصوم هو: تقريب وجهات نظر الخصوم المتباعدة بشأن محل النزاع بينهم، حيث أن فكرة الخصومة بين الخصوم تعني أن لكل خصم بشان النزاع القائم وجهة نظر مختلفة تماماً عن رؤية خصمه الآخر للنزاع، إذ تكون وجهات نظر الخصوم في الشان متباعدة، ولذلك فأنه يتعذر إبرام عقد الصلح بين الخصوم قبل أن تسبق ذلك إجراءات التوفيق بين وجهات نظر الخصوم المتباعدة، وتتولى التوفيق بين الخصوم وتقريب وجهات نظرهم شخصيات ومراكز متخصصة تمتلك المعلومات والبيانات والمهارات المناسبة للقيام بهذا العمل الجليل، ولذلك فإن غالبية مراكز التحكيم العربية والعالمية من ضمن اهتماماتها التوفيق للصلح بين الخصوم، بل أن غالبية الدول قد استحدثت نظام (قاضي الصلح) الذي يتولى مهمة التوفيق بين الخصومة تمهيداً للصلح بينهم. (تطور وتطوير القضاء في اليمن، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، ص112).
ويتولى مهمة التوفيق بين الخصوم خبراء في الشريعة والقانون وعلم النفس تتوفر لديهم الإمكانيات اللازمة لتقديم البيانات والمعلومات والتصورات والمقترحات الشرعية والقانونية للخصوم ، وبيان مدى موافقة وجهات نظر الخصوم لأحكام الشريعة ونصوص القانون ،ولابد من أن تتوفر لدى من يتولى التوفيق بين الخصوم بعض الخبرة في مجال علم النفس والقدرة على إدارة المفاوضات والقدرة على إقناع الغير ، وينبغي أن يتحلى الموفقون بالصبر والتروي والقدرة على عرض محاسن الصلح الشرعية والقانونية.
ومن خلال ما سبق ذكره في هذا الوجه تظهر الطبيعة القانونية للتوفيق للصلح بين الخصوم، إذ يقتصر دور الموفقين بين الخصوم على تقديم المشورة والنصح والمقترحات والتصورات للخصوم بغية تقريب وجهات نظر الخصومة تمهيداً للصلح بينهم، فعمل التوفيق بين الخصوم لاينطوي على غش أو تدليس أو اكراه أو إحراج .

الوجه الثالث: مدى تأثير الموفقين على الخصوم ودفعهم للتصالح:

كان جانب من النقاش في الحكم محل تعليقنا قد تناول مدى تأثير الموفقين على الخصوم لدفعهم إلى إبرام عقد الصلح فيما بينهم، إذ كان الطاعن يناقش في طعنه أن الصلح الذي ابرمه مع خصمه المطعون ضده كان بفعل تأثير الموفقين الذين اقترحوا بنود عقد الصلح، إذ اقتصر دور الخصوم على التوقيع على عقد الصلح الذي صاغ بنوده الموفقين (المصلحين)، وقد رفض الحكم محل تعليقنا نعي الطاعن في هذا الشأن، وقد سبب الحكم محل تعليقنا رفضه لمناعي الطاعن في هذا الشأن بأن دور الموفقين هو تقديم المقترحات والمشورة للخصوم لتقريب وجهات نظرهم ، بما في ذلك إقتراح بنود عقد الصلح، وصرح الحكم محل تعليقنا بأن إجراءات الموفقين على هذا النحو لا تصل إلى حد الإكراه المادي والمعنوي أو إحراج الخصوم لحملهم على إبرام عقد الصلح والتوقيع عليه ، طالما ان توقيع الخصوم على عقد الصلح قد كان برضا الخصوم أنفسهم عند التوقيع على العقد .

الوجه الرابع: فكرة الغبن تتنافى مع فكرة الصلح:

عقد الصلح وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية والمادة (668) مدني عقد يتم بمقتضاه رفع وحسم النزاع بين الخصوم سواء أكان هذا النزاع موجوداً بالفعل أو من المحتمل وقوعه في المستقبل، ومفهوم الصلح يقوم على إسقاط الخصوم لبعض حقوقهم أو طلباتهم، فالصلح يقوم على الإسقاط ، ولذلك فإن فكرة الغبن بمعني زيادة أو نقص الشئ المتصالح عليه في عقد الصلح تتنافى مع فكرة الإسقاط التي يقوم عليها عقد الصلح، وعلى هذا الأساس لا يحق لأي من أطراف الصلح الإدعاء بالغبن أي الادعاء بنقصان أو زيادة ماصار له أو لخصمه بموجب الصلح، ولخطورة آثار عقد الصلح فإنه لا يجوز للولي عن القاصرين اوالوقف اوالمال العام أن يصالح.
بيد انه من الممكن ان تشوب عقد الصلح عيوب الارادة الأخرى غير الغبن باعتبار عقد الصلح عقدا مثل غيره من العقود ، فقد تتعيب إرادة الخصم المصالح ، وعندئذ يحق له ان يرفع دعوى بطلان عقد الصلح امام المحكمة الابتدائية المختصة إذا كان قد تم إبرام عقد الصلح خارج المحكمة، اما إذا تم الصلح أثناء نظر المحكمة النزاع فيتم تضمين عقد الصلح في محضر جلسة المحاكمة ثم يتم تضمين الصلح في الحكم الذي يصيرسندا تنفيذيا ، وعندئذ يتم إستئناف الحكم وفقا للقواعد العامة ،والله اعلم.

التوفيق للصلح بين الخصوم
التوفيق للصلح بين الخصوم.