متى يكون الدفع بعدم صحة الدعوى متعلقاً بالنظام العام؟
متى يكون الدفع بعدم صحة الدعوى متعلقاً بالنظام العام؟
في حالات كثيرة يتم الخلط بين جهالة بيانات الدعوى وعدم صحتها وبين شروط صحة الدعوى، ويترتب على هذا الخلط، إعتبار الدفع بجهالة بيانات الدعوى من الدفوع التي تندرج ضمن الدفع بعدم صحة الدعوى لفقدان شروطها ، اذ يذكر بعض الخصوم في عريضة دفعه بعدم توفر بيانات الدعوى بأن هذا الدفع من النظام العام ، مع أن قانون المرافعات اليمني قد صرح في الفقرة (2) من المادة المادة (186)بأن الدفع المتعلق بالنظام العام هو الدفع بعدم صحة الدعوى الذي يرجع إلى فقدان الدعوى لشرط من شروطها كالصفة والمصلحة والحق في رفع الدعوى ، اما الدفع بعدم صحة الدعوى الذي يرجع إلى تخلف أو جهالة بيانات الدعوى المحددة في المادة (104) مرافعات من غير شروط الدعوى فان الدفع لايكون متعلقا بالنظام العام.
وقد بينت المادة (104) البيانات الواجب توفرها في عريضة الدعوى واوجب النص القانوني المشار إليه اوجب على المحكمة إستيفاء البيانات الناقصة وتصحيحها وذلك قبل تصريح الدعوى وترسيمها واحالتها إلى القاضي المختص واعلان المدعى عليه بها ، وفي تعديل (2010) تم تضمين المادة (104) الزام المحكمة المحكمة بدراسة عريضة الدعوى ومرفقاتها للتأكد من إستيفاء بياناتها وتصحيحها قبل احالتها الى القاضي المختص ، ولاريب ان هدف المقنن من ذلك هو تجفيف منابع الدفوع بجهالة الدعوى وطلبات تصحيح الدعوى أثناء نظر القاضي المختص للدعوى ، لأن هذه الدفوع والطلبات تنهك القضاء وتطيل اجراءات التقاضي وتحول دون تحقيق هدف العدالة الناجزة .
فبعد فحص المحكمة لعريضة الدعوى واستيفاء البيانات الناقصة وتصحيح البيانات غير الصحيحة فانه من المفروض بعد ذلك ان لاتكون هناك دفوع أو طلبات تصحيح الدعوى أو الدفوع بجهالة الدعوى، غير أنه لم تقم المحكمة بفحص بيانات الدعوى وإستيفاء البيانات الناقصة وتصحيح البيانات غير الصحيحة وتم تصريح الدعوى وإعلان المدعي عليه بها وقبل إستيفاء بياناتها وتصحيحها فانه يحق للمدعى عليه أن يطلب من المحكمة الزام المدعى بتصحيح الدعوى واستيفاء البيانات الناقصة ،كما يحق للمدعي عليه ان يدفع بجهالة الدعوى أو عدم صحة بياناتها ، بيد أن هذا الدفع في هذه الحالة لايكون من قبيل الدفع بعدم صحة الدعوى لفقدان شروطها المقرر في الفقرة (2) من المادة (186)مرافعات كما لايكون الدفع بعدم صحة بيانات الدعوى اوجهالتها من الدفوع المتعلقة بالنظام العام ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 12-7-2009م في الطعن رقم (38034)، وقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: ((فأنه بإطلاع هذه الدائرة على ما دفع به المدعى عليه (الطاعن بالنقض حالياً) أمام محكمة أول درجة بعدم صحة الدعوى تبين أنه: ليس من قبيل الدفع بعدم القبول (عدم جواز النظر) الذي جاء في المادة (186) مرافعات، لأن الدفع بعدم القبول يرمي إلى الطعن بعدم توفر الشروط اللازمة لسماع الدعوى وهي الصفة والمصلحة والحق في رفع الدعوى، فإذا لم يكن الدفع بعدم القبول متعلقاً بما ذكر كما هو حال الدفع الذي نحن بصدده في هذه القضية فأنه يخرج عن نطاق الدفع بعدم القبول، لأن العبرة في تكييف الدفع هو بحقيقة جوهره ومرماه، ولذلك لا يعتبر ما دفع به الطاعن طبقاً لما سبق إيضاحه لا يعتبر من النظام العام))، وقد كان دفع الطاعن أمام محكمة أول درجة باسم (دفع بعدم قبول الدعوى شكلاً لجهالتها ولعدم إستيفائها شروط صحتها كون المدفوع ضدهم لم يبينوا في دعواهم اسم الموضع المدعى حصول السعي فيه ولم يبينوا عدد الأراضي اللاتي قالوا انهم عرفوا الدافع بها وانهم لم يبينوا كاتب البصيرة ولم يبينوا البائع الذي اتفقوا معه على أن السعاية على المشتري.
وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: الدفع بعدم صحة الدعوى لفقدان شرط من شروطها:
وهو الدفع المنصوص عليه في الفقرة (2) من المادة (186) مرافعات التي نصت على أنه (تعتبر من الدفوع المتعلقة بالنظام العام الدفوع التالية: -2- الدفع بعدم صحة الدعوى لفقدان شرط من شروطها) ، وقد صرح هذا النص أن هذا الدفع من الدفوع المتعلقة بالنظام العام، ومؤدى ذلك أنه يجوز إثارته في أية درجة من درجات التقاضي وفي أية مرحلة من مراحل الخصومة، ولو أمام المحكمة العليا ، كما يجب على المحكمة أن تتصدى له من تلقاء ذاتها ولو لم يطلب ذلك أحد الخصوم، وكذا يجب على محكمة الموضوع أن تفصل في هذا الدفع بحكمٍ مستقل بداية وقبل الخوض في موضوع الدعوى محل الدفع.
ومن خلال التأمل في الدفع بعدم صحة الدعوى لفقدان شرط من شروطها على النحو المقرر في المادة (186) مرافعات السابق ذكرها نجد أنه: لا يجوز إبداء هذا الدفع والتمسك به إلا إذا تعلق الدفع بالفعل بشرط من شروط الدعوى التي اشار إليها الحكم محل تعليقنا وهي: الصفة والمصلحة والحق في رفع الدعوى، اما إذا كان موضوع الدفع عدم توفر بعض بيانات الدعوى أو جهالتها أو عدم صحتها فلا يندرج ضمن مفهوم (الدفع بعدم صحة الدعوى لفقدان شرط من شروطها) حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.
علما بأن شروط الدعوى هي شروط لقبول الدعوى حسبما قضى الحكم محل تعليقنا فلايجوز قبول الدعوى اذا لم تتوفر شروط الدعوى، ويشترط القانون لسماع الدعوى توفر شروط معينة ، وبغير توافرها تحكم المحكمة بعدم قبول الدعوى دون حاجة إلى ان تتعرض لموضوعها . وهذه الشروط هي :
1-أن تكون لرافع الدعوى مصلحة في رفعها .
2-ألا يكون قد سبق صدور حكم في موضوعها ، إذ لا يجوز للمحكمة أن تفصل في نزاع سبق أن حسمه حكم سابق تطبيقا لمبدأ حجية الشيء المحكوم به ، إلا إذا كانت هذه المحكمة مختصة بنظر الطعن الموجه لذلك الحكم .
3-أن ترفع الدعوى في المناسبة أو الميعاد الذي حدده القانون، فلا تقبل إذا رفعت قبل هذا الميعاد ومثال ذلك دعوى فسخ الزواج لغياب الزوج التي لاترفع الأبعد انقضاء سنة لغير المنفق وسنتين للمنفق .
4-ألا يكون قد اتفق على التحكيم بصددها ، لأن مثل هذا الاتفاق يعد صحيحا وملزما لطرفيه وبالتالي يمنع المحكمة من سماع الدعوى .
5-ألا يكون قد تم صلح بين الخصوم بصدد الدعوى المرفوعة ، إذ أنه بمقتضى الصلح لا يعتد بما كان للخصوم من حقوق سابقة شملها ذلك الصلح ، وبالتالي لا يكون لديهم دعوى لحمايتها. أما إذا ثار النزاع بصدد تفسير الصلح فمن الجائز أن ترفع دعوى بصدد تفسيره وتحديد حقوق أطرافه . (شروط قبول الدعوى، د. عثمان التكروري،ص2).
الوجه الثاني: الدفع بجهالة الدعوى:
حددت المادة (104) من قانون المرافعات اليمني البيانات الواجب توفرها في عريضة الدعوى، فقد نصت المادة (104) على أنه (-ا- ترفـع الدعـوى بعريضة أصليـه وصـور تكون بعـدد المدعى عليهم ويجب أن تتضمن العريضة البيانات التالية: 1 – اسم المدعي ولقبه ومهنته وموطنه 2 – اسم المدعى عليه ولقبه ومهنته وموطنه، فإن لم يكن له موطن معلوم فآخر موطن كان له 3 – تاريخ تقديم العريضة 4 – اسم المحكمة التي ترفع أمامها الدعوى 5 – بيان موطن مختار للمدعي في البلدة التي بها مقر المحكمة إن لم يكن له موطن فيها 6 – بياناً وافياً مختصراً عن موضوع الدعوى وأدلتها إجمالا وطلبات المدعي محددة نوعها وصفتها وهل يطلبها بصفة مستعجلة أم عادية وترفق بها المستندات بحافظة 7- توقيع المدعي أو وكيله ، مع ذكر تاريخ الوكالة والجهة التي صدقت عليها .-ب- على المدعي عند تقديم عريضة دعواه ان يؤدي عنها الرسم المقرر وأن يوقع هو أو وكيله على صور المستندات بعدد المدعى عليهم وذلك لمطابقتها مع الأصول.-ج- يقيد قلم الكتاب عريضة الدعوى في ساعة ويوم تقديمها بالسجل الخاص بذلك ويثبت تاريخ الجلسة المحددة من قبل رئيس المحكمة لنظر الدعوى على أصل العريضة ويوقع عليها المدعي أو وكيله بما يفيد علمه بتاريخ الجلسة.-د- تبلغ صورة عريضة الدعوى مع مرفقاتها إلى الخصم وفقا لاحكام الفصل السابع من هذا القانون الخاص بإعلان الأوراق.-و- يجوز للمحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب المدعى عليه ان تقرر إعتبار الدعوى كان لم تكن اذا لم يتم تكليف المدعى عليه بالحضور خلال ستين يوماً من تاريخ تقديم عريضة الدعوى الى قلم الكتاب ان كان ذاك بفعل المدعي.-ز- تستوفي المحكمة في قلم الكتاب وباشراف رئيس المحكمة أو القاضي المختص اجراءات فحص الدعوى واستيفاء شروطها بما في ذلك الصفة والمصلحة واعلان المدعى عليه للرد على الدعوى ثم يحدد موعد الجلسة للمواجهة بين الخصوم والترافع امام القاضي).
وقد اكد النص القانوني السابق على أنه يجب على المحكمة أن تستوفي شروط الدعوى (الصفة والمصلحة والحق في رفع الدعوى) ، وكذا يجب على المحكمة أن تستوفي بيانات الدعوى المحددة تفصيلا في النص السابق.
فإذا تخلف أي شرط من شروط الدعوى السابق ذكرها فانه يحق للمدعى عليه ان يواجه الدعوى بدفع اسمه الدفع بعدم صحة الدعوى لفقدان احد شروطها.
اما إذا لم تتضمن عريضة الدعوى بعض البيانات المذكورة في المادة (104) مرافعات السابق ذكرها فأنه يترتب على ذلك جهالة الدعوى جزئياً أو كلياً بحسب البيانات التي لم تتضمنها الدعوى.
فإذا تمت احالة الدعوى التي تخلفت بعض شروطها إلى القاضي المختص ولم يتم إستيفاء البيانات في قلم الكتاب حسبما ورد في النص القانوني السابق وقامت المحكمة بتكليف المدعى عليه بالرد عليها فعندئذٍ يحق للمدعى عليه أن يدفع أمام المحكمة بعدم صحة الدعوى لفقدان شروطها أو أحد شروطها مبينا في دفعه الشرط الذي تخلف والادلة على ذلك ويكون هذا الدفع من النظام العام.
وكذلك يحق للمدعى عليه إذا تمت احالة الدعوى الى القاضي المختص قبل استيفاء بياناتها وتم إعلان المدعى عليه بها يحق له ان يدفع بجهالة الدعوى مبيناً في دفعه البيانات الناقصة وأوجه الجهالة في عريضة الدعوى، وإذا كان الدفع صحيحاً فإن المحكمة تأمر المدعي بإستيفاء البيانات الناقصة وتصحيح البيانات غير الصحيحة فإذا لم يقم المدعي بإستيفاء البيانات أو يصححها فإن المحكمة تقضي برفض الدعوى.، بيد أن الدفع بعدم صحة بيانات الدعوى أو جهالتها ليس دفعاً متعلقاً بالنظام العام، لأن موضوع هذا الدفع ليس شروط الدعوى وإنما بيانات الدعوى حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.
الوجه الثالث: ضرورة قيام المحكمة بإستيفاء بيانات الدعوى أو تصحيحها قبل قيدها وإحالتها إلى القاضي المختص:
سبق القول بأن المادة (104) مرافعات قد حددت بالتفصيل البيانات الواجب توفرها في عريضة الدعوى وفي الوقت ذاته فقد صرحت هذه المادة بأنه يجب على المحكمة دراسة عريضة الدعوى ومستنداتها للتأكد من إستيفاء البيانات المحددة في المادة ذاتها ، ومقتضى ذلك أن المحكمة تكلف المدعي بإستيفاء البيانات الناقصة وتصحيح البيانات غير الصحيحة، وبعد ذلك يتم تصريح الدعوى وقيدها ثم إعلان المدعى عليه بعريضة الدعوى، ومن خلال ذلك يظهر أن إرادة المقنن اليمني من هذا النص هو تبسيط إجراءات التقاضي وتلافي الدفوع وطلبات التصحيح للدعوى اثناء نظر المحكمة للدعوى.
والواقع يظهر أن إحالة الدعوى إلى القاضي المختص وإعلان المدعى عليه بعريضة الدعوى قبل إستيفاء بياناتها وعقد جلسات المحاكمة قبل إستيفاء بيانات الدعوى أو تصحيحها سبب من أهم أسباب إطالة إجراءات التقاضي وعائق من عوائق تحقيق العدالة الناجزة، حيث تستغرق االدفوع بجهالة الدعوى وطلبات تصحيحها وقتاً وجهداً ومالاً وتنهك الخصوم والقضاء معاً، والقضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا خير شاهد على ذلك.
الوجه الرابع: إمكانية تقديم الدعوى المصححة أو المستوفاة بعد رفضها لعدم صحة بياناتها أو عدم إستيفاء بياناتها:
ليس هناك ثمة مانع قانوني يحوّل دون قيام المدعي الذي سبق لمحكمة الموضوع أن قضت برفض دعواه لعدم إستيفاء بياناتها ليس هناك مانع قانوني يمنعه من إعادة تقديم دعواه بعد تصحيحها أو إستيفاء بياناتها كدعوى جديدة باجراءات جديدة ، مع أنه قد سبق للمحكمة أن حكمت برفض الدعوى ذاتها لعدم صحتها أو إستيفاء بياناتها، لأن الدعوى الثانية صحيحة ومستوفاة غير تلك الدعوى السابقة التي كانت بياناتها غير صحيحة أو غير مستوفاة، وهذا الأمر يكشف عن خطورة إحالة الدعوى الى القاضي المختص قبل استيفاء بياناتها ،ويؤكد هذا الأمر على ضرورة الإلتزام بما ورد في المادة (104) مرافعات السابق ذكرها التي اشترطت صراحة قيام المحكمة بإستيفاء بيانات الدعوى قبل إحالتها إلى قاضي الموضوع لنظرها.
وقد كان من ضمن اهداف تعديل نص المادة (104) عام 2010 تضمين النص إلزام المحكمة بإستيفاء بيانات عريضة الدعوى قبل احالتها الى القاضي المختص واعلان المدعى عليه بها ، لأن المقنن حينما قام بتعديل النص السابق كان يريد تسريع اجراءات التقاضي وتحقيق مبدأ الاقتصاد في اجراءات التقاضي ومبدا عدم الهدر الإجرائي، والله أعلم.
![]() |
| متى يكون الدفع بعدم صحة الدعوى متعلقاً بالنظام العام؟ |

تعليقات
إرسال تعليق