إعتبار المدعى عليه منكراً للدعوى في القانون اليمني
إعتبار المدعى عليه منكراً للدعوى في القانون اليمني
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون –
جامعة صنعاء
من
أهم واجبات القاضي مراقبة الخصوم في إستعمالهم لحق التقاضي للحيلولة دون دون التقاضي
الكيدي وإطالة إجراءات التقاضي، وقد منح قانون المرافعات القاضي سلطات وصلاحيات
وأدوات قانونية عدة لمواجهة تعمد الخصوم إطالة إجراءات التقاضي ، ومن ذلك إعتبار
المدعى عليه منكراً للدعوى المرفوعة عليه إذا امتنع المدعى عليه عن الرد على
الدعوى وطلب تاجيل الرد لسبب واحد اكثر من
مرتين .
وإعتبار المدعى عليه منكراً لا يعني منعه بعد
ذلك من تقديم رده على الدعوى وأدلته وتجريده من وسائل دفاعه
ودفوعه، فإعتبار المدعى عليه منكرا للدعوى مجرد وسيلة شرعية وقانونية لتمكين المدعي من تقديم أدلة
إثبات دعواه وعدم الاذعان لمحاولات المدعى عليه في تعطيل اجراءات المحكمة في نظر
الدعوى المرفوعة على المدعى عليه ، كما ان
إعتبار المدعى عليه منكرا للدعوى وسيلة لحمل المدعى عليه على الرد على الدعوى
وتقديم أدلته وأوجه دفاعه بسبب خشيته من الحكم للمدعي بعد تمكين المدعي من تقديم أدلته، بيد أنه إذا لم يقم المدعى عليه
بالرد على الدعوى وتقديم أوجه دفاعه بعد إعتباره منكراً فأنه يكون قد فرط في حقه فيتحمل
تبعة موقفه السلبي ، فالمحكمة عندئذٍ ان تحكم في القضية بموجب ما تم تقديمه إليها،
حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة
بتاريخ 25-11-2012م في الطعن رقم (50187)، وقد ورد ضمن أسباب هذا الحكم:
((فالدائرة: تجد أن نعي الطاعن في غير محله، فالمتتبع للإجراءات التي تمت أمام
المحكمة الابتدائية يجد أن المحكمة عقدت جلسة بتاريخ.... حضرها المدعى عليه بشخصه
وتم إملاء الدعوى عليه المتضمنة طلب إخلاء العين المؤجرة منه وتسديد الإيجارات،
وقد طلب المدعى عليه منحه فرصة للرد على الدعوى، كما عقدت المحكمة جلسة أخرى
بتاريخ..... حضرها المدعى عليه أيضاً، كما حضر جلسة ثالثة بتاريخ..... وطلب منحه
فرصة للرد على الدعوى، ولذلك فإن القول بعد ذلك بأن محكمة أول درجة قد استعجلت
بإعتباره منكراً ، وإن المحكمة الاستئنافية لم تراع تظلمه في هذا الخصوص، فالدائرة
تجد: أن نعي الطاعن مجافٍ للحقيقة، إذ جاء
في نص المادة (169) مرافعات أن (للمحكمة بعد التأجيل مرتين للسبب نفسه إلا تستجيب
لطلب المدعى عليه إذا استشعرت عدم جديته وطلب المدعي الإستمرار في نظر الدعوى))،
وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: إعتبار المدعى عليه منكراً للدعوى في قانوني المرافعات والإثبات:
اشار الحكم محل تعليقنا إلى المادة (169) مرافعات
التي يفهم منها إعتبار المدعى عليه منكراً اذا تكرر منه تاجيل الرد على الدعوى المرفوعة منه لسبب واحد اكثر
من مرتين، حتى لايترتب على التاجيل في
الرد على الدعوى تعطيل الفصل في القضية وتعطيل اجراءات المحكمة واطالة اجراءات التقاضي ، لان المدعى
عليه في الغالب من مصلحته إطالة اجراءات التقاضي وتعطيل الفصل في الدعوى المرفوعة عليه ، ووضع
العراقيل للحيلولة دون حصول المدعي على
حقه المدعى به ، وفي هذا المعنى فقد نصت المادة (169) مرافعات على أنه (إذا تخلف المدعى عليه عن تنفيذ ما تأجلت الدعوى
بسببه للمرة الثانية وطلب التأجيل جاز للمحكمة أن تحكم عليه بتعويض مناسب للمدعي
إن طلب ذلك، ويجوز أن تحكم عليه بغرامة لا تزيد عن خمسة آلاف ريال للخزينة العامة
جزاء على تعطيل المحكمة ويجوز أن تتكرر الغرامة كلما طلب التأجيل، وللمحكمة بعد
التأجيل مرتين للسبب نفسه ألا تستجيب لطلب المدعى عليه إذا استشعرت عدم جديته وطلب
المدعي الإستمرار في نظر الدعوى)، فإذا استشعرت المحكمة عدم جدية المدعى عليه في
طلبه التأجيل بعد أن سبق له أن طلب التأجيل للسبب نفسه مرتين ، فعندئذٍ لا تستجيب
المحكمة لطلبه التأجيل للمرة الثالثة وتستمر المحكمة في نظر الدعوى إذا طلب المدعي
الإستمرار في نظر دعواه المرفوعة أمام المحكمة، ومؤدى عدم إستجابة المحكمة لطلب
المدعى عليه التأجيل للمرة الثالثة واستمرار المحكمة في نظر الدعوى مؤدى ذلك هو تمكين المدعي من تقديم أدلة إثبات دعواه حتى
لو لم يرد المدعى عليه.
وفي
هذا الشأن أيضا نصت المادة (9) من قانون الإثبات على أنه (إذا كان المدعى عليه
حاضراً وجب عليه أن يجيب على الدعوى بالإقرار أو بالإنكار ولا يشترط اللفظ بل يكفي
المعنى فإن امتنع أُعتبر منكراً)، فإمتناع المدعى عليه عن الرد عن الإجابة
بالإقرار أو الإنكار يجعله في حكم المنكر للدعوى مع أنه ليس منكراً لها حقيقة.
الوجه الثاني: معنى إعتبار المدعى عليه منكراً:
وفقاً
للنصين السابقين (المادة (169) مرافعات والمادة (9) ) إثبات السابق ذكرهما فإن الواجب على المدعى عليه أن
يجيب على الدعوى بالإقرار أو الإنكار، ويجوز له أن يقدم الدعاوى والطلبات المقابلة
وكذا الدفوع للدعوى الأصلية الموجهة إليه، غير أنه إذا رفض المدعى
عليه الإجابة على الدعوى بالإقرار أو
الإنكار بعد طلب التأجيل لمرتين للسبب ذاته فإن ذلك يدل على نية المدعى عليه تعطيل
إجراءات نظر الدعوى المرفوعة عليه وتعطيل إجراءات المحكمة والمحاكمة، حسبما ورد في
المادة (169) مرافعات السابق ذكرها، ولذلك ينبغي للمحكمة أن تعتبر المدعى عليه في
هذه الحالة في حكم المنكر للدعوى، والإستمرار في إجراءات نظر الدعوى المرفوعة عليه
، وتمكين المدعي من تقديم أدلته حتى لو لم يرد المدعى عليه على الدعوى، لأن الشرع
والقانون يلزما المدعي بإثبات دعواه، فليس من المقبول تعطيل إجراءات نظر الدعوى
وتعليقها على مشيئة المدعى عليه الذي قد يتعمد تعطيل إجراءات نظر الدعوى لمنع
المدعي من الوصول لحقه والحصول عليه بحكم من القضاء.
الوجه الثالث: مركز المدعى عليه في الدعوى حينما يتم إعتباره منكراً للدعوى:
إعتبار المدعى عليه منكراً للدعوى على النحو
السابق بيانه لا يخل بحقوق المدعى عليه في الدفاع والإدعاء المقررين في الدستور والقانون، لأن إعتبار المدعى عليه
منكراً للدعوى لا يمنعه من الرد على الدعوى لاحقاً ، كما أن ذلك لا يحوّل بين
المدعى عليه وبين تقديم أدلته وأوجه دفاعه
في مواجهة الدعوى المرفوعة عليه ، فضلاً عن أن إعتبار المدعى عليه منكراً للدعوى
لا يمنع المدعى عليه من تقديم دعاويه وطلباته المقابلة في مواجهة الدعوى المرفوعة
عليه، فإعتبار المدعى عليه منكراً للدعوى هو إفصاح المحكمة عن إستمرارها في
إجراءات نظر الدعوى وعدم الإستجابة لمحاولات المدعى عليه تعطيل إجراءات نظرها وتعطيل
الفصل فيها .
فإذا استمرت المحكمة في اجراءات نظر الدعوى ومع
ذلك ظل المدعى عليه في موقفه السلبي ، فلم يرد على الدعوى ولم يقدم أوجه دفاعه
ودفوعه وطلباته حتى حجزت المحكمة القضية للحكم
فيها ، فإن المحكمة تحكم بموجب الدعوى والأدلة المقدمة إليها بموجب القانون، ولا
تثريب على المحكمة في ذلك، طالما أنها قد اتاحت للمدعى عليه فرص عدة لتقديم رده على الدعوى وأوجه دفاعه، لكنه فرط في
حقه حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.
الوجه الرابع: سكوت المدعى عليه لا ينفعه فيحكم عليه ولو سكت:
من القواعد الفقهية المعتبرة في الفقه الإسلامي
قاعدة (يخلى المدعي وسكوته)، فالمدعي إذا سكت عن حقه يخلى عنه ويترك فلايسال عن
عزوفه عن المطالبة بحقه ، فمن حق المدعي أن يترك حقه ولا يدعي به،فلاحرج عليه
ولاتثريب.
اما المدعى عليه فإن سكوته عن الرد على الدعوى وامتناعه عن تقديم اوجه دفاعه لا ينفعه ، فلا يترك ولا يخلى عنه بل يؤخذ بتلابيبه، طالما ان المدعي قد تقدم بدعواه مطالباً إلزام المدعى عليه بالوفاء بحقه. (شرح الازهار للإمام أحمد المرتضى بشرح إبن مفتاح، 4/120)، والله أعلم
![]() |
| إعتبار المدعى عليه منكراً للدعوى في القانون اليمني |

تعليقات
إرسال تعليق