أمر القاضي بالحجز التحفظي يمنعه من نظر القضية في درجة أعلى

أمر القاضي بالحجز التحفظي يمنعه من نظر القضية في درجة أعلى

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

مع أن الأمر بإيقاع الحجز التحفظي مجرد تدبير إحترازي وقتي، إلا أنه تترتب عليه آثار مدمرة بالغة الخطورة في الواقع العملي سبما في اليمن يسبب قلة الوعي القانوني، ومن أهم هذه الآثار: حفض القيمة السوقية للعقار المحجوز عليه ،وإذكاء العداوة واللدد والعناد بين الخصوم والتشكيك في نزاهة القاضي وحياده، ونفور المتعاملين من التعامل مع المحجوز عليه...إلخ، والأهم  من هذا وذاك ان القاضي قبل ان يامر  بتوقيع الحجز التحفظي يقوم بإجراء التحقيقً الاولي ودراسة أسباب ومبررات ومستندات الخصم طالب الحجز ،ومن خلال  ذلك تتولد لدى القاضي قناعته ووجهته  ورايه وموقفه من القضية حتى لو يحكم في القضية بحكم منهي للخصومة ، وعلى هذا الاساس فان قيام القاضي بالأمر بالحجز التحفظي في قضية ما  يمنعه وجوباً من نظرها في درجة أو مرحلة أعلى، لأن قرار الحجز التحفظي يكون مثل الحكم بالنسبة لمنع القاضي من نظر القضية في المرحلة الأعلى، إضافة إلى أنه من سلطة المحكمة العليا أن تتصدى لهذه المسألة إذا لم تتنبه لذلك محكمة الاستئناف،  حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 29-11-2011م في الطعن رقم (42455)، وقد ورد ضمن أسباب هذا الحكم أنه: ((وحيث لاحظت الدائرة: أن قرار الحجز التحفظي قد سبق أن صدر من محكمة أول درجة بتوقيع القاضي... اثناء رئاسته للمحكمة الابتدائية، وفقاً لما ورد بالوقائع وإعمالاً لدور المحكمة العليا الرقابي في تطبيق القوانين فقد تضمن قانون المرافعات أحكاماً خاصة بالإمتناع الوجوبي للقاضي أو عضو النيابة العامة عن نظر الخصومة في الحالات المحددة في المادة (128) مرافعات فقرة (7) التي نصت على أنه (لو كان قد سبق له نظرها قاضياً وحكم فيها في درجة أدنى...إلخ) ونصت المادة (129) مرافعات على أنه في هذه الحالة يكون عمل القاضي باطلاً، ولذلك فأن الأمر بالحجز التحفظي على العقار التابع للمدعى عليه يعتبر مانعاً للقاضي الذي اصدره من نظر القضية في درجة أعلى، فذلك يجعل الحكم المطعون فيه باطلاً، وكان على الشعبة أن تنتبه لذلك من تلقاء ذاتها، ولذلك تقرر الدائرة: إعادة القضية إلى الشعبة الاستئنافية))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الاول: ماهية الحجز التحفظي واجراءته:

الحجز التحفظي هو إجراء قانوني يلجأ إليه الدائن لضمان الحصول على حقه في حالة صدور حكم غير نهائي لصالحه، اوهو : إجراء مؤقت يُصدره القاضي بناءً على طلب الدائن الذي يخشى من تصرف المدين في أمواله حتى يتمكن الدائن من الحصول على حقه بعد  صدور حكم لصالحه، وبموجب هذا الإجراء يتم  وضع أموال المدين تحت يد القضاء مما يمنع المدين من التصرف فيها أو تهريبها.

وضمن (الفرع الثاني من الفصل الثالث من قانون المرافعات اليمني الخاص بالوسائل التحفظية وهي الحجز التحفظي والحراسة القضائية ) لم يرد تعريف خاص بالحجز التحفظي ،اما المادة (377) مرافعات   فقد عرفت الحجز التنفيذي بأنه : ( الحجز هو وضع المال تحت يد القضاء لمنع صاحبه (المحجوز عليه) من ان يقوم باي عمل مادي او قانوني من شانه اخراج هذا المال او ثماره من ضمان الدائن الحاجز ويترتب على حجز المال حجز ثماره ولا يرتفع الحجز الا بما يقرره هذا القانون)،ولان الحجزان  التنفيذي والتحفظي  يختلفا من حيث الغاية والهدف منهما فهدف الحجز التنفيذي بيع المال واقتضاء الدين من قيمة المال المحجوز، لذلك فان الحجز التنفيذي يمتد إلى ثمار المال المحجوز، بخلاف الحجز التحفظي الذي يقتصر اثره على منع المحجوز عليه  من التصرف في أصل المال أو تبديده أو تهريبه من قبل المدين ،فلايمتد اثر الحجز التحفظي إلى حجز ثمار المال  المحجوز عليه.

 اما الاجراءات  الخاصة بتنفيذ الحجز التحفظي  ققد  بينت  ذلك المادة(385)مرافعات الواردة ضمن الاحكام الخاصة بالحجز التحفظي ، فقد نصت المادة (385) مرافعات  على أن (يختص بإصدار الأمر بالحجز التحفظي رئيس المحكمة الابتدائية المختصة إذا طلب الحجز إبتداءً أو القاضي المختص إذا قدم الطلب تبعاً لدعوى أصلية منظورة أمامه ولا يتم الحجز إلا بحضور شاهدي عدل مع توقيعهما على محضر الحجز ويجب إعلان المدين بأمر الحجز خلال ثلاثة أيام من تاريخ صدوره وإلا سقط الحجز).

وتتضمن إجراءات الحجز التحفظي قيام الدائن طالب الحجز بتقديم طلب الحجز إلى رئيس المحكمة المختصة نوعيا ومكانيا إذا لم تكن هناك دعوى سابقة منظورة أمام المحكمة، أما إذا كانت هناك دعوى سابقة فيتم تقديم طلب الحجز إلى القاضي الذي ينظر الدعوى الأصلية .

وعند صدور أمر من المحكمة بتوقيع الحجز فيجب  أن يتضمن أمر الحجز التحفظي وصفًا للأموال المحجوزة وقيمة الدين المدعى به، يجب على معاون المحكمة عند تنفيذ أمر الحجز التحفظي على أموال المدين ان يقوم بتحرير محضر الحجز بحضور وتوقيع شاهدي عدل ويتم اعلان المدين بذلك ، ويقوم معاون  المحكمة بتنفيذ الحجز التحفظي على الأموال المنقولة من خلال وضع الأختام عليها أو من خلال إحضارها إلى المحكمة.

أما تنفيذ الحجز التحفظي على الأموال العقارية، فيتم عن طريق تسجيل أمر الحجز في السجل العقاري وابلاغ الامين الشرعي وقلم التوثيق المختص بذلك، والتأثير على العقار المحجوز.

الوجه الثاني: الحالات التي يجوز فيها الأمر بتوقيع الحجز التحفظي:

حدد قانون المرافعات الحالات التي يجوز فيها الأمر بالحجز التحفظي وهي  ثلاث ، ومن خلال ذلك يظهر ان القانون قد ضيق للغاية  حالات الأمر بالحجز التحفظي تقديرا من القانون للاثار البالغة الخطورة للحجز التحفظي، فقد تضمنت المادة (387) مرافعات حالتين  من الحالات التي يجوز فيها الأمر بإيقاع الحجز التحفظي ،وفي  هذا الشان نصت المادة (387) مرافعات على أنه (مع عدم الإخلال بما ينص عليه أي قانون آخر يجوز للدائن بدين محقق الوجود حال الأداء ولو لم يكن بيده سند تنفيذي أن يطلب الأمر بإجراء الحجز التحفظي على أمـوال مدينه في الحالتين الآتيتين: -1- إذا كان الدائن يخشى فقدان ما يضمن له الوفاء بحقه. -2- إذا كان الدائن مؤجراً للعقار فيجوز له في مواجهة المستأجر والمستأجر من الباطن طلب الحجز على المنقولات والثمار والمحاصيل الموجودة بالعين المؤجرة لضمان دين الأجرة، ويجوز له طلب الحجز عليها إذا كانت قد نقلت دون علمه إلى مكان آخر خلال عشرين يوماً من تاريخ نقلها)، وهذا النص صريح في عدم جواز الأمر بالحجز التحفظي في الحالتين المذكورتين في النص الا إذا كان الدين المستحق للدائن محقق الوجود أي ثابت يقينا وليس محل خلاف ، وكذا يجب ان يكون الدين حال الاداء وليس موجلا إلى أجل أو معلقا على شرط، وكذا اشترط القانون صراحة  ان تكون لدى الدائن خشية حقيقية من ان تصرف المدين بالمال إلى الغير أو تهريبه،ويقع على عاتق الدائن طالب الحجز ان يثبت تحقق هذه الشروط ، ويجب على القاضي ان يتحقق ويتحرى في ذلك  قبل الأمر بإيقاع الحجز التحفظي .

اما الحالة الثالثة التي بجوز فيها للدائن ان يطلب الحجز التحفظي على اموال المدين فقد وردت في المادة (386) مرافعات  ، اذ نصت هذه  المادة على أنه: (يجوز للمحكوم له بحكم ابتدائي قابل للطعن فيه بالاستئناف او من صدر له امر اداء ان يطلب الامر باجراء الحجز التحفظي على اموال المحكوم عليه) .

الوجه الثالث: خصائص الحجز التحفظي وشروطه :

يختص للحجز التحفظي بعدة خصائص منها:
1- الحجز التحفظي إجراء مؤقت: أي أنه لا ينشئ أي حق دائم للدائن في أموال المدين، بل هو إجراء مؤقت يهدف إلى حماية حق الدائن إلى حين صدور حكم نهائي في النزاع يتم بموجبه التنفيذ على الأموال المحجوز عليها لاقنتضاء الدين المحكوم به.
2- يهدف الحجز التحفظي إلى حماية حق الدائن: فالحجز التحفظي إجراء مهم في سبيل حماية حق الدائن، لانه يمنع المدين من التصرف في أمواله، مما يضمن للدائن الحصول على حقه عند صدور حكم لصالحه أو صلاحية الحكم التنفيذ .
3- يضمن الحجز التحفظي تنفيذ الحكم عند صلاحيته للتنفيذ ، فهو إجراء يضمن تنفيذ الحكم النهائي في حالة صدوره لصالح الدائن.
اما شروط إصدار الأمر بالحجز التحفظي فيمكن تلخيصها كما ياتي:
1- وجود دين ثابت محقق: فيجب أن يكون هناك دين ثابت على المدين، أي أن الدائن يجب أن يثبت أمام المحكمة أن له حق ثابت محقق حال الاداء بذمة المدين، ويكون الدين ثابتًا، إذا كان مستندًا إلى سند تنفيذي، مثل حكم قضائي أو سند أو ورقة رسمية.
2- الخشية من تأخر إجراءات التنفيذ على اموال المدين: فيجب أن يكون هناك خشية حقيقية من تأخر إجراءات تنفيذ الحكم على اموال المدين المطلوب الحجز عليها ، أي أن الدائن يجب أن يثبت أمام المحكمة أن هناك خشية حقيقية من ضياع أو تهريب أو تبديد اموال المدين اذا لم يصدر الامر بالحجز التحفظي، فينبغي ان تكون هناك خشية حقيقية تهدد اموال المدين إذا تركت أموال المدين من غير حجز حتى حصول الدائن على سند تنفيذي سيما إذا كان المدين يعاني من مشاكل مالية أو إذا كان من المحتمل أن يهرب أو يخفي أمواله.
3- وجود أموال للمدين يجوز الحجز عليها تكفي لاقتضاء الدين: فيجب أن تكون هناك أموال للمدين تكفي لأداء الدين، أي أن الدائن يجب أن يثبت أمام المحكمة أن المدين لديه أموال يمكن الحجز عليها.
فإذا تحققت هذه الشروط، فان المحكمة تقوم بإصدار أمر بالحجز التحفظي على أموال المدين.

الوجه الرابع: القاضي المختص باصدار الأمر بالحجز التحفظي:

 القاضي المختص باصدار الأمر بالحجز التحفظي هو رئيس المحكمة  المختصة   نوعيا ومكانيا اذا تم تقديم  طلب الحجز بداية من غير ان تكون  هناك دعوى منظورة أمام المحكمة، أما إذا كانت هناك دعوى منظورة أمام المحكمة فان القاضي الذي ينظر الدعوى الموضوعية أو الاصلية هو المختص باصدار الأمر بالحجز حسبما ورد في  المادة (385) مرافعات التي  نصت على أن (يختص بإصدار الأمر بالحجز التحفظي رئيس المحكمة الابتدائية المختصة إذا طلب الحجز إبتداءً أو القاضي المختص إذا قدم الطلب تبعاً لدعوى أصلية منظورة أمامه، ولا يتم الحجز إلا بحضور شاهدي عدل مع توقيعهما على محضر الحجز، ويجب إعلان المدين بأمر الحجز خلال ثلاثة أيام من تاريخ صدوره وإلا سقط الحجز) ، وقد تضمن  هذا النص اجراءات توقيع وتنفيذ امرالحجز التحفظي للتدليل على ان إجراءات الحجز التحفظي واحكامه غير تلك  المقررة عند الحجز التنفيذي .

والمحكمة المختصة بإصدار أمر الحجز التحفظي هي المحكمة التي يقع في دائرتها  المال المطلوب الحجز عليه أو موطن أو محل إقامة المدين، وعند صدور الامر بتوقيع الحجز التحفظي يجب ان يشتمل الأمر على اسم المحكمة والقاضي الذي اصدره وتوقيع القاضي وختم المحكمة وتاريخ صدور الامر، وكذا  الوصف الدقيق للاموال المحجوز عليها تحفظيا وقيمة الدين المدعى به الذي تم الحجز لأجله.

الوجه الخامس:  سقوط الحجز التحفظي إذا لم يقم من صدر له الحجز بتقديم دعوى صحة الحجز خلال ثمانية ايام من تاريخ اعلان المدين بالأمر:

 نصت المادة (389) مرافعات على أنه (يجب على من أمر له بالحجز التحفظي في أي حالة بدون حكم أو أمر أداء أن يرفع دعوى بحقه وبصحة الحجز يخاصم فيها المحجوز عليه والمحجوز لديه إن وقع الحجز على ما لديه خلال ثمانية أيام من تاريخ إعلان المدين بالحجز وإلا سقط الحجز واعتبر كأن لم يكن، وإذا كان طالب الحجز التحفظي بيده حكم أو أمر أداء غير نهائي وتم الحجز بموجب ذلك فيلزمه رفع دعوى صحة الحجز خلال الميعاد المذكور وإلا سقط الحجز التحفظي).

الوجه السادس: أنواع الحجز التحفظي واثاره:

يمكن تقسيم الحجز التحفظي إلى نوعين رئيسيين:

النوع الاول: الحجز على الأموال المنقولة: وهو إجراء يُصدره القضاء بوضع أموال المدين المنقولة، مثل السيارات والمجوهرات والأموال النقدية، تحت يد القضاء، ويمكن أن يتم الحجز التحفظي على الأموال المنقولة في أي مكان، سواء كان في منزل المدين أو في مكان عمله أو في أي مكان آخر،ويقوم معاون المحكمة  بتنفيذ أمر الحجز التحفظي على الأموال المنقولة، وذلك من خلال وضع الأختام عليها أو من خلال إحضارها إلى المحكمة.

 النوع الثاني: الحجز على الأموال العقارية: وهو إجراء يُصدره القضاء بوضع أموال المدين العقارية، مثل الأراضي والعقارات، تحت يد القضاء. ويتم الحجز التحفظي على الأموال العقارية عن طريق تسجيل أمر الحجز في الشهر العقاري. ويقوم معاون المجكمة بتنفيذ أمر الحجز التحفظي على الأموال العقارية، وذلك من خلال التاشير بذلك لدى السجل  العقاري والتاشير كتابة  على العقار  المحجوز ومخاطبة  الامين الشرعي وقلم التوثيق المختص بذلك.

ويؤدي الحجز التحفظي إلى آثار عدة، منها:

1-   منع المدين من التصرف في الأموال المحجوزة مثل البيع أو الرهن أو الهبة أو الوقف.

2-   خفض قيمة العقارات المحجوزة في السوق العقارية بحجة ان العقار عليه مشاكل.

3-   نفور المتعاملين من التعامل مع المحجوز عليه .

4-   فسخ عقود الوكالات التجارية إذا كان المحجوز عليه وكيلا لشركات ،لان عقود الوكالات تنص على فسخها إذا تم الحجز على الوكيل أو فرض الحراسة عليه.

5-   الحجز يعني منع المحجوز عليه من التصرف وإنزاله منزلة القاصرين والسفهاء ، ويترتب على ذلك ضرر معنوي كبير بالمحجوز عليه.

6-   إذكاء البغضاء والشحناء بين الخصوم مما يبعث في نفوسهم اللدد والخصام وروح الانتقام ، وذلك  يؤدي إلى تعقيد القضية وتعذر الفصل فيها.

7-   جعل القضاة عرضة للشكاوى وطلبات الرد بل ودعاوى المخاصمة واحياناً الاعتناء على القضاة.

8-   مسؤولية الدائن الحاجز عن الضرر الذي يلحق بالمدين بسبب الحجز ففي حالة إلحاق الحجز التحفظي ضررًا بالمدين، يكون الدائن مسؤولًا عن هذا الضرر.

الوجه السابع: تعويض المحجوز عليه تحفظيا:

نظراً لخطورة الآثار المدمرة المترتبة على الحجز التحفظي ،فقد صرح قانون المرافعات بتغريم  طالب الحجز بالإضافة إلى الزامه بالتعويض إذا قضت المحكمة ببطلان الحجز ، حسبما هو مقرر في المادة (391) مرافعات التي نصت على أنه (إذا حكم ببطلان الحجز التحفظي أو بإلغائه لانعدام أساسه أو حكم برفض دعوى الحق الموضوعي يرتفع الحجز وتحكم المحكمة على الحاجز بغرامة لا تتجاوز خمسين ألف ريال، وبالتعويضات للمحجوز عليه أو المحجوز لديه عما أصابهما من ضرر بسبب الحجز، وإذا طعن الحاجز في الحكم أمام الاستئناف جاز له طلب الأمر بوقف تنفيذ حكم رفع الحجز بشرط الكفالة وفقاً لما هو منصوص عليه في هذا القانون).

الوجه الثامن: سبق نظر القاضي للقضية وحكمه فيها كحالة من حالات إمتناع القاضي الوجوبي عن نظر القضية في درجة أعلى:

استند الحكم محل تعليقنا في قضائه إلى المادة (128) مرافعات التي تضمنت حالات الإمتناع الوجوبي للقاضي، ومن ضمنها سبق نظر القاضي للقضية وحكمه فيها ، فقد نصت هذه المادة على أن (يكون القاضي أو عضو النيابة ممنوعاً من نظر الدعوى (الخصومة) ويجب عليه التنحي عن نظرها من تلقاء نفسه ولو لم يطلب الخصوم ذلك في الأحوال الآتية: -7- إذا كان قد افتى في الدعوى أو ترافع فيها عن أحد الخصوم أو كتب فيها ولو كان قبل اشتغاله بالقضاء أو كان قد سبق له نظرها قاضياً وحكم فيها في درجة أدنى أو نظرها خبيراً أو محكماً وابدى رأيه فيها أو أدى شهادة فيها قبل عمله بالقضاء أو كان لديه علم خاص بها) ، وقد ورد ضمن حالة الامتناع المقررة في الفقرة (7)السابق ذكرها منع القاضي من نظر القضية في درجة  أعلى اذا كان قد سبق له نظرها والحكم فيها في درجة ادنى، لأن القاضي إذا سبق  له نظر القضية  تتولد لديه القناعة المسبقة  والعلم الشخصي ورأيه  السابق في القضية  مما يؤثر على سلامة موقف القاضي في  الدرجة الاعلى ويعطل الحكمة والغاية من وجود درجة أعلى من درجات التقاضي ، لأن القاضي الذي سبق له نظر القضية في درجة ادنى سيكون في الدرجة الاعلى مدافعاً عن رايه ووجهة نظره السابقة  في القضية أو حكمه السابق فيها.

الوجه التاسع: هل الأمر بالحجز التحفظي مانع للقاضي من نظر القضية في الدرجة الأعلى؟:

قضى الحكم محل تعليقنا وهو على حق بأن الامر بالحجز التحفظي في الدرجة  الادنى يعد نظرا في القضية وحكماً فيها ، لأن الفقرة (7) من المادة (128) مرافعات السابق ذكرها لم تشترط أن يكون المانع للقاضي هو الحكم المنهي للخصومة وإنما أي حكم أو قرار أو أمر يدل على وجهة القاضي ورايه وتوجهه في القضية، فكل ذلك يمنع القاضي من نظر القضية في الدرجة الاعلى ، لأن العلة من منع القاضي من نظر القضية التي سبق له نظرها  والحكم فيها هي : أن القاضي تتولد لديه قناعة وتوجه وراي  وموقف وعلم مسبق عند نظره القضية اوحكمه فيها ، وهذه العلة متحققة في الأمر بتوقيع الحجز التحفظي ، فعند صدور الأمر بالحجز ابتداءا فان القاضي لا يتخذ  الامر بالحجز التحفظي إلا بعد أن يقوم بإجراء التحقيق الأولي للتثبت من وجاهة الأسباب والمبررات الواردة في طلب إجراء الحجز التحفظي للتاكد  من وجاهتها ، وكذا  يدرس القاضي قبل إصداره لامر الحجز التحفظي المستندات المؤيدة لطلب الامر بالحجز ،ثم يتعقب ذلك  قيام  المحجوز لصالحه برفع دعوى صحة الحجز وهي دعوى موضوعية تتناول بيان الحق أو الموضوع الذي كان الباعث على قيام الخصم بطلب توقيع الحجز، وكذلك الحال اذا  اصدر القاضي أمر الحجز أثناء نظره للدعوى  الاصلية ، ففي الحالتين تتولد لدى القاضي القناعة والرأي والتوجه والموقف المسبق من القضية ، وعلى هذا الأساس فقد قضى الحكم محل تعليقنا بأن قيام القاضي بإصدار الأمر بتوقيع الحجز التحفظي في درجة ادنى يمنعه وجوباً من نظرها في درجة أعلى.

الوجه العاشر: تصدي المحكمة العليا من تلقاء ذاتها لتطبيق احكام الامتناع  الوجوبي عند سبق نظر القضية:

مع ان الطاعن  والمطعون ضده في القضية  التي تناولها الحكم محل تعليقنا لم يثيرا أمام المحكمة العليا مسألة سبق قيلم أحد اعضاء الشعبة الاستئنافية باصدار الأمر بالحجز التحفظي حينما كان في المحكمة الابتدائية ، مع ذلك الا ان المحكمة العليا تصدت لهذه المسألة من تلقاء ذاتها باعتبار هذه المسألة من مسائل النظام العام ومخالفة للمادة (228) مرافعات التي حددت حالات الامتناع الوجوبي ،وقد تصدت المحكمة العليا لهذا الامر إعمالا لدورها الرقابي باعتبارها الحارس الامين للنظام العام والرقيب على احترام احكام القضاء للنصوص القانونية وعدم مخالفتها، والله أعلم.

أمر القاضي بالحجز التحفظي يمنعه من نظر القضية في درجة أعلى
أمر القاضي بالحجز التحفظي يمنعه من نظر القضية في درجة أعلى