فرض الحراسة القضائية عند شرط التحكيم في القانون اليمني
فرض الحراسة القضائية عند شرط التحكيم في القانون اليمني
أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون –
جامعة صنعاء
الحراسة
القضائية تدبير وقتي تحفظي يهدف إلى
المحافظة على المال من اخطار التبديد والضياع، وفرض الحراسة القضائية إجراء لايصدر
الا من القاضي ،فالحراسة القضائية من اسمها إجراء قضائي، ولذلك لايحق للمحكم أن يقرر أو يامر بفرض الحراسة القضائية
، لأن ذلك من قبيل الأعمال الولائية ،والمحكم ليس له مباشرة الاعمال الولائية،
وانما يحق له ان يطلب ذلك من المحكمة المختصة
حسبما سياتي بيانه.
وبإعتبار
الحراسة القضائية تدبير تحفظي وقتي،فانه إجراء لا يمس موضوع الحق، بيد انه يجب على
القاضي التحقق بما لايدع مجالا للشك من
وجود خطر حقيقي جدي يهدد المال المطلوب
فرض الحراسة القضائية نظرا للاثار البالغة
الخطورة المترتبة على فرض الحراسة وللحيلولة دون طلبات الحراسة الكيدية،لانه في بعض الحالات تكون اثار
فرض الحراسة أكثر ضررا وخطرا من الخطر سبب فرض الحراسة.
فعلى القاضي في
سبيل تحققه من وجود خشية حقيقية وجدية على المال المطلوب فرض الحراسة عليه
على القاضي ان يبحث في بعض المسائل والادلة الموضوعية دون أن يفصل
فيها أو يفصح عن قناعته أو عقيدته بشأن تلك المسائل التي بحثها ، ومسألة بحث
القاضي للمسائل والادلة الموضوعية بغرض التحقق من وجود الخشية وفي الوقت ذاته عدم
الفصل أو بيان الراي في المسائل الموضوعية
التي بحثها القاضي، هذه المسألة تحتاج إلى
موازنة دقيقة قد تكون عسيرة على
بعض القضاة، وقد اشار إلى هذه المسألة الحكم محل تعليقنا.
وبالنسبة
لطلب فرض الحراسة القضائية عند وجود شرط
التحكيم فان قاضي الامور المستعجلة في المحكمة المختصة
نوعيا ومكانيا بنظر النزاع، فقاضي الأمور المستعجلة هو المختص بنظر طلب فرض
الحراسة سواء قبل تشكيل هيئة التحكيم أو بعد ذلك ، ففي الحالتين يقوم قاضي الأمور
المستعجلة بنظر طلب فرض الحراسة والتحقق من مدى وجود خشية حقيقية وجدية على المال المطلوب
فرض الحراسة عليه عن طريق في دراسة بعض
المسائل والادلة الموضوعية، بيد انه لايجوز
لقاضي الأمور المستعجلة ان يفصل في المسائل الموضوعية التي بحثها أو يبين وجهة نظره بشانها ، وبعد أن يقرر
أو يامر قاضي الأمور المستعجلة بفرض الحراسة ، فأنه يجب عليه ان يحيل الخصوم الى هيئة التحكيم إذا تم الدفع بشرط التحكيم والتمسك به امامه إعمالاً لشرط
التحكيم وإحتراما لارادة الخصوم الظاهرة في شرط التحكيم حتى تقوم لجنة التحكيم ببحث
المسائل والادلة الموضوعية والفصل فيها وفقا لشرط التحكيم، وفي هذا الشان نصت
المادة (18) من قانون التحكيم على أنه (إذا تم إتخاذ أي إجراء تحفظي
أو مؤقت بواسطة المحكمة بناء على
طلب أحد طرفي التحكيم فانه يكون صحيحا ولايناقض إتفاق التحكيم سواء تم الإجراء قبل
البدء في إجراءات التحكيم أو في اثنائها).
وإذا
كان قانون التحكيم قد اجاز للخصوم اللجوء مباشرة
إلى قاضي الأمور المستعجلة لطلب فرض الحراسة القضائية، فانه يحق لهيئة التحكيم
ان تطلب ذلك من قاضي الأمور المستعجلة أثناء نظر هيئة التحكيم للخصومة التحكيمية ،
فإذا ظهر لهيئة التحكيم أثناء بحثها في المسائل
الموضوعية وجاهة طلب فرض الحراسة، فعندئذٍ
تستطيع هيئة التحكيم مطالبة المحكمة المختصة بفرض الحراسة القضائية ،كما يستطيع
الخصم المحتكم أثناء نظر الخصومة التحكيمية طلب فرض الحراسة من المحكمة المختصة ،وفقاً لماهو مقرر
في المادة (43) من قانون التحكيم ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية
بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 25-9-2014م في الطعن رقم (55256)، الذي
ورد ضمن أسبابه: ((بعد الرجوع إلى الأوراق مشتملات الملف تجد الدائرة: أن ما ينعي
به الطاعن في مجمل أسباب طعنه على الحكم المطعون فيه هو مخالفة أحكام المادتين (18
تحكيم و 394 مرافعات) وذلك في قضائه بإلغاء حكم محكمة أول درجة بفرض الحراسة
القضائية، وحيث أن هذه المناعي في غير محلها وليس فيها ما من شأنه التأثير على
سلامة ما خلص إليه الحكم المطعون فيه، لأن الحراسة القضائية هي عبارة عن إجراء
وقتي تحفظي غايتها وقائية تتمثل في حماية المال من الهلاك أو التلف، حسبما هو مقرر
في المادة (392) مرافعات، وقد حددت المادة (394) مرافعات أربع
حالات أساسية لقيام القضاء المستعجل بفرض الحراسة القضائية، والحراسة تخضع للمعيار
العام في القضاء المستعجل وهو قيام خطر على المال المطلوب حمايته، وبالعودة إلى
وقائع وطلبات دعوى فرض الحراسة القضائية وحيثيات حكم محكمة أول درجة فقد تبين للدائرة : أن المدعي قد سبب لطلبه فرض
الحراسة القضائية على الشركة بأن المدعى عليه الأول بصفته المدير التنفيذي للشركة
قد خالف النظام الأساسي للشركة، وذلك من خلال قيامه بكثير من التجاوزات منها سحب
مبالغ مالية كبيرة من أموال الشركة لمصالحه الخاصة وكذا عدم قيامه بإعداد ميزانية
للشركة لكل سنة مالية وكذا عدم قيامه بإعداد
حساب الأرباح والخسائر ،وإن ما قام بإنجازه من أعمال المشروع لا يتجاوز 47% ...إلخ،
منتهياً إلى طلب تعيين حارس قضائي على الشركة من ذوي الخبرة للقيام بإدارة المشروع
وإنجازه...إلخ.
وهذه وقائع وطلبات موضوعية خاضت فيها المحكمة
الابتدائية وتوسعت في بحثها رغم وجود دفع أمامها بعدم إختصاصها بنظر النزاع لوجود
شرط تحكيم في المادة (41) من النظام الأساسي للشركة، فقد كان من الواجب على محكمة
أول درجة إحالة الأطراف إلى التحكيم وفقاً للدفع وعملاً بأحكام المادة (19) تحكيم،
فإذا رأت لجنة التحكيم وضع الشركة تحت الحراسة القضائية فستطلب لجنة التحكيم ذلك من المحكمة عملاً بأحكام المادة (18) تحكيم،
مما يترتب عليه رفض الطعن وإقرار الحكم الاستئنافي))، وسيكون تعليقنا على هذا
الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: الحراسة القضائية في قانون المرافعات اليمني:
ضمن القضاء المستعجل والعمل الولائي نصت المادة
(240) مرافعات على أن (يعتبر من المسائل المستعجلة في الحالة التي يخشى عليها من
فوات الوقت ما يأتي: -5- طلب فرض الحراسة القضائية) ، وفي السياق ذاته نصت المادة
(392) مرافعات على أن (الحراسة القضائية إجراء تحفظي يأمر به القاضي المختص في
الأحوال المنصوص عليها في هذا القانون)، وقد بينت المادة (394) مرافعات الأحوال
التي يجوز فيها فرض الحراسة القضائية، إذ نصت هذه المادة على أن (تكون الحراسة
القضائية فيما يأتي: -1- على الاموال المحجوزة للتنفيذ -2- على عقار أو منقول أو
حق قام في شأنه نزاع أو كان غير ثابت أثناء نظر الدعوى -3- على تركة المتوفي قبل
قسمتها حتى إستيفاء الديون منها -4- على أموال المدين الذي ثبت إعساره أو إفلاسه)،
وقد صرح قانون المرافعات بأن القاضي المختص بفرض الحراسة القضائية هو قاضي الأمور
المستعجلة اذا تم تقديم طلب الحراسة استقلالا وإذا تم طلب الحراسة تبعا للدعوى فتختص
به المحكمة التي تنظر الدعوى وفقاً للمادة (393) مرافعات التي نصت على أن (يختص
بفرض الحراسة القضائية قاضي الأموال المستعجلة إذا رفعت بدعوى أصلية أو المحكمة الابتدائية إذا طلبت تبعاً لدعوى
منظورة أمامها أو قاضي التنفيذ على الأموال المحجوزة، ويجوز طلب الأمر بالحراسة
القضائية من المحكمة الاستئنافية استثناءً تبعاً لموضوع النزاع المرفوع الاستئناف
عنه أمامها)، ومن خلال إستقراء النصوص السابق ذكرها يظهر أن فرض الحراسة القضائية
إجراء وقتي تحفظي يهدف إلى المحافظة على الأموال التي يخشى ضياعها أو تبديدها بمضي الوقت ،وأن أمر
الحراسة القضائية لا يمس أصل الحق المتنازع عليه ،وأنه يجوز للقاضي إصدار أمر
الحراسة القضائية إذا كانت هناك خشية حقيقية على المال المطلوب فرض الحراسة عليه،
ويظهر أيضاً أنه يجوز طلب فرض الحراسة بطلب مستقل أو تبعاً للدعوى المنظورة أمام
المحكمة، كما يظهر أن القاضي المختص بفرض الحراسة هو القاضي رئيس المحكمة أو
القاضي الذي ينظر الدعوى الاصلية.
الوجه الثاني: جواز طلب فرض الحراسة القضائية قبل إجراء التحكيم أو بعده:
يجوز
لأي من اطراف التحكيم ان يطلب من قاضي الأمور المستعجلة في المحكمة المختصة أصلاً
بنظر النزاع أن يطلب منها الأمر بفرض الحراسة القضائية حتى قبل تشكيل هيئة التحكيم أو قبل
مباشرتها لاعمالها ، كما يحق لاحد اطراف
التحكيم ان يطلب ذلك أثناء نظر
هيئة التحكيم للخصومة التحكيمية طالما ان هناك خشية حقيقية وجدية على الأموال
المطلوب فرض الحراسة عليها، وفي الحالتين يكون الأمر بفرض الحراسة القضائية صحيحا
، وفي هذا المعنى نصت المادة (18) من قانون التحكيم على أنه (إذا تم إتخاذ أي إجراء تحفظي أو مؤقت بواسطة المحكمة بناء على طلب أحد طرفي التحكيم فانه
يكون صحيحا ولايناقض إتفاق التحكيم سواء تم الإجراء قبل البدء في إجراءات التحكيم
أو في اثنائها).
والحراسة بمفهومها العام : هي وضع مال يقوم
في شأنه نزاع أو يكون الحق فيه غير ثابت ويتهدده خطر عاجل في يد أمين يتكفل بحفظه
وإدارته ورده مع تقديم حساب عنه إلى من يثبت له الحق فيه ويوضع المال تحت الحراسة
إما باتفاق بين الطرفين المتنازعين فتكون حراسة اتفاقية وإما بحكم من القضاء فتكون
حراسة قضائية. (د/ عبدالرزاق أحمد السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني –
الجزء السابع- المجلد الأول- طبعة منشورات الحلبي الحقوقية-بيروت).
الوجه الثالث; طلب المحكم من المحكمة المختصة الأمر بفرض الحراسة القضائية:
سبق
القول بأن الحراسة القضائية إجراء تحفظي ، ولذلك يجوز للمحكم أن يطلب
من المحكمة المختصة أصلاً بنظر النزاع (قاضي
الأمور المستعجلة) فرض الحراسة القضائية إذا كانت هناك خشية حقيقية أو خطر عاجل يهدد
المال بالتبديد والضياع، وفي هذا المعنى نصت المادة (43) تحكيم على أنه (يجوز للجنة التحكيم أو لأي من الطرفين
طلب المساعدة من المحكمة ألمختصة للحصول على ادلة وكذا طلب إتخاذ ماتراه ملائما من الاجراءات التحفظية أو المؤقتة، كما يجوز لها
ان تطلب من المحكمة المختصة الحكم في المواضيع المتعلقة بالنزاع
والتي تخرج عن صلاحياتها ودون ان يعني ذلك
توقف اجراءات التحكيم).
الوجه الرابع: الاثارالخطيرة على فرض الحراسة القضائية ووحوب إثبات طالب فرض الحراسة لاسباب طلبه:
رغم ان الأمر بفرض الحراسة القضائية أو
الحجز التحفظي مجرد إجراء
تحفظي وتدبير وقتي الا ا لهذين الاجرائين تاثيرهما البالغ الخطورة في اليمن لقلة الوعي
القانوني ، فقد حدث بالفعل إنهيار شركات ومؤسسات ومشاريع تجارية عملاقة بسبب توقيع
الحجز التحفظي أو فرض الحراسة القضائية عليها ، لأن العمل التجاري حساس للغابة في
اليمن، اذ يترتب على توقيع هذين الاجرائين
فسخ الوكالات التجارية الاجنبية للشركات المحجوزة
عليها أو التي تم فرض الحراسة عليها ، لأن عقود الوكالات التجارية للشركات
الاجنبية تنص صراحة على انفساخ عقد الوكالات وليس فسخها إذا تم الحجز او فرض
الحراسة على الوكيل اليمني، وتنهار قيمة اسهمها، بل ان الجميع يحجم عن البيع
والشراء منها، وقد قال المرحوم الاستاذ الدكتور
كمال أبو سريع في احدى محاضراته لطلبة دبلوم القانون
الخاص في جامعة صنعاء ان التاجر أو
الشركة المحجوز عليها أو التي يتم فرض الحراسة عليها تكون كالجربان فلايبيع منه ولايشتري
منه احد .
بل انه
قد ثبت لدى كافة المحاكم في اليمن قلة
بل انعدام المقبلين لشراء العقارات المحجوزة أو المفروضة عليها الحراسة والتي يتم
بيعها في مزادات علنية في المحاكم ، اما
اذا تم بيعها خارج المحكمة فانها تفقد ربع اثمانها على الأقل، وهذا الامر معروف
ومشهور في اليمن،فضلا عن ان إجراءات الحجز التحفظي أو فرض الحراسة تعقد القضايا
واجراءات التقاضي ، وتولد الشحناء واللدد والكيد لدى الخصوم، وفي هذا المقام فانا
أوصي مخلصا : بالتدبر والتبصرفي الآثار
المتوقعة على فرض الحراسة أو توقيع الحجز التحفظي قبل الأمر بهما
، وهذه التوصية من محب ومشفق.
وعلى هذا الاساس فان يجب على طالب الأمر بفرض
الحراسة القضائية أن يثبت بادلة يقينية قاطعة
صريحة الخشية أو الخطر العاجل الذي يهدد المال المطلوب فرض الحراسة عليه، حتى يتم
سد باب الكيد والضرر في طلبات الخصوم فرض الحراسة.
الوجه الخامس: وجوب بحث القاضي لأسباب الخشية أو الخطر العاجل على المال المطلوب فرض الحراسة عليه:
سبق القول أن فرض الحراسة إجراء تحفظي أو تدبير
وقتي،الا أنه تترتب عليه اثار بالغة
الخطورة تفوق الخطر الذي يكون سببا لطلب فرض الحراسة حسبما سبق بيانه في الوجه
السابق .
وبالإضافة إلى توصيتنا السابقة في الوجه السابق ،فانه
يجب على القاضي أن يحقق ويبحث أسباب الخشية على المال المطلوب فرض الحراسة عليه،
وأن يتحقق من ان الخطر عاجل وان الاثار المتوقعة لفرض الحراسة لا تفوق الخطر المدعى به وعلى القاضي الموازنة بين الامرين، لأن ذلك يخضع للسلطة التقديرية للقاضي
،حسبما قضت محكمة النقض المصرية، ولا ريب أن ذلك يستدعي من القاضي الوقوف على
مسائل وادلة موضوعية ،غير أنه لا يجوز
للقاضي وهو في سياق بحثه لأسباب الخشية أو الخطر العاجل أن يفصل في المسائل
الموضوعية التي بحثها، كما لا يجوز أن يفهم من خلال بحث القاضي في المسائل
الموضوعية للوقوف على أسباب الخشية أن القاضي قد أفصح عن رايه في تلك المسائل
الموضوعية أو الادلة التي بحثها القاضي ، ويجب على القاضي عند نظره أو فصله في طلب
الحراسة أن يكتفي بفرض الحراسة كإجراء وقتي تحفظي أو تدبير وقتي إحترازي ،فلا يمس
أصل الحق المتنازع عليه، وإذا كان هناك شرط تحكيم بين الخصوم وتمسك أحدهم بشرط التحكيم
فيجب على القاضي أن يقرر إحالة
الخصوم لهيئة التحكيم لنظر المسائل
الموضوعية إعمالا لشرط التحكيم .
ولذلك فقد لاحظنا أن الحكم محل تعليقنا قد صرح بأن الحكم الابتدائي باطل لخوضه وفصله في المسائل الموضوعية أثناء نظر المحكمة الابتدائية لطلب فرض الحراسة ،مع أن المطعون ضده كان قد تمسك أمام محكمة أول درجة بشرط التحكيم بين الطرفين، وهذا يمنع المحكمة من التعرض لموضوع الحق إحتراماً لإرادة الطرفين اللذين سبق لهما إشتراط التحكيم في العقد المبرم بينهما، والله أعلم.
![]() |
| فرض الحراسة القضائية عند شرط التحكيم في القانون اليمني |

تعليقات
إرسال تعليق