بيان اسباب أخذ المحكمة بتقرير الخبير

 بيان اسباب أخذ المحكمة بتقرير الخبير

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

لا تكون محكمة الموضوع ملزمة ببيان أسباب أخذها بتقرير الخبير إلا إذا كان التقرير الذي أخذت به المحكمة يخالف تقريرا اخرا، فإذا كان هناك أمام المحكمة أكثر من تقرير وقررت المحكمة الأخذ بأحدها وطرح التقرير الآخر أو التقارير الأخرى، فاللازم عليها في هذه الحالة أن تذكر في أسباب حكمها الأسباب التي جعلتها تطمئن وتأخذ بتقرير بعينه دون غيره ، اما إذا كان أمام المحكمة تقرير خبرة واحد ، فإن المحكمة لا تكون ملزمة ببيان أسباب أخذها بما ورد في التقرير الوحيد، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 1-11-2015م في الطعن رقم (57244)، الذي ورد فيه: ((اما نعي الطاعن بقوله: أن الشعبة ذكرت في حكمها أنها اطمأنت لتقرير الخبير ولم تبين المحكمة أسباب اطمئنانها له، فهذا النعي مردود، بأن المادة (173) إثبات قد نصت على أن : للمحكمة أن تأخذ بتقرير الخبراء أو الخبير الذي تطمئن إليه، فلم تلزم هذه المادة المحكمة  ببيان أسباب أخذها بالتقرير الا عندما يخالف التقرير الذي أخذت تقريراً آخر...إلخ، وفي الحكم المطعون فيه لا يوجد تقرير آخر سوى التقرير الذي استندت إليه المحكمة، ولذا وطبقاً للمادة المذكورة فإن محكمة الموضوع غير ملزمة ببيان أسباب اطمئنانها للتقرير الذي أخذت به))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: مزايا وعيوب إنتداب المحكمة لخبير واحد:

اجاز قانون الإثبات اليمني للقاضي أن يندب خبيراً واحدٍا أو عدة خبراء حسبما ورد في المادة (165) إثبات، فقد ورد في بداية المادة المشار إليها أنه على المحكمة (أن تعين خبير عدلاً أو أكثر...)، كما ورد في نهاية المادة ذاتها عبارة (ويجوز أن يتفق الخصوم على خبير عدل أو أكثر تعينهم المحكمة بناءً على طلبهم، كما يجوز أن يختار كل من الخصمين خبيراً عدلاً على أن تختار المحكمة خبيرا عدلاً مرجحاً)، وتقوم المحكمة بتعيين الخبير العدل الوحيد إذا اتفق الخصوم على ذلك، أو قررت المحكمة أن ذلك مناسب في القضية.

وهناك مزايا لإنتداب الخبير الواحد من أهمها: الحد من خلافات الخبراء المتعددين وتعدد وإختلاف تقاريرهم ووجهات نظرهم وطرق قيامهم بالمهمة، بالإضافة إلى تأثر كل خبير بوجهة نظر الخصم الذي رشحه للمحكمة، إضافة إلى أن إنتداب الخبير الفرد يقلل من المصاريف التي يتكبدها الخصوم، غير أنه يؤخذ على تكليف خبير واحد أن تقرير الخبير الواحد يكون بمثابة شهادة الشاهد الواحد، إضافة إلى أن الخبير الواحد أو الفرد قد يتواطئ  مع احد الخصو،  فيكون تقريره منحازاً لأحد أطراف الخصومة، فضلا عن ان نتائج أعمال الخبراء المتعددين تولد لدى المحكمة الاطمئنان أكثر من تقرير الخبير الواحد، لأن الجماعة يؤمن تواطؤها على الباطل إضافة إلى أن الخبراء يقدموا للمحكمة مقترحات وتصورات متعددة  تستطيع المحكمة من خلال دراستها لها أن تأخذ بالأنسب منها .

ومع عيوب اختيار الخبير الواحد الا أن محكمة الموضوع تستطيع تلافي عيوب تعيين الخبير العدل الواحد عن طريق تحديد مهمته على وجه دقيق وإلزامه بأن يرفق بتقريره كافة المستندات والشواهد التي تدل على صحة وسلامة ما ورد في تقريره، فضلاً عن أن المحكمة تكلف الخبير الوحيد بأن يضع في تقريره أكثر من مقترح  أو خيار حتى تقوم المحكمة بالمفاضلة بين البدائل أو المقترحات المتعددة الواردة في خلاصة  تقرير الخبير الواحد، فتختار المحكمة من هذه البدائل الخيار المناسب، كما أن المحكمة في قرار تكليف الخبير الواحد تستطيع تلافي عيوب تعيين الخبير الواحد، وذلك عن طريق تضمين قرار تكليف الخبير الزام الخبير ببيان النصوص القانونية وقواعد المراجعة التي استند إليها الخبير عند إعداد تقريره النهائي، فإذا ألتزم الخبير بالضوابط والإجراءات والمعايير المحددة في قرار تكليفه بالمهمة فإن ذلك يوفر الاطمئنان والركون لدى المحكمة إلى ما ورد في تقرير الخبير .(تقارير الخبراء، د. بهاء المري، ص41).

الوجه الثاني: السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع في الأخذ بما ورد في تقرير الخبير أو طرحه:

من المقرر في الفقه والقضاء أنه لا يلزم المحكمة الأخذ بما ورد في تقرير الخبير أو تقارير الخبير، بإعتبار القاضي خبير الخبراء، وفي هذا المعنى نصت المادة (173) إثبات على أنه (للمحكمة أن تأخذ بتقرير الخبراء أو الخبير الذي تطمئن إليه مع بيان الأسباب إذا خالف التقرير الذي أخذت به تقريراً آخر...إلخ)، فإذا كان من المقرر في الفقه والقضاء أن الأخذ بتقرير الخبير أو طرحه يخضع للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع، بيد أن هناك ضوابط وقيود لهذه السلطة التقديرية من أهمها: أنه يجب على المحكمة أن تبين في أسباب حكمها الأسباب التي جعلتها تأخذ بما ورد في تقرير بعينه وطرح ما ورد في التقارير الأخرى، حسبما ورد في النص القانوني السابق، حتى يكون إختيار المحكمة لتقرير بعينه رشيداً بعيداً عن الهوى والتحكم ولتنزيه إختيار القاضي للتقرير من الشبهات والمطاعن ، وغالباً ماتكون أسباب إختيار المحكمة لتقرير بعينه من تقارير الخبراء المتعددين تكون عبارة عن بيان مزايا التقرير الذي أخذت به وعيوب التقارير الأخرى التي طرحتها المحكمة، ولا شك أن هذا الاختيار يكون حصيلة قيام المحكمة بدراسة التقارير المتعددة وتشخيص مزاياها وعيوبها والترجيح بين المزايا وإختيار التقرير الراجح منها.

ومن معايير الترجيح بين التقارير هي: مدى سلامة النتائج التي توصل التقرير إليها في ضوء النصوص القانونية وقواعد وأصول المهنة  ومدى قوة وسلامة المستندات المؤيدة لما ورد في تقارير الخبراء، ومدى الالتزام بحدود المهمة الموكلة للخبير من قبل المحكمة،(دعاوى مسئولية الخبراء وتقارير الخبرة،د. نزيه نعيم شلالا، ص62).

الوجه الثالث: معنى اطمئنان المحكمة لما ورد في تقرير الخبير:

وردت كلمة اطمئنان المحكمة لتقرير الخبير في المادة (173) تحكيم التي نصت في بدايتها على أنه (للمحكمة أن تأخذ بتقرير الخبراء أو الخبير الذي تطمئن إليه...إلخ)، فاطمئنان المحكمة إلى ماورد في التقرير لا يتحقق إلا إذا توفرت في التقرير المقدم إليها المعايير اللازمة السابق الإشارة إليها كالتزام التقرير بحدود ونطاق المهمة المذكورة في قرار المحكمة بتعيين الخبير، وكذا التزام الخبير بأصول وقواعد المهنة ونصوص القوانين ذات الصلة، ووجود المستندات اللازمة المرفقة بالتقرير التي تؤيد صحة وسلامة النتائج التي توصل إليها تقرير الخبير في ، وعلى هذا الأساس فإن معيار اطمئنان المحكمة لتقرير الخبير هو معيار موضوعي وليس شخصيا، وقد اشترط قانون الإثبات اطمئنان المحكمة للتقرير الذي تأخذ به سواء أكان التقرير واحدا أو كان من ضمن تقارير عدة، غير أن القانون لم يلزم المحكمة ببيان أسباب اطمئنانها لتقرير بعينه وذكر أسباب اطمئنانها في أسباب الحكم إلا في حالة أخذ المحكمة بتقرير بعينه يخالف ماورد في التقارير الأخرى المقدمة للمحكمة بشأن الموضوع ذاته، اما إذا كان تقرير الخبير هو الوحيد فينبغي أن تطمئن المحكمة لمضمون التقرير وسلامة وصحة النتائج التي توصل إليها التقرير، غير أنه لا يلزم المحكمة أن تصرح بالأسباب التي جعلتها تطمئن لما ورد في التقرير الوحيد، حسبما قضى الحكم محل تعليقنا، وحسبما هو مقرر في المادة (173) إثبات التي نصت على أنه (للمحكمة أن تأخذ بتقرير الخبراء أو الخبير الذي تطمئن إليه مع بيان الأسباب إذا خالف التقرير الذي أخذت به تقريراً آخر)، والله اعلم.

بيان اسباب أخذ المحكمة بتقرير الخبير
بيان اسباب أخذ المحكمة بتقرير الخبير


تعليقات

عدد الزوار