المسئولية القانونية لورشة إصلاح السيارات

المسئولية القانونية لورشة إصلاح السيارات

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

المقصود بالمسئولية القانونية للورشة: هي مسئولية الورشة عن  السيارات المودعة فيها لإصلاحها ، ومن المعلوم ان مسئولية الورشة في هذه الحالة هي  مسئولية عقدية تترتب عن العقد الذي يتم كتابة أو شفاهة فيما بين مالك السيارة وصاحب الورشة أو مديرها ، ومحل هذا العقد وموضوعه هو إلتزام صاحب الورشة بإصلاح السيارة من الاعطال الظاهرة في السيارة كإصلاح السيارة من اثار حادث سير أو استبدال قطع  الغيار العاطلة باخرى سليمة، فعندئذ يكون التزام ورشة إصلاح السيارات هو  إلتزام بتحقيق نتيجة وهو إعادتها الى الحالة  التي كانت عليها قبل تعطلها ،لان مدير  الورشة قد ألتزم  في العقد بإصلاح الاعطال الظاهرة محل العقد فانصرفت ارادة المتعاقدين إلى ذلك، اما إذا كان موضوع العقد هو قيام  صاحب  الورشة بفحص السيارة للوقوف على أسباب تعطلها واصلاحها ،فان إلتزام صاحب الورشة هو إلتزام  ببذل عناية لإصلاح  السيارة، لان سبب العطل في السيارة لم يكن معلوما للطرفين عند إبرام العقد ، فالعطل وسببه لن يظهر الا  لاحقا بعد الفحص الفني للسيارة العاطلة، وعندئذ قد يكون هذا العطل  قابلا للاصلاح  وقد لايكون قابلا لذلك .

اما بالنسبة لمسئولية صاحب الورشة عن أي حادث يقع من للسيارة على الغير أثناء وجودها في ورشته فانه يكون مسئولا عن ذلك ، كما يكون مسئولا أيضا عن نزع قطع غيار السيارة أو سرقتها أو إتلاف  اجزاء منها بفعل فاعل فصاحب الورشة يكون مسئولا عن  ذلك ، لأن السيارة بعهدته ومستودعة لديه، فورشة إصلاح السيارات تكون مسئولة عن  فقدان قطع غيار السيارة أو نزعها أو تهشم وإتلاف أي من اجزاء السيارة، لأن يد الورشة على السيارة يد أمانة والمستودع  امين ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 25-5-2013م في الطعن رقم (52292)، فقد ورد ضمن أسباب هذا الحكم أن: ((الدائرة وجدت: أن الدعوى على الورشة على أساس أن الورشة قبلت إدخال سيارة المطعون ضده إلى الورشة لغرض إصلاحها ولا خلاف على ذلك، وإنما الخلاف كان بشأن تسليم المطعون ضده قطع الغيار من عدمه، وكذا سبب بقاء السيارة خلال تلك الفترة الطويلة حتى قامت الورشة بمطالبة ادارة المرور بسحبها من الورشة، ولا خلاف كذلك بين الطرفين أن السيارة منذ إدخالها مازالت في حوش الورشة حتى الآن، وقد جاء في تقريري المهندسين أن السيارة قد اصبحت الآن لا قيمة لها، مما يعني أن ما توصلت إليه المحكمة الابتدائية المؤيد حكمها من بالحكم  الاستئنافي  الصادر من الشعبة التجارية في محله، وهذا كافٍ للرد على بقية الأسباب)) ، وقد كانت المحكمة الابتدائية قد قضت بأن ; يتم تثمين السيارة بحسب موديلها كما لو أنها صالحة ويتحمل قيمتها مناصفة الطاعنة والمطعون ضده لوجود الخطأ المشترك من قبل الطرفين، ،فالورشة لم تقم بإصلاح السيارة كما أنها لم تقم بإبلاغ مالك السيارة بسحب  سيارته لعدم قدرة الورشة على إصلاحها ،وبالمقابل فان مالك السيارة مشترك في الخطأ ، لأنه لم يبادر إلى متابعة الورشة وإستلام السيارة بعد عجز الورشة عن إصلاحها، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم ،حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: تكييف العلاقة فيما بين مالك السيارة وصاحب الورشة:

التكييف: هو إطلاق التسمية القانونية على التصرف، وتطبيقاً لذلك فإن قيام صاحب السيارة بإدخال السيارة إلى الورشة بقصد إصلاحها يكون إيجاب من صاحب السيارة في حين دخول السيارة إلى مقر الورشة أو مكانها قبول من صاحب الورشة بإصلاحها، كما قد يتم التعاقد فيما بين صاحب السيارة وصاحب الورشة عن طريق المفاوضة فيما بين الطرفين على تكاليف إصلاح السيارة وقطع الغيار المطلوبة واجور إصلاح السيارة، حيث تنتهي هذه المفاوضة إلى إنعقاد العقد بين الطرفين سواء أكان هذا العقد شفاهة أم كتابة، ففي كل الأحوال والصور فإن العلاقة بين الطرفين علاقة عقدية تسري عليها أحكام وشروط وآثار العقد، إذ يتضمن العقد بين الطرفين التزامات وحقوق الطرفين، فيكون العقد ملزما للطرفين، فلا يجوز لهما نقضه ولا تعديله إلا بإتفاق الطرفين حسبما هو مقرر في المادة (211) مدني، كما يجب على الطرفين تنفيذ العقد طبقاً لما اشتمل عليه وبطريقة  تتفق مع ما توجبه الأمانة والثقة بين المتعاقدين وبحسب طبيعة الإلتزام، حسبما هو مقرر في المادة (212) مدني.

الوجه الثاني: نوع مسئولية صاحب ورشة إصلاح السيارات:

سبق القول في الوجه الأول أن العلاقة التي تنشأ فيما بين صاحب الورشة وصاحب السيارة المراد إصلاحها تكون علاقة عقدية، بإستثناء إذا كان صاحب الورشة متبرعاً بإصلاح السيارة، فيكون ذلك من تصرفات الإرادة المنفردة، وعلى هذا الأساس فإن مسئولية صاحب الورشة تكون مسئولية عقدية، إذ يجب على صاحب الورشة الوفاء بالالتزامات المحددة عليه في العقد المبرم فيما بينه وبين مالك السيارة، وتتحدد مسئولية صاحب الورشة بحدود الإلتزامات الواجبة عليه المحددة في العقد المبرم فيما بينه وبين مالك السيارة، فإذا اشترط عليه مالك السيارة إصلاح اجزاء من السيارة بطريقة معينة أو تغيير قطع غيار أو إصلاح اجزاء أو مكونات بالسيارة فأنه يجب على صاحب الورشة تنفيذ تلك الشروط والوفاء بتلك الالتزامات طالما أن صاحب الورشة قد قبل  القيام  بها حين التعاقد معه ، ولأن الأعطال المطلوب إصلاحها في السيارة هي اعطال ظاهرة كعطب بعض قطع الغيار أو غير ذلك، وعلى هذا الأساس فإن العاملين في الورشة هم  من أصحاب الخبرة والإختصاص في إصلاح السيارة وإعادتها إلى العمل ،وبما أن محل وموضوع العقد المبرم فيما بين مالك السيارة وصاحب الورشة هو إصلاح الأعطال الموجودة بالفعل في السيارة وإعادة تشغيل السيارة صالحة للإستخدام المعتاد، فإذا تضمن العقد فيما بين مالك السيارة وصاحب السيارة ذلك، وإذا ورد في العقد أن صاحب الورشة ملتزم بإصلاح تلك الأعطال، فإن التزام صاحب الورشة يكون التزام بتحقيق نتيجة ،وهي إصلاح السيارة حتى تكون صالحة للإستعمال المعتاد ، فلا يكون التزام صاحب الورشة في هذه الحالة التزام ببذل عناية وإنما بتحقيق نتيجة، بيد أنه إذا تضمن العقد المبرم فيما بين مالك السيارة وصاحب الورشة أن يقوم صاحب الورشة بفحص السيارة وتحديد نوع العطل وتحديد القطع اللازمة وإصلاح الأعطال التي ستظهر لاحقا بعد الفحص ، فإن التزام صاحب الورشة في هذه الحالة يكون ببذل عناية وليس تحقيق نتيجة، لأن موضوع العقد لم يكن إصلاح أعطال معروفة حين  العقد بل أعطال لم يتم إكتشافها بعد، فلا يعلم صاحب الورشة ما إذا كان بمقدوره إصلاحها أم لا.

وقد كان هذا الأمر هو جوهر النزاع في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا، إذ كان صاحب الورشة يتمسك بأن العقد كان بنص على قيام الورشة بفحص السيارة وتحديد القطع اللازمة لإصلاح الأعطال التي ستظهر بعد الفحص، في حين كان صاحب السيارة يناقش أن صاحب الورشة قد قام بعد العقد بالكشف عن السيارة وقام بتحديد سبب الأعطال في السيارة وحدد صاحب الورشة قطع الغيار اللازمة لإصلاح تلك  الأعطال في السيارة ، وتبعاً لذلك فإن صاحب الورشة قد التزم بإصلاح الاعطال التي ظهرت بالسيارة بعد فحصها، إلا أن الحكم محل تعليقنا قد قضى بأن الخطأ مشترك فيما بين صاحب الورشة وصاحب السيارة، فصاحب الورشة لم يطالب في حينه من صاحب السيارة سحب سيارته من الورشة لعدم قابليتها للإصلاح ، فقد ظلت السيارة ماكثة في مقر الورشة لمدة طويلة حتى تعرضت لنزع اغلب القطع منها ،وتعرضت بعضها للتلف بسبب بقاء السيارة في الورشة لمدة طويلة، ومن جانب آخر فإن صاحب السيارة لم يقم بمتابعة الورشة للوقوف على طبيعة العطل الذي اصاب السيارة وعدم قدرة الورشة على إصلاحها ،فكان يجب  عليه  ان يقوم بسحبها من الورشة في حينه لبيعها بحالتها الراهنة في ذلك الوقت، ولكنه اهمل  ذلك وترك السيارة في مقر الورشة لمدة طويلة حتى تعرضت لما تعرضت له من اضرار ، حسبما ورد في تقرير المهندسين المنتدبين من المحكمة.

الوجه الثالث: مسئولية صاحب الورشة عن فقدان قطع غيار من السيارة داخل ورشته أو سرقتها أو سرقة قطع غيارها اوتلفها يفعل فاعل:

قضى الحكم محل تعليقنا بأن صاحب الورشة هو المسئول عن فقدان أو نزع قطع غيار السيارة المتروكة في ورشته، بإعتبار أن يد صاحب  الورشة على السيارة يد امين ، فهو ضامن لقطع الغيار التي يتم نزعها من السيارة اثناء مكوثها في الورشة ، كما انه مسئول عن سرقة للسيارة من الورشة، وكذا يكون مسئولا  عن أي حادث يقع من السيارة أثناء وجودها بعهدته.

فيجب على صاحب الورشة المحافظة على السيارة وعلى قطعها، طالما هي موجودة في الورشة، فهي بعهدته وهو أمين عليها ومسئول عن أي إتلاف لها بفعل عمد أو خطأ، كما انه مسئول عن أي حادث يقع من السيارة على الغير أثناء وجودها بورشته.

إضافة إلى أن صاحب الورشة مسئول عن الأفعال الصادرة من عمال الورشة أو زبائنها إذا وقعت على السيارة المستودعة في الورشة، حسبما قضى الحكم محل تعليقنا، والله أعلم.

المسئولية القانونية لورشة إصلاح السيارات
المسئولية القانونية لورشة إصلاح السيارات