لا يجوز تملك مفاسح القرى
لا يجوز تملك مفاسح القرى
أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون –
جامعة صنعاء
المحاطب
والمراعي والكهوف والمنحدرات والأحراش والاكام المحيطة بالقرى هي حمى ومفاسح خاصة
بأهل القرى المحيطة بها ينتفعوا بها بالرعي والاحتطاب وغيره، فلا يحق لأحد الأفراد
أو بعضهم ان يتملك تلك المرافق العامة أو المفاسح أو يقوم بالاحياء فيها ومنع اهل القري
المحيطة بها من الانتفاع بها، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة
العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 19-1-2013م في الطعن رقم (47223)، الذي ورد ضمن
أسبابه: ((فكل ما اثاره الطاعن قد تمت مناقشته من قبل محكمة الموضوع ولا سلطات على
محكمة الموضوع في تقدير الأدلة ولا رقابة لمحكمة النقض على تقدير الأدلة التي
استندت إليها محكمة الموضوع، لأن المفاسح والعوارض الصالبة القريبة من الجرف من
محارمه وحماه وإنها مراعٍ ومحتطبات ومرافق للقريتين، فما للمحكوم له سوى الانتفاع بالجرف كمأوى للآغنام
وكذا الانتفاع بالأراضي الصالبة المجاورة للجرف مثل المحكوم له في ذلك مثل أهل
القريتين))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية:
الوجه الأول: المقصود بمفاسح القرى:
هي
المرافق العامة التي تحيط بالقرى التي لم تثبت فيها ملكية لأحد، حيث ينتفع بها أهل
القرى جميعاً دون اختصاص أو احتكار لاحد كالمحاطب والمنحدرات والأحراش والسوائل
العظمى والجبال والاكام والصحاري والكهوف والجروف، إذ ينتفع
بهذه المراهق اهالي القرى المجاورة لها بالاحتطاب والرعي فيها وجلب الحجارة
والتراب منها، وتكون هذه المراهق المحيطة بالقرى حمى خاصة ومفاسح لأهل تلك القرى،
فلا يجوز حتى للدولة صرف تلك المراهق لمصلحة مواطن بعينه وحرمان الآخرين من
الانتفاع بها.
الوجه الثاني: الوضعية القانونية لمفاسح القرى:
سبق القول بأن مفاسح القرى هي عبارة عن مراهق
عامة محيطة بالقرى لم يتعلق بها حق ملكية لأحد كالجبال والآكام والمنحدرات وغيرها،
وعند تطبيق نصوص قانون أراضي وعقارات الدولة نجد أن مفاسح القرى تعد من المراهق
العامة، فقد نصت المادة (2) من قانون أراضي وعقارات الدولة على أن (المراهق
العامة: الجبال والآكام والمنحدرات التي تتلقى مياه الأمطار وتصريفها ويعتبر في
حكم المراهق العامة السوائل العظمى التي تمر عبرها مياه السيول المتجمعة من سوائل
فرعية)، كما أن قانون أراضي وعقارات الدولة قد نص على أحقية المواطنين في الانتفاع
المشترك بالمرافق العامة، ففي هذا الشأن
نصت المادة (44) على أنه (يظل الحق في الانتفاع بالمراهق العامة أو القدر المستحق
منه للدولة مقرراً للكافة سواء بالرعي أو الاحتطاب أو غيره ولا يجوز للدولة
الإخلال بهذه الحقوق إلا لاعتبارات تتعلق بالمصلحة العامة).
الوجه الثالث: عدم جواز الحمى في مفاسح القرى في الفقه الإسلامي:
الحمى لغة: ما منع الناس عنه، واصطلاحاً: تمنع
الدولة موضعاً لا يقع فيه التضييق على الناس للحاجة العامة لذلك لماشية الزكاة
والخيل المخصصة للجهاد، فالحمى يعني تخصيص الرهق العام لمنفعة عامة ومنع الناس من
الانتفاع بها، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحمي لنفسه وللمسلمين لقوله
صلى الله عليه وآله وسلم لا حمى إلا لله ولرسوله ومع ذلك فإن النبي لم يحمي لنفسه
شيئاً، وإنما حمى للمسلمين، فقد قال ابن عمر: حمى النبي صلى الله عليه وآله وسلم
النقيع لخيل المسلمين واما سائر ائمة المسلمين فليس لهم ان يحموا لأنفسهم شيئاً، ولكن
لهم ان يحموا مواضع لترعى فيها خيل المجاهدين ومواشي الزكاة والحيوانات الضالة على
وجه لا يتضرر الناس منه ، ويفهم من ذلك أنه لا يجوز في الفقه الإسلامي الحمى في
مفاسح القرى، لأن ذلك يضيق على أهل القرى ويمنعهم من الاحتطاب والرعي وغيره، ولأن
مفاسح القرى حمى خاصة بأهل القرى ينتفعوا بها (تفسير آيات الأحكام، أ. د. عبد
المؤمن شجاع الدين، ص326).
الوجه الرابع: عدم جواز تملك مفاسح القرى أو تمليكها:
لأهمية مفاسح القرى واتصالها وعلاقتها بمصالح عموم اهل القرى المحيطة بها فلا يجوز للأفراد السعي إلى امتلاك تلك المفاسح أو الإحياء فيها والاختصاص بها وحرمان بقيه الأهالي منها ، كما لا يجوز للدولة أن تقوم بتمليك أو صرف مفاسح القرى للأفراد للعلة ذاتها، وقد اتفق الفقه الإسلامي على أنه لا يجوز الحمى العام اي تخصيص المراهق في غير مصلحة اهل القرى المحيطة بها التي ينتفع بها أهل البلدات والقرى المجاورة ، لأن ذلك يلحق بأهل القرى الشدة والضيق، وذلك لا يجوز شرعاً، والله اعلم.
![]() |
| لا يجوز تملك مفاسح القرى |
