عدم جواز طلب وقف نفاذ القانون

 عدم جواز طلب وقف نفاذ القانون

أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة صنعاء 

لا يجوز للمدعي بعدم دستورية  القانون أو بعض نصوصه ان يطلب من الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا حين نظرها في دعواه ان يطلب منها الأمر بوقف نفاذ النصوص المدعى عدم دستوريتها ريثما تفصل الدائرة في دعواه بعدم دستورية تلك النصوص ، لأن طلب وقف نفاذ النصوص المدعى عدم دستوريتها يتنافى مع قرينة دستورية القوانين، التي تعني ان القوانين تصدر موافقة للدستور، إضافة إلى أن هذا الطلب يتنافى مع مبدأ الفصل بين السلطات، فمطالبة الدائرة الدستورية بوقف  نفاذ القانون يعد  دعوة للافتيات على اختصاص السلطة التشريعية المختصة بسن القوانين ، علاوة على ان ذلك الطلب يناقض مبدأ ملائمة التشريع التي لاتمتد إليها الرقابة الدستورية على القوانين، بل ان  طلب وقف نفاذ القانون مخالفة صارخة للدستور الذي حدد صراحة وقت نفاذ أو سريان القانون ولم يأذن للسلطة القضائية بوقف نفاذ القانون ولم ينص على وقف نفاذ القانون ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 29/12 //2010 م في الدعوى الدستورية رقم(1/5 ) لسنة 2005 م ، الذي ورد ضمن أسبابه أنه( وفي شأن ما جاء في عريضة طلب إيقاف نفاذ القانون  المدعى عدم دستورية بعض مواده، على سند من القول إن الدائرة الدستورية تملك حق إلغاء النصوص المخالفة للدستور، ورتب  المدعي على ذلك قوله إن لها الحق من باب أولى ان تقرر (إيقاف نفاذ) نصوص القانون المدعى عدم دستورية بعض مواده، والدائرة تجد : ان ذلك تخريج تعوزه الدقة، لأن الأمر لا يتعلق بحق للدائرة وإنما بولايتها ونطاقها. فالدائرة حين  تقضي بإلغاء نص قانوني إذا خالف الدستور فإنما تقوم بذلك بعد ثبوت  المخالفة للدستور أمامها أمامها، فألدائرة لاتقضي بعدم دستورية  النص بإعتبار ذلك حقاً لها، وإنما تقوم بذلك باعتباره تنفيذا لنصوص الدستور التي اناطت بها ذلك الأمر . 

وفوق ذلك كله، فمن المستقر في القضاء الدستوري بنوعيه الدعاوى المبتدأة والدفوع مبدأ عدم جواز طلب وقف نفاذ القانون، لأنه محمول على قرينة الدستورية، فالأصل أن القوانين وبقية التشريعات تصدر مقترنة بقرينة الدستورية، وقضاء هذه الدائرة قد جرى على ذلك فعلاً، ومن ذلك ما جاء في حكمها الصادر في القضية رقم 9 لعام 2008م الصادر برقم 9/3/ لعام 2008م وتاريخ 26 شوال 1429 هـ الموافق 25/10/2008م صـ4  الذي فيه : 

(ومن القواعد المستقرة في القضاء الدستوري بشكل عام، دون اعتبار لهذا الدفع، اعتماد قرينة الدستورية لصالح التشريع الطعين، فالأصل أن التشريعات تصدر مقترنة بقرينة الدستورية، فعلى من يدعي خلاف ذلك إقامة الدليل على دفعه أو دعواه بإثبات عكس قرينة عدم الدستورية  ، ويلزم اعتبار كل قرينة ممكنة مسخرة لصالح التشريع الطعين، مالم يتم نقض هذه القرينة أو دحضها بإقامة دليل قطعي يذهب كل شك  يدحض قرينة  الدستورية، كما أنه يفترض إلا يقضي بعدم الدستورية أو يرجح ذلك، إلا إذا كان العوار الدستوري واضحاً لا يلابسه شك ، فالأصل أن لا يخرج القانون عن قرينة الدستورية، إلا إذا كان التعارض بين الدستور والنص الطعين واضحاً بيناً وصريحاً، بحيث يستحيل التوفيق بينهما، ولا يدخل ضمن الرقابة على الدستورية بحث مدى ملائمة التشريع الطعين، لأن الرقابة على دستورية القوانين لا تمتد إلى الرقابة على ملائمة التشريع، أو بواعث إصداره، لأن هذه الملائمة من مظاهر السلطة التقديرية التي يتمتع بها المشرع، فهو الذي بيده سلطة تقدير ملائمة التشريع، فلا يجوز التقوَّل مثلاً بأنه لو جاء النص على صيغة كذا.. لكان أوفق أو أفضل) انتهى. 

وترتيباً على قرينة الدستورية هذه ما اصطلح عليه في الفقه والقضاء الدستوري بعدم جواز طلب وقف نفاذ القانون لحمله على قرينة الدستورية. 

فالأصل في النصوص التشريعية هو حملها على قرينة الدستورية بافتراض مطابقتها للدستور، فلا يجوز بالتالي أن يكون مجرد الطعن عليها من خلال دعوى مبتدأة أو دفع فرعي؛ معطلا لنصوص القانون أو مانعاً من فرضها على المخاطبين بها، فلا يكون التعطيل للنصوص القانونية  المطعون فيها إلا بعد حكم يصدر من (المحكمة العليا – الدائرة الدستورية) يقضي بثبوت مخالفتها للدستور))، وسوف يكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية :

الوجه الأول : معنى نفاذ القانون :

ترد في نهاية مواد القانون مادة تتضمن عبارة (  يعمل بهذا القانون من تاريخ صدوره )،  إذ تفيد هذه العبارة ان القانون سوف يتم تطبيقه  بعد ثلاثين يوماً من تأريخ نشره في الجريدة الرسمية صدوره، وقد بينت المادة (103) من الدستور اليمني بينت تاريخ نفاذ القانون والعمل بموجبه، فقد نصت هذه المادة على أن( تنشر القوانين في الجريدة الرسمية وتذاع خلال اسبوعين من تأريخ إصدارها ويعمل بها بعد ثلاثين يوماً من تأريخ نشرها،ويجوز مد أو قصر هذا الميعاد بنص خاص في القانون)، وفي السياق ذاته تضمنت المادة  (104) من الدستور مبدأ فورية نفاذ القانون وعدم رجعيته أو نطاق سريان القانون من حيث الزمان ، فقد نصت هذه المادة على أنه ( لا تسري أحكام القوانين إلا على ما يقع من تأريخ العمل بها ولا يترتب أثر على ما وقع قبل إصدارها ، ومع ذلك يجوز في غير المواد الضريبية والجزائية النص في القانون على خلاف ذلك ، وبموافقة ثلثي أعضاء المجلس)، وقد وردت المادتان المشار إليهما ضمن اختصاصات السلطة التشريعية المحددة في الدستور . 

الوجه الثاني : قرينة دستورية القانون  :

قضى الحكم محل تعليقنا بأن مبدأ عدم جواز طلب وقف نفاذ القانون يستند إلى قرينة دستورية القانون، وهذا يستدعي الإشارة بايجاز إلى قرينة دستورية القانون. 

والمقصود بقرينة دستورية القانون أو التشريع   هو أن كل تشريع تصدره السلطة التشريعية أو التنفيذية الأصل فيه أنه جاء صحيحا وسليما ومتفقا مع قواعد الدستور نصا وروحا سواء في جوانبه الإجرائية أو الموضوعية ، وعلى من يدعي عكس  ذلك يقع عليه عبء إثبات ذلك بتقديم الأدلة الكافية المقنعة والجدية لهدم هذه القرينة أو بالأقل زعزعتها ، وبهذه المثابة فإن التشريع بمجرد صدوره ونفاذه يكون دائما مصحوبا بقرينة الدستورية التي لا تزول عنه إلا بنقضها من صاحب المصلحة في ذلك .

وتجد هذه القرينة أساسها في أن سلطة التشريع في الدولة تكون أشد حرصا على الالتزام بأحكام الدستور الذي أوجدها ومراعاتها للقيود والحدود التي قررها بما مؤداه أن الأصل هو التزام تلك السلطة بالضوابط المرسومة لها في الدستور ، ومخالفتها لهذه الضوابط يعد خروجا على هذا الأصل .

وبمعنى آخر فإنه لا يفترض في النصوص التشريعية أن السلطة التي أقرتها أو أصدرتها ، إنها قد قامت بذلك لإهدار حقوق كفلها الدستور لأصحابها ، أو لحجبها عنهم ، ومع ذلك فإن هذا الافتراض لا يكون قائما في الأحوال الآتية :

١-أن يكون ظاهرا من النصوص التشريعية المطعون فيها مخالفتها للدستور  كأن يكون مبناها التمييز بين المواطنين بسبب اللون أو الانتماء القبلي أو المناطقي أوببسبب الآراء السياسية . 

2-أن يكون النص التشريعي المطعون فيه مكونا من أجزاء متعددة ، متداخلة معانيها ، مبهمة فواصلها ، بحيث تضطرب في الركائز التي تقوم عليها .

3_أن تخل النصوص التشريعية المطعون فيها بحق أو بحرية أساسية كفلها الدستور ، إذ يعامل كل عدوان تشريعي جسيم عليها باعتبارها مشكوكا فيه ، ومقتضيا رقابة صارمة أساسها أن تقييد الحرية لا يجوز إلا لمصلحة جوهرية قاهرة وبأقل الوسائل إخلالا بها .

ولهذا فإنه من الواجب على القضاء الدستوري عند مباشرته لرقابته على دستورية القوانين أن يجعل هذه القرينة نصب عينيه بحيث لا يخرج على مقتضاها ، إلا إذا كان التعارض بين القانون والدستور تعارضا واضحا قاطعا ، وأن ينعدم السبيل أمام أي تفسير يمكن أن يوفق بينهما أي أنه يتعين مراعاة الأمرين التاليين:

الأول- عدم القضاء بعدم الدستورية إلا إذا كانت مخالفة التشريع للدستور واضحة وقاطعة بحيث لا يبقى هناك مجال معقول لاحتمال دستورية التشريع ، وهو ما تعبر عنه بعض أحكام القضاء الأمريكي بمبدأ الشك المعقول أي أن عدم الدستورية يجب أن يكون فوق مستوى كل شك معقول .

الثاني- إذا أمكن تفسير التشريع على أكثر من وجه وكان أحد هذه الوجوه يجعله متفقا مع الدستور ، فإن على المحكمة أن تلتزم هذا التفسير ما دامت عبارة التشريع تحتمله دون أن تكلف نفسها عناء البحث في النية الحقيقية للمشرع أو في المدلول الذي أراد أن يسبغه على التشريع شريطة أن يكون هذا التفسير مقبولا ومعقولا .

ولقد أعملت المحكمة الدستورية العليا المصرية قرينة الدستورية في قضائها ، من ذلك ما جاء في حكمها الصادر بتاريخ 1996.05.04 في الدعوى الدستورية رقم 40/17 ق بأن (( النصوص القانونية جميعها – سواء في ذلك تلك التي أقرتها السلطة التشريعية أو التي أصدرتها السلطة التنفيذية – تعامل دوما بافتراض صحتها ولا ينال مجرد الطعن عليها من نفاذها ولا يجردها بالتالي من قوتها الإلزامية ، بل يظل تطبيقها – في نطاقها – لازما منذ العمل بها فلا يعطل سريانها عائق ولا يرجأ إعمالها ليكون متراخيا ، ذلك أن صحتها هذه تستصحبها ولا تزايلها إلا إذا صدر قضاء من المحكمة الدستورية العليا بمخالفتها للدستور سواء في أوضاعها الشكلية أو بالنظر إلى مضمونها، ولذلك لاحظنا أن الحكم محل تعليقنا قضى بعدم قبول طلب وقف نفاذ النصوص المدعى عدم دستوريتهما قبل ان تفصل الدائرة الدستورية في الدعوى. 

كما أشارت المحكمة الدستورية البحرينية إلى قرينة الدستورية في معرض تحققها من المطاعن التي تستهدف نقضها ، وذلك في حكمها الصادر بتاريخ 2014.03.26 في الدعوى الدستورية رقم د/2/2013 لسنة11 ق الذي جاء فيه ((  أن الرقابة على دستورية القوانين واللوائح المنوطة بالمحكمة الدستورية تستهدف أصلا صون الدستور وتأكيد احترامه وحمايته من الخروج على أحكامه ، وسبيل هذه الرقابة التحقق من التزام سلطة التشريع بما يورده الدستور في مختلف نصوصه من ضوابط وقيود ، ومن ثم فإنه يتعين عند الفصل فيما يثار في شأن التشريعات من مطاعن تستهدف نقض قرينة الدستورية إستظهار هذه الضوابط والقيود وتحديدها وذلك للتعرف على مدى مخالفة تلك التشريعات لها ((. 

وعلى الرغم من أن المحكمة العليا الليبية تصرح دائما في أحكامها بقرينة المشروعية المصاحبة للقرارات الإدارية إلا أنها لم تورد في قضائها قرينة الدستورية إلا بصورة غير مباشرة من ذلك ما قررته في حكمها الصادر بتاريخ 2013.12.23 في الطعن الدستوري رقم 3/58 ق، ومما جاء فيه) أنه ينبغي على الطاعن في الطعن الدستوري أن يحدد القاعدة الدستورية التي صدر التشريع مخالفا لها ووجه تلك المخالفة ، فإن لم تتضمن أسباب الطعن بيانا لهذين الأمرين ، أو كان بيانه لهما لا يوصل لذلك ، أو لم تكن القاعدة المقول بمخالفتها قاعدة دستورية كان الطعن غير مقبول(ضوابط الرقابة على دستورية القوانين، د. خليفة الجهمي، ص ٦). 

الوجه الثالث : مبدأ عدم جواز وقف نفاذ القانون محمول على قرينة دستورية القوانين :

قضى الحكم محل تعليقنا بذلك على أساس ان طلب وقف نفاذ القانون يفترض ان القانون المدعى عدم  دستوريته من المرجح أنه مخالف للدستور ، ولذلك يتم طلب وقف نفاذ النصوص القانونية المدعى عدم دستوريتها ريثما يتم الحكم بعدم دستوريتها – اي أنه من المرجح ان تحكم الدائرة الدستورية بعدم دستورية النصوص المدعى عدم دستوريتها – وهذا  الأمر يتنافى مع قرينة دستورية القوانين السابق شرحها في الوجه الثاني التي تعني ان الأصل ان القوانين  تصدر مطابقة للدستور غير مخالفة له لكثرة الجهات واللجان التي تتولى مناقشة دراسة  وصياغة النصوص القانونية قبل إقرارها من قبل البرلمان وإصدارها من قبل رئيس الدولة.

فقرينة دستورية القوانين تعني ان النصوص القانونية المدعى عدم دستوريتها موافقة للدستور، لذلك لاينبغي تعطيلها قبل الفصل في الدعوى بعدم دستوريتها في ضوء الأدلة التي يجب على المدعي عدم الدستورية ان يقدمها، لأن عبء إثبات عدم الدستورية يقع على عاتق المدعي، لانه يدعي خلاف قرينة عدم الدستورية، وعلى هذا الأساس لايجوز قبول طلب وقف نفاذ القانون حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.

وبناء على ذلك فإن قرينة الدستورية تلعب دوراً بارزاً في دعم البرلمان، وإستقرار مؤسسة القضاء الدستوري ، وتعزيز الثقة بها، وتحقق التوازن بين المبدأ الديمقراطي والرقابة على دستورية القوانين. 

 الوجه الرابع : سن القوانين ونفاذها من إختصاص السلطة التشريعية :

حدد الدستور السلطة المختصة بسن القوانين وهي من اسمها السلطة التشريعية(مجلس النواب )، وفي هذا المعنى نصت المادة(٦٢ ) من الدستور على أن( مجلس النواب هو السلطة التشريعية للدولة وهو الذي يقرر القوانين ويقر السياسة العامة للدولة والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والموازنة العامة والحساب الختامي، كما يمارس الرقابة على أعمال الهيئة التنفيذية على الوجه المبين في الدستور)، فمجلس النواب هو الذي يقر القوانين المختلفة، ويحق له مع السلطة التنفيذية اقتراح مشاريع القوانين بموجب المادة(٨٥ ) من الدستور التي نصت على أنه( لعضو مجلس النواب وللحكومة حق إقتراح القوانين وإقتراح تعديلها ، على أن القوانين المالية التي تهدف إلى زيادة أو إلغاء ضريبة قائمة أو تخفيضها أو الإعفاء من بعضها أو التي ترمي إلى تخصيص جزء من أموال الدولة لمشروع ما فلا يجوز إقتراحها إلا من قبل الحكومة أو عشرين في المائة (20%) من النواب على الأقل ، وكل مقترحات القوانين المقدمة من عضو أو أكثر من أعضاء مجلس النواب لا تحال إلى إحدى لجان المجلس إلا بعد فحصها أمام لجنة خاصة لأبداء الرأي في جواز نظر المجلس فيها، فإذا قرر المجلس نظر أي منها يحال إلى اللجنة المختصة لفحصه وتقديم تقرير عنه ، وأي مشروع قانون قدم من غير الحكومة ورفضه المجلس لا يجوز تقديمه ثانية في نفس دور الأنعقاد)، وقد اناط هذا النص بالحكومة إقتراح مشاريع القوانين بإعتبار ان الحكومة هي السلطة التنفيذية المعنية بتنفيذ القوانين التي تنظم الأعمال والإختصاصات التي تقوم بها كافة الجهات الحكومية صاحبة المعرفة بالقوانين والنظم التي تحتاجها للنهوض باعمالها وصاحبة المعرفة باوجه القصور والنقص في القوانين النافذة، فبغرض تلبية احتياجات الجهات الحكومية تقوم السلطة التنفيذية بتقديم مقترحات أو مشاريع القوانين التي تعديلها إلى السلطة التشريعية عن طريق القنوات الرسمية المحددة لذلك، ومع ان الدستور قد اناط بالحكومة اقتراح القوانين بصفة أصلية الا انه اجاز ل٢٠٪من أعضاء مجلس النواب إقتراح القوانين وتعديلها شريطة أن لا تتعلق بالقوانين المالية.

ومع ان الدستور قد اجاز للحكومة إقتراح القوانين بصفة أصلية الا ان السلطة التشريعية تتولى دراسة مشاريع القوانين ومناقشتها ومراجعة صياغتها  عن طريق اللجان الفنية المشكلة من  أعضاء مجلس النواب المختصين في اللجان المتخصصة ثم يتم اقرارها مادة مادة في قاعة البرلمان من قبل أعضاء مجلس النواب، حيث يحق لكل عضو مناقشة مواد القانون مادة مادة في قاعة البرلمان قبل التصويت عليها واقرارها. 

وبعد إقرار القانون من قبل أعضاء مجلس النواب يصير قانونا، وان اشترط الدستور صدوره من قبل رئيس الدولة بإعتباره رئيسا للسلطات الثلاث، وفي هذا الشأن نصت المادة  (102)من الدستور على أنه (لرئيس الجمهورية حق طلب إعادة النظر في أي مشروع قانون أقره مجلس النواب، ويجب عليه حينئذ أن يعيده إلى مجلس النواب خلال ثلاثين يوماً من تاريخ رفعه إليه بقرار مسبب، فإذا لم يرده إلى المجلس خلال هذه المدة أو ُردّ إليه وأقره ثانية بأغلبية مجموع أعضائه أعتبر قانوناً وعلى رئيس الجمهورية إصداره خلال أسبوعين، فإذا لم يصدره اعتبر صادراً بقوة الدستور دون حاجة إلى إصدار، وينشر في الجريدة الرسمية فوراً ويعمل به بعد إسبوعين من تاريخ النشر). 

ومن خلال إستقراء النصوص القانونية السابقة نجد أن  سن القوانين وإقرارها ونفاذها من إختصاص السلطة التشريعية، فلا تملك اي سلطة أخرى وقف نفاذ القانون، إذ يقوم البرلمان ذاته في دول المختلفة بوقف نفاذ القانون بقانون اخر يتضمن الإعتبارات والاسانيد التي جعلته يقرر وقف نفاذ القانون ومدة الوقف، وبناء على ذلك لايجوز مطالبة الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بوقف نفاذ القانون بذريعة أنه يجوز لها الحكم بعدم دستورية النصوص المدعى بعدم دستوريتهما، لأن الدستور ذاته قد اناط بالدائرة الدستورية بالمحكمة العليا مهمة الرقابة على دستورية القوانين  حفظا للحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في الدستور، وتبعا لذلك فإن الدائرة عندما تقضي بعدم الدستورية لايكون هذا هذا القضاء لها وإنما مظهر من مظاهر حماية الدستور، حسبما قضى الحكم محل تعليقنا : ( ضوابط الرقابة على دستورية القوانين، د. خليفة الجهمي، ص9)

الوجه الخامس : عدم جواز طلب وقف نفاذ القانون وعلاقته بمبدأ الفصل بين السلطات :

قضى الحكم محل تعليقنا بأن قبول طلب وقف نفاذ القانون يخل بمبدأ الفصل بين السلطات المقرر في الدستور الذي يحدد الاختصاصا ت والأعمال المناطة بكل سلطة من السلطات الثلاث( التشريعية والقضائية والتنفيذية )، ومؤدى ذلك أن السلطة التشريعية هي المختصة بسن القوانين على النحو السابق بيانه، وفي الوقت ذاته فقد حدد الدستور اختصاصات السلطة القضائية وصرح الدستور بأن السلطة القضائية مستقلة عن بقية السلطات، فلايجوز للسلطتين التشريعية والتنفيذية التدخل في أعمال السلطة القضائية وفصلها في الخصومات، وان القضاة أنفسهم مستقلون عن بعضهم فلايجوز للقاضي الأعلى التدخل في أعمال القضاة الأدنى منه في الدرجة أو الوظيفة، وفي هذا المعنى نصت المادة(149) من الدستور على أن( القضاء سلطة مستقلة قضائياً ومالياً وإدارياً والنيابة العامة هيئة من هيئاته ، وتتولى المحاكم الفصل في جميع المنازعات والجرائم ، والقضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ، ولا يجوز لأية جهة وبأية صورة التدخل في القضايا أو في شأن من شئون العدالة ويعتبر مثل هذا التدخل جريمة يعاقب عليها القانون، ولا تسقط الدعوى فيها بالتقادم)، وفي السياق ذاته بينت المادة (153) من الدستور إختصاصات المحكمة العليا ومنها الرقابة على دستورية القوانين، فقد نصت هذه المادة على أن( المحكمة العليا للجمهورية هي أعلى هيئة قضائية ، ويحدد القانون كيفية تشكيلها ويبين اختصاصاتها والإجراءات التي تتبع أمامها ، وتمارس على وجه الخصوص في مجال القضاء ما يلي -

1_الفصل في الدعاوى والدفوع المتعلقة بعدم دستورية القوانين واللوائح والأنظمة والقرارات.

2_الفصل في تنازع الاختصاص بين جهات القضاء.

4-التحقيق وإبداء الرأي في صحة الطعون المحالة إليها من مجلس النواب المتعلقة بصحة عضوية أي من أعضائه.

5-الفصل في الطعون في الاحكام النهائية وذلك في القضايا المدنية والتجارية والجنائية والأحوال الشخصية والمنازعات الإدارية والدعاوى التأديبية وفقاً للقانون.

6-محاكمة رئيس الجمهورية ونائب الرئيس ورئيس الوزراء ونوابه والوزراء ونوابهم وفقاً للقانون.). 

وبناء على النصوص السابقة يظهر ان السلطة القضائية مستقلة عن السلطات الاخري، ومؤدى ذلك أنه لايجوز لأي سلطة من السلطات التدخل في أعمال السلطات الأخرى، وتاسيسا على ذلك لايجوز للدائرة الدستورية ان تقبل طلب وقف نفاذ القانون أو إصدار قرارا بهذا الشأن قبل ان تفصل في عدم الدستورية، لأن ذلك يعد تدخلا من السلطة القضائية في اختصاص السلطة التشريعية التي درست القانون وناقشته مع الجهات المختصة ووقفت على مدى ملائمة القانون للحقوق والمصالح التي ينظمها القانون والنتائج والآثار المتوقعة على تطبيق القانون ونفاذه، بل ان الدستور ذاته قد صرح على نفاذ القانون وحدد الدستور وقت نفاذه حسبما ثابت في  المادة  (104) من الدستور التي حددت تاريخ نفاذ أو سريان القانون ، فقد نصت هذه المادة على أنه ( لا تسري أحكام القوانين إلا على ما يقع من تأريخ العمل بها ولا يترتب أثر على ما وقع قبل إصدارها ، ومع ذلك يجوز في غير المواد الضريبية والجزائية النص في القانون على خلاف ذلك ، وبموافقة ثلثي أعضاء المجلس)، وعلى هذا الأساس فان قبول طلب وقف نفاذ القانون من قبل القضاء يكون مخالفة للدستور حسبما قضى الحكم محل تعليقنا. 

 وقد قضت المحكمة الدستورية العليا في مصر بأنه( وحيث إن الدستور اختص السلطة التشريعية بسن القوانين وفقا لأحكامه، فنص في المادة 86 منه على أن "يتولى مجلس الشعب سلطة التشريع، ويقر السياسة العامة للدولة، والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والموازنة العامة للدولة، كما يمارس الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، وذلك كله على الوجه المبين في الدستور". كما حدد الدستور اختصاصات السلطة القضائية بالفصل في المنازعات والخصومات على النحو المبين في الدستور، فنص في المادة 165 منه على أن "السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها وتصدر أحكامها وفق القانون"، وحيث إن اختصاص السلطة التشريعية بسن القوانين، فإن ذلك لايخول  السلطة التشريعية  التدخل في أعمال أسندها الدستور إلى السلطة التشريعية وقصرها عليها، وإلا كان هذا افتئاتا على عملها وإخلالا بمبدأ الفصل بين السلطتين التشريعية والقضائية. ( حكم المحكمة الدستورية العليا المصرية  في جلستها العلنية المنعقدة 2 فبراير سنة 1992م).

الوجه السادس : المبادئ القضائية لمحكمة النقض المصرية بشأن نفاذ القانون أو سريانه  وأثار الحكم بعدم الدستورية :

 ١-أحكام القوانين. لا تسري إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها ولا يترتب عليها أثر فيما وقع قبلها.

٢-نشر القانون بالجريدة الرسمية. السبيل الوحيد للعلم به وحلول ميعاد بدء سريانه.

٣-الأصل سريان القانون بأثر فوري على المراكز القانونية التي تتكون بعد نفاذه سواء في نشأتها أو في إنتاجها لآثارها أو في انقضائها. المراكز القانونية التي نشأت واكتملت فور تحقق سببها قبل نفاذ القانون الجديد خضوعها للقانون القديم.

٤-القانون الجديد. سريانه على ما يقع من تاريخ نفاذه. مؤداه. عدم جواز تطبيقه على ما انعقد قبل العمل به من تصرفات وتحقق من أوضاع. علة ذلك.

٥-النصوص التشريعية أيًا كانت صورتها. سريانها على جميع المسائل التي تتناولها في لفظها أو في فحواها. إلغاء النص التشريعي لا يتم إلا بتشريع لاحق ينص على إلغائه صراحة أو يدل عليه ضمنًا أو ينظم من جديد وضعًا سبق أن قرر قواعده ذلك التشريع.

٦-أحكام القوانين. سريانها على ما يقع من تاريخ نفاذها ولا تنعطف آثارها على ما وقع قبلها ما لم يُنص على خلاف ذلك.

٧-القانون. سريانه بأثر فورى على المراكز القانونية التى تتكون بعد نفاذه. عدم سريانه على الماضى. علة ذلك.

٨-مدد السقوط المستحدثة بقانون جديد. امتناع سريانها إلا من تاريخ العمل به. م 2/ 2 مرافعات.

٩-أحكام القوانين. لا تسرى إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها ولا تنعطف آثارها على ما يقع قبلها.

١٠-الأدلة التى تُعد مقدمًا للإثبات. خضوعها للقانون السارى وقت إعدادها أو الذى كان ينبغى فيه إعدادها. م 9 مدنى. 

١١-الحكم بعدم دستورية نص قانونى غير ضريبى أو لائحة. أثره. عدم جواز تطبيقه من اليوم التالى لتاريخ نشره فى الجريدة الرسمية.

١٢-أحكام القوانين. عدم سريانها إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها ما لم ينص فيها على رجعية أثرها بنص خاص. العلاقات القانونية وآثارها.

١٣- النص التشريعى. سريانه على ما يلى نفاذه من وقائع ما لم ينص القانون برجعية.

١٤-القانون الجديد. الأصل أن له أثراً مباشراً على ما ينشأ فى ظله من أوضاع ومراكز قانونية.

١٥-سريان القانون بأثر فورى على ما يقع من تاريخ نفاذه ما لم ينص فيه على خلاف ذلك من المبادئ الدستورية المقررة.

١٥-المقرر طبقاً للمبادئ الدستورية المتواضع عليها أن أحكام القوانين لا تسري إلا على ما يقع من تاريخ نفاذها ولا تنعطف آثارها على ما وقع قبلها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك .

١٦-الحكم بعدم دستورية نص قانوني غير ضريبي أو لائحة. رجعية أثره على الوقائع والعلاقات السابقة على صدوره . الاستثناء . الحقوق والمراكز التي تكون قد استقرت عند صدوره بحكم حاز قوة الأمر المقضي أو بانقضاء مدة التقادم ..

١٧ - الحكم بعدم دستورية نص قانوني غير ضريبي أو لائحة. أثره. عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لتاريخ نشره في الجريدة الرسمية. انسحاب هذا الأثر على الوقائع والمراكز القانونية السابقة على صدوره حتى ولو أدرك الدعوى أمام محكمة النقض 

١٨-الحكم بعدم دستورية نص قانوني، أثره. عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لتاريخ نشره في الجريدة الرسمية .

١٩-أحكام القوانين لا تسري إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها ولا تنعطف آثارها على ما يقع قبلها ما لم ينص على خلاف ذلك .

٢٠-- الأصل أن النص التشريعي لا يسري إلا على ما يقع من تاريخ العمل به ولا تنعطف أثاره على ما وقع قبله بما مؤداه عدم جواز انسحاب تطبيق القانون الجديد على ما يكون قد وقع قبل العمل به من تصرفات .

٢١-الحكم بعدم دستورية نص تشريعي. سريانه على جميع المنازعات التي تخضع لتطبيق هذا النص متى لحق الدعوى قبل أن يصدر فيها حكم بات 

٢٢-الحكم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة. أثره. عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لتاريخ نشر هذا الحكم. انسحاب هذا الأثر ليس على المستقبل فحسب وإنما على الوقائع والعلاقات السابقة على صدوره. يستثنى من ذلك الحقوق والمراكز القانونية التي تكون قد استقرت بحكم حاز قوة الأمر المقضي أو بانقضاء مدة الطعن 

٢٣-أحكام القوانين. الأصل سريانها على ما يقع من تاريخ العمل بها. الاستثناء. الأحكام المتعلقة بالنظام العام سريانها بأثر فوري على المراكز والوقائع القانونية القائمة وقت نفاذه ولو كانت ناشئة قبله.

٢٤-صدور تشريع لاحق يستحدث حكماً جديداً يتعلق بذاتية القاعدة الموضوعية الآمرة. سريانه بأثر فوري على المراكز والوقائع القائمة وقت نفاذه. تعلق التعديل ببعض شروط إعمال القاعدة الآمرة. عدم سريانه إلا من تاريخ نفاذها على الدعاوى التي رفعت في ظله.

٢٥-الحكم بعدم دستورية نص قانوني غير ضريبي أو لائحة. أثره. عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لتاريخ نشره في الجريدة الرسمية - انسحاب هذا الأثر على الوقائع والمراكز القانونية السابقة على صدروه حتى ولو أدرك الدعوى أمام محكمة النقض. م 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا المعدل بقرار بق 168 لسنة 1998. تعلق ذلك بالنظام العام. لمحكمة النقض بإعماله من تلقاء ذاتها.

٢٦ - الحكم بعدم دستورية نص قانوني غير ضريبي أو لائحة. أثره. عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم في الجريدة الرسمية. تعلقه بنص ضريبي. أثره. تطبيقه بأثر مباشر. انسحاب هذا الأثر على الوقائع والمراكز القانونية السابقة على صدوره حتى ولو أدرك الدعوى أمام محكمة النقض. تعلق ذلك بالنظام العام. لمحكمة النقض .

٢٧-الحكم بعدم دستورية نص قانوني غير ضريبي أو لائحة. أثره. عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لتاريخ نشره في الجريدة الرسمية. انسحاب هذا الأثر على الوقائع والمراكز القانونية السابقة على صدور الحكم. 

٢٨ - تقرير أثر مباشر للأحكام الصادرة بعدم دستورية النصوص الضريبية وأثر رجعي للأحكام الصادرة منها بعدم دستورية النصوص غير الضريبية كأصل عام. تخويلها سلطة تقرير أثر غير رجعي للأحكام الأخيرة. انتهاء الحكم المطعون فيه إلى إعمال الأثر الرجعي للحكم الصادر بعدم دستورية نص م 29 ق 49 لسنة 1977 فيما تضمنه من عدم استمرار عقد الإيجار للأقارب نسباً. لا خطأ.

٢٩-الحكم بعدم دستورية نص قانوني غير ضريبي أو لائحة. أثره. عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لتاريخ نشره في الجريدة الرسمية. انسحاب هذا الأثر على الوقائع والمراكز القانونية السابقة على صدوره حتى ولو أدرك الدعوى أمام محكمة النقض. م 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا المعدل بقرار بقانون 168 لسنة 1998. تعلق ذلك بالنظام العام. لمحكمة النقض إعماله من تلقاء نفسها.( بوابة مصر للقانون والقضاء، 2010). والله اعلم.