مبدأ تكامل الأدلة وقاعدة الاقتناع القضائي

 

مبدأ تكامل الأدلة وقاعدة الاقتناع القضائي

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

لمبدأ تساند الأدلة أهمية بالغة في الإثبات في المسائل الجزائية فضلاً عن أهميته في تقدير الأدلة إضافة إلى أهمية هذا المبدأ في تكوين قناعة القاضي وعقيدته، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 3-4-2013م في الطعن رقم (50465)، الذي ورد ضمن أسبابه: ((فمحكمة الموضوع تحكم في المواد الجزائية بمقتضى العقيدة التي تكونت لديها من خلال المحاكمة بناءً على سائر الأدلة الجائزة قانوناً التي طرحت عليها في الجلسات، ويكون تقديرها لها في ضوء مبدأ تكامل الأدلة وتأزرها بحيث لا يتمتع دليل بقوة مسبقة في الإثبات وإلا كان حكمها معيباً ومشوباً بالبطلان متعيناً نقضه))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية:

الوجه الأول: ماهية مبدأ تكامل أو تساند الأدلة:

قضت محكمة النقض المصرية بان( الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضاً فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حدة دون باقي الأدلة بل يكفي أن تكون الأدلة في مجموعها مؤدية إلى ما رتبه الحكم عليها وتنتجه كوحدة في إثبات إقتناع القاضي واطمئنانه إلى ما انتهى إليه) (27-2-1978م س29 ق 38 ص207)، ومؤدى ذلك أن القاضي الجزائي عندما يبني حكمه يكون ذلك على أساس نظره في مجموع الأدلة المقدمة أمامه كوحدة واحدة متساندة ومتعاضدة، فعلى القاضي الجزائي أن ينظر في الأدلة جميعها ويقوم بدراستها كاملة ويناقشها مبينا أوجه القوة والضعف فيها، وفي ضوء ذلك تتكون عقيدته ويبني حكمه (المرصفاوي في قانون الإجراءات الجزائية، أستاذنا المرحوم الدكتور حسن صادق المرصفاوي، ص738).

الوجه الثاني: الحاجة لمبدأ تكامل الأدلة:

من القواعد الشائعة قاعدة أن (الأحكام تبني على القطع واليقين وليس على الظن والتخمين)، فهذه القاعدة تعني أن قاضي الموضوع يجب ان يبني حكمه على الأدلة التي قام بدراستها ومناقشتها وتوصل إلى أنها تفيد الجزم واليقين في عقيدة القاضي وانها أدلة قاطعة صالحة وكافية لبناء الحكم عليها، بيد أنه من النادر ان ينفرد دليل بعينه فيكون دليلا قطعيا يقينيا، لأن غالبية الأدلة إن لم تكن كلها ظنية تفيد الظن الغالب، ولذلك يتعذر على القاضي في حالات كثيرة أن يكون قناعته أو يبني حكمه على دليل واحد أو بضعة أدلة، لأن الأدلة نسبية من حيث دلالتها على الواقعة أو الشئ أو الحق ، فهناك دليل تكون نسبة الدلالة فيه 40% فيسانده دليل آخر نسبة الدلالة فيه 20% ويساندهما معاً دليل ثالث تكون نسبة دلالته 20% وهكذا، فأساس الحاجة لمبدأ تكامل الأدلة أنه يتعذر على القاضي في غالب الحالات الوقوف على دليل قطعي يقيني تكون نسبة دلالته 100%.

الوجه الثالث: تكوين قناعة القاضي وتقدير الأدلة من خلال تطبيق مبدأ تساند الأدلة:

صرحت المادة (321) إجراءات بأن تقدير المحكمة للأدلة يكون وفقاً لإقتناع المحكمة في ضوء مبدأ تكامل الأدلة، فقد نصت هذه المادة على أنه (-2- تقدير الأدلة يكون وفقاً لإقتناع المحكمة في ضوء مبدأ تكامل الأدلة، فلا يتمتع دليل بقوة مسبقة في الإثبات)، فمحكمة الموضوع ملزمة بإستعراض ودراسة ومناقشة جميع الأدلة المقدمة إليها وبيان أوجه القوة والضعف في كل دليل والموازنة والترجيح بينها، ومن خلال ذلك تستطيع محكمة الموضوع ان تستبين الحقيقة وتتكون قناعتها المطابقة للقانون والواقع، وتستطيع المحكمة ان تبني حكمها على أدلة تساند بعضها فيكون حكمها عنوانٍ الحقيقة (ضوابط تسبيب الأحكام الجزائية، المستشار عمرو عيسى الفقي، ص117).

الوجه الرابع : السلطة التقديرية للقاضي الجزائي في الإثبات :

يتمتع القاضي الجزائي بسلطة تقديرية في ظل مبدأ تكامل الأدلة حيث يحكم القاضي في الدعوى بمقتضى العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته فلا يوجد دليل له قوة مسبقة في الإثبات، فالقانون اليمني مثلاً أجاز للقاضي في الإثبات الجنائي أن يقضي وفقاً لقناعته ومنحه دوراً إيجابياً ,في البحث عن الحقيقة ولم يحدد أدلة الإثبات في الدعوى الجزائية على سبيل الحصر بل أورد عدد من أدلة الإثبات في المادة 323 إجراءات  وهي شهادة الشهود وتقرير الخبراء واعتراف المتهم والمستندات بما فيها أية تقارير رسمية مرتبطة بشخصية المتهم أو وقائع الجريمة والقرائن والأدلة الأخرى فإيراد "عبارة الأدلة الأخرى" على وجه العموم بعد أن ذكر عدد من الأدلة يستفاد منه أن القانون اليمني لم يحصر الأدلة في مجال الإثبات الجنائي، ومن ثم فكل دليل يمكن أن يوصل إلى الحقيقة وإقامة العدل في ظل مشروعية الأدلة وما يطرح على القاضي في مجلس قضائه على بساط البحث والمناقشة يصلح أن يكون دليلاً مقبولاً في الدعوى وبالتالي فإن دور القاضي في القانون اليمني مكملاً لما يقرره القانون في الإثبات الجنائي، في حين أن القاضي المدني لا يملك هذه السلطة الواسعة في مجال الإثبات المدني، وقد عبرت المحكمة العليا اليمنية عن هذا المبدأ بقولها ( ومعلوم من حيثيات حكم الإدانة وهو الحكم الابتدائي أنه لم يَبنِ حكمه على الإقرار وحده وإنما بناه على مبدأ تساند الأدلة من إقرار وشهود وآله تصوير الفيديو وغيرها.(دور القاضي الجنائي في الإثبات، ماجد الزاملي، ص3).

وإن السلطة الواسعة التى خولها الشارع للقاضى الجنائى فى الإثبات تلقى عليه عبئاً أثقل مما يحمله قاضى سلطته فى الإثبات محدودة بقيود قانونية كالقاضى المدنى – فالقاضى الجنائى دوره إيجابى فى الإثبات ، ولايجوز له أن يقتنع بفحص الأدلة التى يقدمها إليه أطراف الدعوى ، وإنما يتعين عليه أن يتحرى بنفسه أدلة الدعوى ـ ويستثيرالأطراف إلى تقديم أدلتهم – ونتيجة لذلك قيل أن القاضى الجنائى يتحرى (الحقيقة الموضوعية) أى الحقيقة فى كل نطاقها وفى أدنى صورها إلى الواقع – وعلى خلاف ذلك – فإن القاضى المدنى يلزم جانب الحياد بين أطراف الدعوى ، ويتخذ لنفسه دوراً أقل إيجابية ولذا قيل عنه أنه يتحرى (الحقيقة الشكلية) أى الحقيقة فى حدود الصورة والأدلة التى يقدمها إليه الخصوم فحسب(ضوابط حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته، علي سيد ابو صديره، ص٨).

الوجه الخامس : قاعدة  الإقتناع القضائي للقاضي الجزائي :

تعد قاعدة ” الإقتناع القضائى ” من أهم المبادىء عند الإثبات فى المواد الجنائية إذ هى جوهرالنظرية العامة للإثبات الجنائى وحجرالرحى التى تكاد تدورحولها أغلب قواعد الإثبات . ويترتب على هذه القاعدة تحديد طرف الدعوى الجنائية الذى يقع عليه عبء الإثبات ، وينتج عن ذلك إرساء مبدأ عام فى الإثبات الجنائى ألا وهو ” قرينة البراءة ”وتساند الأدلة.

وتطبيقاً لهذه القاعدة قضت محكمة النقض : إن القانون قد أمد القاضى الجنائى فى المسائل الجنائية بسلطة واسعة وحرية كاملة فى سبيل تقصى ثبوت الجرائم أو عدم ثبوتها والوقوف على حقيقة علاقة المتهمين ومقدار إتصالهم بها ففتح له باب الإثبات على مصراعيه يختارمن كل طرقه ما يراه موصلاً إلى الكشف عن الحقيقة ويزن قوة الإثبات المستمدة من كل عنصر بمحض وجدانه فيأخذ بما تطمئن إليه عقيدته ويطرح مالا ترتاح إليه – غير ملزم بأن يسترشد فى قضائه بقرائن معينة – بل له مطلق الحرية فى تقديرما يعرض عليه منها ووزن قوته التدليلية فى كل حالة حسبما يستفاد من وقائع كل دعوى وظروفها – بغيته الحقيقة ينشدها أنى وجدها – ومن أى سبيل يجده مؤدياً إليها – ولا رقيب عليه فى ذلك غير ضميره وحده – وهذا هو الأصل الذى أقام عليه القانون الجنائى قواعد الإثبات لتكون موائمة لما تستلزمه طبيعة الأفعال الجنائية وتقتضيه مصلحة الجماعة من وجوب معاقبة كل جـــ ن ـــا وتبرئة كل بـــ ىء ـــر” .

ويستفاد من ذلك نتيجة مفادها : أن العبرة فى الإثبات فى المواد الجنائية هى بإقتناع المحكمة وإطمئنانها إلى الدليل المقدم إليها . فالقانون لم يقيد القاضى بأدلة معينة بل خوله بصفة مطلقة أن يكون عقيدته من أى دليل أو قرينة تقدم إليه فقد نصت ت المادة (321) إجراءات  على أن (-2- تقدير الأدلة يكون وفقاً لإقتناع المحكمة في ضوء مبدأ تكامل الأدلة، فلا يتمتع دليل بقوة مسبقة في الإثبات) فهذا النص الإجرائى خول لمحكمة الموضوع فى الدعوى الجنائية أن تستمد إقتناعها من أى دليل أو قرينة ترتاح إليها من كافة عناصرالدعوى ، فالقاضى الجنائى وشأنه فى أن يكون عقيدته بكامل حريته وبحسب ما يهدى إليه ضميره – فله أن يقتنع برواية دون أخرى أو بصورة للواقعة دون الأخرى مادام هذا الإستخلاص مقبولاً يسوغه العقل ولا يأباه المنطق والعقل السليم جرياً على طبائع الأمور- وما دام ما أنتهى إليه إقتناعه له أصل ثابت فى الأوراق ولم يخالف الواقع المطروح على المحكمة فى القضية – ولم يخالف التطبيق الصحيح للقانون – ولا يصح فى القانون أن تصادرهذه العقيدة إلا فيما نص عليه القانون وقيده بأن يأخذ بدليل معين – كذلك ولا رقابة لمحكمة النقض على قاضى الموضوع فى ذلك .

وأيضاً فإن القاضى الجنائى غير مقيد الحرية فى تكوين عقيدته فى القضية بقواعد الإثبات المنصوص عليها فى قانون الإثبات فى المواد المدنية والتجارية – كذلك وللمحكمة فى المواد الجنائية أن تستدل بأى دليل تطمئن إليه ويتعضد مع باقى الأدلة الأخرى التى يتم التعويل عليها فى الحكم فى أى مرحلة من مراحل الدعوى ولو كان هذا الدليل أو تلك القرينة مستمدة من محضر جمع الإستدلالات مادامت مطروحة على بساط البحث أمام قاضى الموضوع .

أيضا للقاضى الجنائى أن يبنى حكمه فى المواد الجنائية على الحقائق الثابتة التى خلاف عليها بين الناس والحقائق القانونية المجردة التى يقتنع منها بإدانة المتهم أو ببراءته بكامل حريته الشخصية ولا رقابة عليه فى ذلك من محكمة النقض مادام هذا الإستخلاص سائغاً وقد أسسه على رأيه ولا رأى فيه لسواه .

كذا فإن الأصل فى الإثبات الجنائى إنما يبنى على قناعة القاضى على ما يتخذه من تحقيقات فى الدعوى شريطة ألايكون لرأى غيره أثرقد أثر فى الحكم الصادر فى الدعوى على نحوما ومثال ذلك لو أسس قضائه بإدانة المتهم بناء على أقوال من أجرى التحريات وكانت هذه الإدانة مبنية بصفة أساسية على الدليل المستمد من التحرى فهنا يكون الحكم معيباً .

وللقاضى الجنائى أن يأمرمن تلقاء نفسه أثناء نظرالدعوى بتقديم دليل معين تراه المحكمة لازماً لظهور الحقيقة وذلك وفقاً للمبدأ المستقر عليه بقضاء النقض تطبيقاً لنص المادة (٣٢١ /ج) من أن لمحكمة الموضوع أن تستمد إقتناعها من أى دليل تطمئن إليه طالما أن هذا الدليل له مأخذه الصحيح من الأوراق . وخير أمثلة على ذلك حقها فى ندب الخبراء .

ومن المبادىء المستقر عليها بقضاء النقض المصرية أنه يجب على المحكمة فى المواد الجنائية أن تبنى حكمها على الأدلة التى تطرح أمامها على بساط البحث ويتاح للخصوم مناقشتها والرد عليها ثم للقاضى من بعد أن يستمد إقتناعه من هذه الأدلة بإدانة المتهم أو ببراءته ، وهذا المبدأ يجد تبريره فى قاعدة أصولية فى الإثبات الجنائى تقضى بأنه ” الدليل فى الدعوى لاينسحب إلى دعوى أخرى ” . ومخالفة هذا المبدأ يوصم الحكم بالعيب ويتعين نقضه والإعادة .

وفى أصول الإثبات الجنائى أستقرالرأى على أن عقيدة المحكمة متى أستقرت على رأى فلايهم من بعد أن يكون ما أستندت إليه فى ذلك دليلاُ مباشراً أم غير مباشر ما دام هذا الدليل يصح فى منطق العقل أن يؤدى إلى ما رتبته المحكمة عليه – ويعلل ذلك أن القانون لم يشترط فى الأدلة الجنائية أن تكون مباشرة تقطع فى كل جزئية من جزئياته ولكن يكفى أن تستخلص المحكمة من الدليل الحقيقة بعملية منطقية تجريها متى وافق العقل والمنطق وأنسجم وطبائع الأمور .

ومن المستقر عليها قضاء فى مجال الإثبات فى المواد الجنائية أن القاضى الجنائى كمبدأ عام لا يتقيد بما تصدره غيرالمحاكم الجنائية فعلى سبيل المثال ليس للقاضى الجنائى أن يعلق قضاءه على ماعساه أن يصدره القاضى المدنى من أحكام فى شأن نزاع قائم على موضوع الجريمة – والعكس أحياناً هو الصحيح . وإن كان الرأى عندنا أن للقاضى الجنائى أن يستأنس بأحكام المحاكم الأخرى ويتخذ منها قرينة قضائية على براءة المتهم أو إدانته وفقاً للمفهوم الأوسع لمبدأ حرية القاضى الجنائى فى تكوين عقيدته من أى دليل أو قرينة يرتاح إليها ضميره ، وتطبيقاً لذلك لمحكمة الموضوع كامل الحرية فى أن تأخذ بأدلة فى حق متهم ولا تأخذ بذات الأدلة فى حق متهم آخر ولوكانت الأدلة متماثلة . كذلك ولها أن تأخذ بأقوال المتهم أوالشاهد فى أى مرحلة من مراحل الدعوى ولو عدل عنها فى مرحلة المحاكمة .

وحرية القاضى الجنائى فى أن يستمد إقتناعه من أى دليل أو قرينة يرتاح إليها مرهونة بقاعدة ” تساند الأدلة ” إذ الأدلة فى المواد الجنائية ضمائم وهى متساندة يكمل و يعضد بعضها بعضاً ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة ، وبناء على ذلك لايجوز للقاضى فى المواد الجنائية أن ينظر أو يميل إلى إدانة المتهم بدليل معين لمناقشته على حده دون باقى الأدلة إذ لا يعرف ما كان فى ضميرالمحكمة من رأى لو أنها بحثت هذا الدليل المستبعد الذى إن صح لربما تغيربه وجه الرأى فى الدعوى – كما أنه يكفى فى الأدلة أن تكون فى مجموعها وحدة منطقية تؤدى إلى ما أنتهى إليه الحكم .

ومن المبادىء الأساسية فى المحاكمة الجنائية (شفوية المرافعة) وتعنى على وجه الخصوص بتحقيق الأدلة وهذا التحقيق لإستظهارالحقيقة الواقعية تحقيقاً للعدالة الجنائية ليس رهيناً بمشيئة المتهم أو موقوفاً على إجازة إستعماله من عدمه إذ أن تحقيق أدلة الدعوى هو واجب المحكمة فى المقام الأول وأحد وظائفها بوصفها محكمة موضوع بغض النظرعن مسلك المتهمين وغرضهم من هذا الدليل – ولها فى سبيل ذلك أن تستغنى عن الدليل بحجة أن المتهم لم يتمسك به قبل إقفال باب المرافعة أو أن الدليل غير منتج أو مؤثر فى مصيرالدعوى دون أن تسبب ذلك فى الحالة الأولى ووجوب تسبيب حكمها فى الحالة الثانية.

وتعنى قاعدة حرية القاضى الجنائى فى تكوين عقيدته : أن القاضى فى المواد الجنائية يجوز له أن يقبل جميع الأدلة التى يقدمها إليه أطراف الدعوى ، وأن يستخلص الحقيقة من جميع قرائن الدعوى فلا يجوز مصادرة عقيدته أو إلتزامه بأن يأخذ بأدلة معينة كأصل عام ما لم ينص القانون على خلاف ذلك كأن يلزمه بأن يأخذ بأدلة معينة فى صدد بعض الدعاوى المعروضة عليه . ومقابل ذلك للقاضى أن يستبعد أى دليل لا يطمئن إليه ، ثم له فى النهاية وزن جميع الأدلة والقرائن المقدمة إليه من الخصوم ويستخلص منها رأيه الذى يفرغه فى صورة حكم قضائى بكامل حريته إما بالبراءة أو بالإدانة – وفى ذلك تطبيق للمادة(٣٢١ ) إجراءات يمني التي تقابلها  المادة (302) من قانون الإجراءات الجنائية المصري – وتقابل هذه المادة أيضا المادة 427 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسى ونصها :” تثبت الجرائم بجميع طرق الإثبات ، ويحكم القاضى تبعاً لإقتناعه الخاص”.

وقد صدرت عن محكمة  النقض المصرية  أحكام كثيرة بشأن مبدأ “الإقتناع القضائى” أو ماأطلقنا عليه هنا “حرية القاضى الجنائى فى تكوين عقيدته ” نذكرمنها :” أن العبرة فى الإثبات فى المواد الجنائية هى بإقتناع المحكمة وإطمئنانها إلى الدليل المقدم إليها فالقانون لم يقيد القاضى بأدلة معينة بل خوله بصفة مطلقة أن يكون عقيدته من أى دليل أو قرينة تقدم إليه “. . (15مايو سنة1950 – مجموعة أحكام محكمة النقض – س1 رقم 215 رقم 655)، وقضت محكمة النقض  :” إن القانون قد أمد القاضى الجنائى فى المسائل الجنائية بسلطة واسعة وحرية كاملة فى سبيل تقصى ثبوت الجرائم أوعدم ثبوتها والوقوف على حقيقة علاقة المتهمين ومقدار إتصالهم بها ففتح له باب الإثبات على مصراعيه يختار من كل طرقه ما يراه موصلاً إلى الكشف عن الحقيقة ويزن قوة الإثبات المستمدة من كل عنصر بمحض وجدانه فيأخذ بما تطمئن إليه عقيدته ويطرح مالا ترتاح إليه – غير ملزم بأن يسترشد فى قضائه بقرائن معينة . بل له مطلق الحرية فى تقديرما يعرض عليه منها ووزن قوته التدليلية فى كل حالة حسبما يستفاد من وقائع كل دعوى وظروفها بغيته الحقيقة ينشدها أنى وجدها – ومن أى سبيل يجده مؤدياً إليها – ولا رقيب عليه فى ذلك غير ضميره وحده وهذا هو الأصل الذى أقام عليه القانون الجنائى قواعد الإثبات لتكون موائمة لما تستلزمه طبيعة الأفعال الجنائية وتقتضيه مصلحة الجماعة من وجوب معاقبة كل جان وتبرئة كل برىء”.(نقض12يونيه 1939مجموعة القواعد ج4 رقم406 ص575).

ولكن ثمة ملاحظة تردعلى مبدأ ” حرية إقتناع القاضى الجنائى” تتمثل فى أن هذه الحرية التى خولها الشارع إلى القاضى فى تكوين عقيدته فى المواد الجنائية لا تعنى البتة ” التحكم القضائى أو الحكم بالهوى أو العاطفة ” وبناء عليه ليس حقاً للقاضى أن يحكم بهواه ، أو أن يزن الأمور برأيه وفقاٌ لعاطفته الإنسانية أو يعتمد على أسلوب تفكيرغيرمنطقى لا ينسجم وطبائع الأمورومجرياتهاالطبيعية ، وإنما كل ما يطلب منه عند تكوين عقيدته وقبل الفصل فى الدعوى أن يتحرى الإستدلال المنطقى الدقيق الذى يقوده إلى إقتناع صحيح مجرد من الهوى أو التحكم يصادف صحيح الواقع والقانون – ولذلك قضى بأن : ” إذا كانت محكمة النقض لاتراقب القاضى فى تكوين عقيدة إقتناعه – فإنها بغير شك لا تقره على رأيه إذا تبين لها أن تفكيره قد جافى المنطق أو أخل بالأصول المسلم بها فى الإستدلال القضائى ”، (نقض 3مارس 1973 – مجموعة أحكام محكمة النقض س24 رقم46 ص208) .( ضوابط حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته، علي سيد ابو صديره، ص٧).

 الوجه السادس :رقابة المحكمة العليا لحرية إقتناع قاضى الموضوع :

لارقابة لمحكمة النقض على قاضى الموضوع فى تقديرإقتناع القاضى وعدمه – أو فى تعبيرأوضح لايجوز لمحكمة للنقض أن تناقش إقتناع القاضى كأن تقول أنه ما كان لقاضى الموضوع أن يقتنع بدليل معين أوأنه كان يتعين عليه أن يقتنع بدليل معين – طالما أن قاضى الموضوع قد ألتزم القيود التى سيلى إيرادها ولم يتجاوزها – فإن تعدى على هذه القيود كان حكمه معيباً متعين نقضه – لأنه كما ذكرنا أن حرية القاضى الجنائى فى تكوين عقيدته حرية منضبطة ليست مطلقة ولاتحكمية .

الوجه السابع :ضوابط حرية القاضى الجنائى فى تكوين عقيدة القاضي الجزائي :

 سبق القول فيما تقدم  بأن هناك حرية واسعة النطاق منحها الشارع إلى القاضى الجنائى فى إثبات الدعوى الجنائية، بيد أن هذه الحرية الكاملة تمثل خطراً على المتهمين ولا يزول هذا الخطربغيرأن تكون هذه الحرية الإقتناعية منضبطة ومحدودة بقيود تضمن عدم تحكم القاضى بأن يصدرالحكم وفق هواه على خلاف مقتضى القانون – وهذه الضوابط لحرية القاضى الجنائى فى تكوين عقيدته نستعرضها بتفصيل موجزمشفوعاً ببعض أحكام محكمة النقض الجنائى بعد عرضها إجمالاً فيما يلى:

1- أن يحقق القاضى أدلة الدعوى بنفسه .

2- أن يطلع القاضى والخصوم على الأوراق محل التزويرقبل الحكم فى الدعوى .

3- ألا تكون المسألة المطروحة فى الدعوى فنية بحتة .

4- أن يطرح القاضى الأدلة فى جلسات المحاكمة مع إتاحة الوقت للخصوم لمناقشتها والرد عليها .

5- إلتزام المحكمة بالأخذ بمبدأ تساند الأدلة السابق بيانه .

6- ألزم القانون القاضى الجنائى إتباع إجراءات معينة لسلامة إجراءات المحاكمة .

7- أن تلتزم المحكمة بأدلة معينة لإثبات بعض الجرائم .

8- أن تتقيد المحكمة بحكم أو قرار معين متعلق بموضوع الدعوى .

9- ألا يتدخل القاضى فى الدليل بتحريف أوتوليف .

هذه كانت أهم القيود التى تكفل محاكمة جنائية عادلة عادلة للمتهم وتمنع إستبداد القاضى الجنائى عند تكوين عقيدته فى الدعاوى الجنائية ، وبيان هذه الضوابط كما يأتي :

 الضابط الاول: يحقق القاضى أدلة الدعوى بنفسه  :

الأصل فى القانون أت يتولى قاضى الموضوع مهمة تحقيق أدلة الدعوى بنفسه ومن ثم فليس له أن يحيل فى تحقيق أى دليل فى الدعوى إلى سلطة أخرى حتى لو كانت هذه السلطة النيابة العامة ، لأن يد النيابة العامة تغل عن الدعوى الجنائية بمجرد إحالتها إلى المحكمة المختصة ودخولها فى حوزتها – ومتى خالفت محكمة الموضوع هذا النظرفإن إجراءات المحاكمة تكون معيبة ويتعين نقض الحكم الذى أصدرته بالمخالفة لهذا المبدأ، فيجب على محكمة الموضوع أن تتولى مهمة تحقيق أى دليل فى الدعوى بنفسها أو تندب لذلك أحد أعضائها أو قاضيا آخرلتحقيقه – وعلى هذا الأساس  فليس للمحكمة أن تحيل الدعوى إلى التحقيق بواسطة النيابة العامة بعد أن دخلت القضية حوزتها – ومرجع ذلك أنه بإحالة الدعوى إلى قضاء الحكم تكون ولاية سلطة التحقيق قد أنتهت وحل محلها إختصاص قاضى الموضوع –، ( انظر الطعن رقم 14592 لسنة 4ق – جلسة 17/5/2014) – (الطعن رقم 401 لسنة 80 ق – جلسة 3/3/2011) .و(الطعن رقم10501 لسنة 79ق – جلسة 24/2/2011) – (الطعن رقم 293 لسنة 31قضائية – جلسة 16/5/1961).

 الضابط الثاني :أن يطلع القاضى والخصوم على الأوراق محل التزويرقبل الحكم فى الدعوى :

الأصل العام المقرربقضاء النقض أن إغفال المحكمة الإطلاع على الأوراق محل التزوير وإطلاع الخصوم عليها عند نظر الدعوى يعيب إجراءات المحاكمة ، ذلك لأن إطلاع المحكمة بنفسها على الورقة المزورة إجراء جوهرى من إجراءات المحاكمة فى جرائم التزوير يقتضيه واجبها فى تمحيص الدليل الأساسى فى الدعوى على إعتبارأن تلك الورقة هى الدليل الذى يحمل أدلة التزوير ومن ثم يجب عرضها على بساط البحث والمناقشة فى الجلسة فى حضور الخصوم ليبدى كل منهم رأيه فيها ويطمئن إلى أن الورقة موضوع الدعوى هى التى دارت مرافعته عليها – فإن فات المحكمة هذا الأمر كان حكمها فى الدعوى معيباً بما يبطله ويوجب نقضه والإعادة دون حاجة لبحث باقى أوجه الطعن، (طعن رقم 851 لسنة 67 ق – جلسة 6/5/2006) – (ط 1677لسنة 80ق – ج14/5/2014).

 الضابط الثالث : ألا تكون المسألة المطروحة فى الدعوى فنية بحتة  :

إذا كان الأصل أن المحكمة لها كامل السلطة فى تقديرالقوة التدليلية لعناصر الدعوى المطروحة على بساط البحث إلا أن هذا مشروط بأن تكون المسألة المطروحة عليها ليست من بين المسائل الفنية البحتة التى لا تستطيع المحكمة بنفسها أن تشق طريقها لإبداء الرأى فيها – وهذا ما أفصحت عنه محكمة النقض فى قولها : الأصل وإن كان للمحكمة أن تستند فى حكمها إلى الحقائق الثابة علمياً إلا أنه لا يجوز أن تقتصر فى قضائها على ما أستخلصه أحد علماء الطب الشرعى متى كان ذلك مجرد رأى له عبر عنه بألفاظ تفيد الترجيح والإحتمال – ذلك أن القضاء بالإدانة يجب أن يبنى على الجزم واليقين “.(طعن 19/6/1972 – أحكام النقض س23 – قاعدة 211- ص945).كما قضت : من المقررمتى واجهت المحكمة مسألة فنية بحتة كان عليها أن تتخذ ما تراه من وسائل لتحقيقها بلوغاً إلى غاية الأمر فيها وأنها متى تعرضت لرأى الخبير الفنى فإنه يتعين أن تستند فى تفنيده إلى أسباب فنية تحمله إذ أنها لا تستطيع أن تحل نفسها فى ذلك محل الخبير”.(طعن 8/1/1968 – أحكام النقض س19 – ق6 – ص33).

 الضابط الرابع :أن يطرح القاضى الأدلة فى جلسات المحاكمة مع إتاحة الوقت للخصوم لمناقشتها والرد عليها  :

سبق القول أن من المقرربنص المادة (٣٢١) من قانون الإجراءات الجنائية أن القاضى الجنائى يحكم فى الدعوى حسب العقيدة التى تكونت لديه بكامل حريته ، إلا أنه محظور عليه أن يبنى حكمه على أى دليل لم يطرح أمامه فى الجلسة ويتاح للخصوم مناقشته والرد عليه يستوى فى ذلك أن يكون دليلاً للإدانة أو دليلاً على البراءة وفى ذلك تطبيق لقاعدة هامة فى قانون المرافعات ألا وهى ” شفوية المرافعة ” ويقابها فى القانون المدنى مبدأ ” المجابهة بالدليل بين الخصوم “.

وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض أنه : ومن حيث إن مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه إنه إذ دانه بجريمة إحراز جوهرالهيروين المخدر بغير قصد الإتجارأوالتعاطى أوالإستعمال الشخصى قد شابه القصور فى التسبيب والفساد فى الإستدلال – ذلك أنه أطرح دفعه ببطلان القبض والتفتيش إستناداً إلى صدور أمر بضبط الطاعن وإحضاره فى الجناية رقم .. وإطلاعه عليه حال كون هذا الدليل لم يطرح على بساط البحث بالجلسة ، مما يعيبه ويستوجب نقضه – وحيث إن المقرروفق المادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية المعدلة بالقانون رقم 37 لسنة 1972 أن القاضى الجنائى يحكم فى الدعوى حسب العقيدة التى تكونت لديه بكامل حريته – إلا أنه محظور عليه أن يبنى حكمه على أى دليل لم يطرح أمامه بالجلسة – يستوى فى ذلك أن يكون دليلاً على الإدانة أو البراءة – وذلك كى يتسنى للخصوم الإطلاع عليه والإدلاء برأيهم فيه . ولما كان الحكم المطعون فيه قد أشار إلى إطلاعه على أوراق الجناية رقم .. وأسس رفضه للدفع المبدى من الطاعن ببطلان القبض والتفتيش على صدورأمربضبطه وإحضاره من النيابة العامة فى تلك الجناية – وقد خلت المفردات المضمومة منها – فإن المحكمة تكون قد بنت حكمها على أحد العناصرالتى لم تكن مطروحة على بساط البحث بالجلسة مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه والإعادة دون حاجة لبحث أوجه الطعن .(ط رقم 2181 لسنة 78ق – جلسة 14/6/2010).

 الضابط الخامس: إلزام المحكمة بالأخذ بدليل معين:

من الأصول المسلم بها تشريعاً وفقهاً وقضاءً أن القاضى الجنائى عند الحكم فى الدعوى لا يتقيد بما هو مدون فى محاضرالإستدلالات أومحاضرالتحقيق الإبتدائى إلا إذا وجد فى القانون نص على  خلاف ذلك، لذلك قضت محكمة النقض بأن : العبرة فى المحاكمات الجنائية هى بإقتناع قاضى الموضوع بناء على الأدلة المطروحة عليه بإدانة المتهم أو ببراء ته – فلا يصح مطالبته بالأخذ بدليل معين إلا فى الأحوال التى يقررها القانون – فقد جعل القانون من سلطته أن يزن قوة الإثبات وأن يأخذ من أى نية أو قرينة يرتاح إليها دليلاً لحكمه، كما قضى بأن : حجية الأوراق الرسمية والأحكام المقررة للطعن فيها بالتزوير محل الإجراءات المدنية والتجارية حيث عينت الأدلة ووضعت قواعدها التى يلتزم القاضى بأن يجرى قضائه على مقتضاها – أما فى المواد الجنائية فإن ما تحويه الأوراق إن هى إلاعناصرإثبات تخضع فى جميع الأحوال لتقديرالقاضى الجنائى وتحتمل الجدل والمناقشة كسائرالأدلة وللخصوم أن يفندوها دون أن يكونوا ملتزمين بسلوك الطعن بالتزوير – ولا يخرج عن هذه القاعدة إلا ما أستثناه القانون وجعل قوة إثبات خاصة بحيث يعتبرالمحضر حجة بما جاء فيه إلى أن يثبت ما ينفيه تارة بالطعن بالتزوير كما هو الحال فى محاضرالجلسات والأحكام و تارة بالطعن بالطرق العادية كمحاضرالمخالفات بالنسبة إلى الوقائع التى يثبتها المأمورون المختصون إلى أن يثبت ما ينفيها، (نقض12/6/1967 أحكام النقض س18 ق161 ص767).

إستثناء من القاعدة السابقة :

هناك بعض القيود التى ترد على هذا المبدأ ونوجزها فيما يلى:

1- يجب على المحكمة إن هى رأت للزوم الفصل فى الدعوى تحقيق دليل بعينه أن تحققه أوأن ترد عليه فى حيثيات حكمها إن هى ألتفتت عن هذا الإجراء أنظر: (الطعن رقم3978 لسنة 54ق – جلسة 25/11/1984).

2- إذا كان الحكم فى الدعوى الجنائية يتوقف على نتيجة الفصل فى دعوى جنائية أخرى وجب وقف الأولى حتى يتم الفصل فى الثانية أنظر: (المادة222) من قانون الإجراءات الجنائية .

3- إذا كان الحكم فى الدعوى الجنائية يتوقف على الفصل فى مسألة من مسائل الأحوال الشخصية (المادة 223إجراءات).

الضابط السادس: الزم القانون القاضى الجنائى إتباع إجراءات معينة لسلامة إجراءات المحاكمة:

ومن أمثلة ذلك : ما نص عليه قانون الطفل المصري رقم12 لسنة1996م فى مادته رقم 127 من وجوب تحديد سن الحدث تحدياً دقيقاً بإثبات ذلك من واقع مستندات رسمية كشهادة الميلاد أو بطاقة الرقم القومى أو أى مسند آخر رسمى يستهدى به على سن الحدث الحقيقى – وكذلك ما أوجبته المادة سالفة الذكر بعد تعديلها من وجوب إستماع المحكمة إلى أقوال المراقب الإجتماعى بعد تقديمه تقريراً إجتماعياً وافياً يوضح فيه العوامل ويبين الأسباب التى دفعت الطفل الحدث المتهم نحو الإنحراف أو التعرض له ومقومات إصلاحه وأن يودع هذا التقريرملف الدعوى قبل الفصل فيها،

(الطعن رقم4398 لسنة 82ق – جلسة 11/3/2013).

 الضابط السابع : أن تلتزم المحكمة بأدلة معينة لإثبات بعض الجرائم:

ومثال ذلك : مانصت عليه المادة (276) من قانون العقوبات من أن الأدلة التى تقبل وتكون حجة على المتهم بالزنا هى القبض عليه حين تلبسه بالفعل أو إعترافه أو وجود مكاتيب أو أوراق أخرى مكتوبة منه أو وجوده فى منزل مسلم فى المحل المخصص للحريم فقد قضت محكمة النقض بأن : من المقررأن المادة276 من قانون العقوبات أوجبت على القاضى أن يستمد إقتناعه فى إدانة شريك الزوجة الزانية من أدلة إثبات معينة لا تقف فى هذه المادة عند الوجود فى منزل مسلم فى المكان المخصص للحريم فحسب بل تضمنت أدلة أخرى هى التلبس والإعتراف والمكاتيب والأوراق ويكفى أى دليل منها على حدة لكى يستمد منه القاضى إقتناعه بالإدانة . (طعن رقم 20889 لسنة 62ق – جلسة 15/5/1997).، وفى حكم حديث لمحكمة النقض فى هذا المعنى أنظر: (الطعن رقم 13372 لسنة 83 ق – جلسة 7/7/2014).

 الضابط الثامن :أن تتقيد المحكمة بحكم أو قرار معين متعلق بموضوع الدعوى  :

ونطاق ذلك :ألا يكون حكما قد صدر من محكمة الأحوال الشخصية فى المسألة التى يتوقف عليها الفصل فى الدعوى الجنائية – وحول هذا القيد  قضت محكمة النقص المصرية بأنه : من المقرروفق المادة302 من قانون الإجراءات الجنائية أن القاضى الجنائى يحكم فى الدعوى حسب العقيدة التى تكونت لديه بكامل حريته مما يطرح أمامه فى الجلسة دون إلزام عليه بطريق معين فى الإثبات إلا إذا أستوجبه القانون أو حظرعليه طريقاً معيناً فى الإثبات – وإذ كان ذلك وكان قانون الإجراءات الجنائية قد نص فى المادة 221 على أن : ” تختص المحكمة الجنائية بالفصل فى جميع المسائل التى يتوقف عليها الحكم فى الدعوى الجنائية المرفوعة أمامها مالم ينص القانون على خلاف ذلك ” – وفى المادة 222 على أنه ” إذا كان الحكم فى الدعوى الجنائية يتوقف على نتيجة الفصل فى دعوى جنائية أخرى وجب وقف الأولى حتى يتم الفصل فى الثانية ” – وفى الفقرة الأولى من المادة 323 على أنه ” إذا كان الحكم فى الدعوى الجنائية يتوقف على الفصل فى مسألة من مسائل الأحوال الشخصية جاز للمحكمة الجنائية أن توقف الدعوى وتحدد أجلاً للمتهم أو المدعى بالحقوق المدنية أوالمجنى عليه حسب الأحوال لرفع المسألة المذكورة إلى الجهة ذات الإختصاص” – وفى المادة 224 على أنه ” إذا أنقضى الأجل المشار إليه فى المادة السابقة ولم ترفع الدعوى إلى الجهة ذات الإختصاص يجوز للمحكمة أن تصرف النظر عن وقف الدعوى وتفصل فيها . كما يجوز لها أن تحدد للخصم أجلاً آخر إذا رأت أن هناك أسباباً معقولة تبررذلك ” .

ونصت المادة 456  إجراءات مصري على أنه ” يكون للحكم الجنائى الصادر من المحكمة الجنائية فى موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة أوبالإدانة قوة الشىء المحكوم به أمام المحاكم المدنية فى الدعاوى التى لم يكن قد فصل فيها نهائياً فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانونى ونسبتها إلى فاعلها – ويكون للحكم بالبراءة هذه القوة سواء بنى على إنتفاء التهمة أو عدم كفاية الأدلة – ولا تكون له هذه القوة إذا كان مبنياً على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون ” – وفى المادة 457على أن ” لاتكون للأحكام الصادرة من المحاكم المدنية قوة الشىء المحكوم به أمام المحاكم الجنائية فيما يتعلق بوقوع الجريمة ونسبتها إلى فاعلها ” – وأخيراً فى المادة 458 على أن ” تكون للأحكام الصادرة من محاكم الأحوال الشخصية فى حدود إختصاصها قوة الشىء المحكوم به أمام المحاكم الجنائية فى المسائل التى يتوقف عليها الفصل فى الدعوى الجنائية ” .

فإن المشرع بذلك كله قد أمد القاضى الجنائى – وهو يفصل فى الدعوى الجنائية – إدانة أوبراءة – بسلطة واسعة تكفل له كشف الواقعة على حقيقتها – كى لا يعاقب برىء أو يفلت جان ، فلا يتقيد فى ذلك إلا بقيد يورده القانون ، ومن ثم كان له الفصل فى جميع المسائل التى يتوقف عليها الفصل فى الدعوى الجنائية لأن (قاضى الأصل هو قاضى الفرع). وليس عليه أن يقف الفصل فيها تربصاً لما عسى أن يصدر من أية محكمة غير جنائية من محاكم السلطة القضائية أو من أى جهة أخرى – وهو لا يتقيد بأى قرارأو حكم يصدر فيها – اللهم إلا بحكم قد صدرفعلاً من محكمة الأحوال الشخصية فى حدود إختصاصها وفى المسألة فحسب التى يتوقف عليها الفصل فى الدعوى الجنائية – وفق صريح نص المادة 458 سالفة الذكر. (طعن رقم 1192 لسنة 45ق – جلسة 23/11/1975) .

 الضابط التاسع : ألا يتدخل القاضى فى الدليل بتحريف أوتوليف  :

الأصل العام أنه يتعين على المحكمة ألا تبنى حكمها إلا على الوقائع الثابة فى الدعوى كما لايجوز لها أن تقيم قضائها على أمورلا سند لها من الأوراق – كذلك وليس للمحكمة أن تحرف شهادة الشهود وتأخذها على وجه خاص خاطىء يخالف صريح عباراتها وما قصده الشاهد حقيقة – ولا أن تقيم قضائها على مجرد فروض وإحتمالات تناقض صريح روايته – بل كل ما لها أن تأخذ برواية الشاهد إن هى أطمأنت إليها وأرتاح إليها وجدانها أوأن تطرحها إن هى لم تثق بها .

وهذا ما صاغته محكمة النقض فى حكمها : من المقررأن لا يجوز للمحكمة أن تتدخل فى رواية الشاهد ذاتها وتأخذها على وجه خاص يخالف صريح عبارتها أو تقيم قضائها على فروض تناقض صريح روايته – بل كل مالها هو أن تأخذ بها إذا هى أطمأنت إليها أو تطرحها إن لم تثق بها – وكان الحكم المطعون فيه قد أقام قضائه على إفتراض أن الطاعن هو الذى أحدث إصابات المجنى عليه الرضية – وهو على مالاسند له من أقوال شهود الإثبات التى أوردها الحكم ومن ثم فإنه يكون قد أقام قضائه على مالا أصل له فى الأوراق – وهو مالايجوز- ويبقى بعد ذلك التعارض قائماً بين الدليلين القولى والفنى لم يرفع – الأمر الذى يعيب الحكم بما يوجب نقضه والإعادة وذلك بغيرحاجة إلى بحث باقى أوجه الطعن . .(طعن رقم 1560 لسنة 68ق – جلسة 9/7/2000.( ضوابط حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته، علي سيد ابو صديره، ص٩). والله اعلم.  

تعليقات

عدد الزوار