الغاء العقوبات السابق توقيعها على العامل بعد انقضاء سنة


الغاء العقوبات السابق توقيعها على العامل بعد انقضاء سنة

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

اثناء سريان عقد العمل تصدر من العامل مخالفات فيقوم صاحب العمل بتوقيع عقوبات على العامل لإرتكابه تلك المخالفات، وقد صرح قانون العمل بألغاء  عقوبتي لفت النظر الكتابي والانذار الكتابي بمجرد مضي سنة على توقيعهما ، اما بالنسبة للعقوبات الأخرى فقد اجاز القانون لصاحب العمل ان يلغيها او يخفف منها حسبما ورد في قانون العمل، اما العقوبات التي يحكم بها القضاء على العامل لإرتكابه جرائم اثناء عمله أو بمناسبة عمله أو بسببه كخيانة الأمانة أو الإختلاس أو السرقة وغيرها ، فيرد عليها  نظام رد الاعتبار المقرر في قانون الإجراءات الجزائية، إذ ينتهي أثر تلك العقوبات بمضي سنتين من تاريخ انتهاء تنفيذ العامل للعقوبة  الجنائية، ومؤدى ذلك إلغاء آثار العقوبات السابق توقيعها على العامل،   فلايتم التعامل مع العامل على أساس العقوبات التي سبق توقيعها عليه ، وينبغي سحب وثائقها من ملف العامل، إضافة إلى أنه لا ينبغي على صاحب العمل ان يأخذها بعين الإعتبار عند معاقبة العامل مستقبلاً أو أو الإستناد إليها مستقبلا في حرمان العامل من حقوقه كالترقية أو العلاوات أو المكافآت، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 16-1-2015م في الطعن رقم (56388)، وقد ورد ضمن أسباب الحكم الاستئنافي (بان مناعي المستأنف قد سبق له إثارتها أمام اللجنة التحكيمية، ومن ذلك ما ذكره المستأنف بشأن الإنذارات الثلاثة التي قام المستأنف بتوقيعها على العامل المستأنف ضده، فتلك الإنذارات المتعلقة بغياب العامل عن العمل قد مضى عليها أكثر من عام واصبحت في حكم العدم لمضي مدة تزيد على عام) وقد اقرت الدائرة المدنية الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: ((أنه قد ورد في أسباب قرار اللجنة التحكيمية ان تلك الإنذارات الصادرة بحق العامل المطعون ضده قد صارت منعدمة ولاغية بعد مضي مدة تزيد على عام من تاريخ صدورها،  إضافة إلى أن محضر التحقيق الإداري الذي قام صاحب العمل الطاعن بإجرائه مع العامل قد كان بعد مضي شهرين من تاريخ إكتشاف المخالفة، في حين ان المادة (94) توجب ان يتم التحقيق قبل إنقضاء مدة (15) يوماً، مما يستوجب رفض الطعن))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية:

الوجه الأول: إلغاء العقوبات السابق توقيعها بالنسبة للعامل المخالف:

اجاز قانون العمل لصاحب العمل توقيع العقوبات على العامل المخالف حسبما هو مقرر في المادة (93) التي نصت على أنه (يجوز لصاحب العمل في حالة مخالفة العامل لواجباته المحددة في هذا القانون أو في عقد العمل ان يوقع بحقه إحدى العقوبات الآتية: -1- لفت نظر الكتابي -2- الإنذار الكتابي -3- الخصم من الأجر بما لا يزيد على 20% من الأجر الأساسي -4- الفصل من العمل مع إحتفاظ العامل بحقه في كافة المستحقات المنصوص عليها في هذا القانون وفي تشريعات العمل الأخرى)،  وقد صرح قانون العمل بأإلغاء عقوبتي لفت النظر الكتابي والإنذار الكتابي بقوة القانون حتى ولو لم يوافق صاحب العمل على ذلك طالما انه ثبت تحسن سلوك العامل خلال السنة التالية لتوقيع العقوبة  اما بالنسبة لعقوبتي الخصم والفصل وغيرهما من العقوبات فقد صرح القانون بأن ذلك أمر جوازي لصاحب العمل فل ان يخفف من تلك العقوبات كما أن له ان يلغيها كلها ،وفي هذا الشأن  نصت المادة (95) من قانون العمل على أنه (أ- يعتبر توقيع العقوبتين المنصوص عليها في البندين (1) و (2) من المادة (93) من هذا القانون لاغياً بعد مضي عام من تاريخ توقيعهما ويلزم صاحب العمل بإزالتهما من سجل العامل الشخصي متى تحسن سلوكه فعلياً في نفس العام -2- لصاحب العمل ان يلغي أي من العقوبات الأخرى المطبقة بحق العامل متى تحسن سلوكه خلال العام)، .

الوجه الثاني: معنى إلغاء العقوبات السابق توقيعها على العامل :

المقصود بإلغاء العقوبات السابق توقيعها على العامل : هو إلغاء الآثار المترتبة على العقوبات وليس المقصود من ذلك إلغاء العقوبات ذاتها حقيقة، لأنه قد تم بالفعل توقيعها على العامل ، فمعنى   إلغاء العقوبات بقوة القانون أنه بإنقضاء مدة سنة على تاريخ توقيع عقوبتي لفت النظر والانذار  تنتهي الآثار المترتبة على العقوبتين، وكذلك الحال عندما يقرر صاحب العمل إلغاء العقوبات الأخرى  كالفصل  والخصم من الأجر وغيرهما، وتبعاً لذلك لا يجوز  الإستناد إلى  القرار السابق بتوقيع العقوبات في إتخاذ أية إجراءات أو عقوبات أخرى ضد العامل في المستقبل  وكذا لايجوز الإستناد او الرجوع إلى قرارات توقيع العقوبات السابقة في تقييم أو تقدير كفاءة العامل أو حرمانه من حقوقه في المستقبل كحقه في الترقية أو المكافأة ولذلك فقد تضمن النص القانوني السابق على وجوب نزع وثائق قرار توقيع عقوبتي لفت النظر والانذار من ملف العامل حتى لا يتم الإستناد إليها في حرمان العامل من حقوقه أو الإستناد إليها في توقيع عقوبة جديدة على العامل في المستقبل، وعلى هذا الأساس فقد قضى الحكم محل تعليقنا بعدم جواز الإستناد إلى قرارات توقيع عقوبتي الإنذار ولفت النظر في توقيع عقوبة فصل العامل على أساس أنه قد تم لفت نظر العامل وإنذاره مراراً بعدم الغياب في السابق حسبما اشار الحكم محل تعليقنا بأن تلك العقوبات قد تم توقيعها أكثر قبل أكثر من سنة.

الوجه الثالث: الحكمة من إلغاء العقوبات السابق توقيعها على العامل :

يستند إلغاء عقوبتي الإنذار ولفت النظر الكتابي بعد مضي مدة سنة على توقيعهما يستند إلى إعتبارات عدة منها: عدم جواز مصادقة العامل المخالف عن مخالفة العامل بعقوبتين: عقوبة الإنذار ولفت نظر ثم الإستناد إليهما في توقيع عقوبة أخرى في المستقبل، إضافة إلى أنه ليس من العدل والإنصاف ان تكون العقوبة التي يتم توقيعها على العامل خالدة لا تمحى ولا تلغى، ولذلك فان قانون الإجراءات الجزائية قد تضمن محو آثار العقوبات التي يقضى بها على مرتكبي الجرائم الجسيمة ورد إعتبارهم بعد مضي مدة  معينة على قيام المحكوم عليه بتنفيذ العقوبة وبة المحكوم، علاوة على ان مخالفات العامل التي تستوجب توقيع عقوبتي لفت النظر والانذار وغيرها لا تدل على إنحراف العامل وعدم صلاحيته، فمثلاً القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا كان سبب توقيعها كثرة غياب العامل.

الوجه الرابع: إلغاء العقوبات الأخرى السابق توقيعها على العامل:

نصت المادة (95) من قانون العمل السابق ذكرها على أنه: لصاحب العمل ان يخفف او يلغي من العقوبات الأخرى المطبقة على العامل، وهذا النص جوازي لصاحب العمل، فمن حقه ان يلغي العقوبة السابق توقيعها على العامل كعقوبة الفصل أو الخصم من الأجر أو غيرهما، إضافة إلى أن هناك عقوبات اخرى اجاز القانون لصاحب العمل ان ينص عليها في لائحة الجزاءات التي تتضمن انواع المخالفات وما يقابلها من عقوبات حسبما ورد في المادتين (91 و92) من قانون العمل، وهذا يدل على أنه يجوز لصاحب العمل ان يعد لائحة جزاءات تتضمن المخالفات وقرينها العقوبات المقررة على كل واحدة منها، ولذلك يجوز ان تتضمن لائحة الجزاءات عقوبات اخرى غير ما ورد في المادة (92) عمل التي تضمنت أربع عقوبات فقط هي: لفت النظر الكتابي والإنذار الكتابي والخصم من الأجر والفصل من العمل، وبناءً على ذلك يجوز لصاحب العمل ان يخفف او يلغي العقوبات السابق توقيعها على العامل الواردة في لائحة الجزاءات متى دلت القرائن على تحسن سلوك العامل  

الوجه الخامس: رد إعتبار العامل بالنسبة للجرائم التي تقع من العامل اثناء العمل أو بسببه او بمناسبته:

بالنسبة لهذه الجرائم فإن العامل يخضع للقواعد العامة لرد الإعتبار المقررة في قانون الإجراءات الجزائية، حيث تظل الآثار الجزائية للعقوبة المحكوم بها على العامل قائمة حتى يُرد إليه اعتباره بحكم القانون أو بحكم قضائي وفقاً للمادة (540) إجراءات، فيُرد إعتبار العامل المحكوم عليه بحكم القانون إذا كانت العقوبة المحكوم بها هي الغرامة والحبس الذي لا تزيد مدته عن سنة وذلك بعد مضي سنتين على تنفيذ العقوبة او العفو عنها أو سقوط الحق في تنفيذها بمضي المدة مالم يرتكب العامل المحكوم عليه جريمة خلال هذه المدة، وفي غير هذه الأحوال لا يرد إعتبار العامل المحكوم عليه إلا بمقتضى حكم يصدر من محكمة الاستئناف شريطة ان تكون العقوبة قد تم تنفيذها أو تم العفو عنها أو سقط الحق في تنفيذها وان يكون قد مضى على ذلك ثلاث سنوات إذا كانت المدة المحكوم بها ثلاث سنوات وست سنوات في الحالات الأخرى، فعند رد إعتبار العامل يزول أي أثر من الآثار المترتبة على توقيع تلك العقوبات على العامل حيث يتم التعامل مع العامل وكأنه لم يرتكب تلك الجريمة ولم تتم معاقبته بأية عقوبة، حيث يلغى كل أثر من الآثار المترتبة على توقيع العقوبة وتنفيذها على العامل حسبما قضى الحكم محل تعليقنا، والله اعلم .