الصلح اثناء التحكيم - في اليمن

الصلح اثناء التحكيم

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

لا ريب ان الصلح أفضل من القضاء وأفضل من التحكيم لان فيه رضاء وطيب نفس من الخصوم بخلاف حكم القضاء والتحكيم الذي يؤرث الضغائن والبغضاء بين الخصوم، ولذلك فقد ندبت الشريعة الإسلامية إلى الصلح وحثت عليه في نصوص كثيرة، وكذلك صرح القانون بأن على القاضي ان يندب الخصوم إلى الصلح، وكذلك الحال بالنسبة للمحكم، ومع هذا وذاك فان الصلح أثناء التحكيم لايجعل حكم التحكيم سندا تنفيذيا بخلاف الصلح لدى المحكمة الذي يجعل حكمها سندا تنفيذيا،وعند تصالح المحتكمين لدى هيئة التحكيم لايلزم أن يتضمن حكم التحكيم كافة البيانات اللازم توفرها في الحكم عامة حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 2/12/2012م في الطعن رقم (46227) ،وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم ان شخصان اختلفا بسبب قيام احدهما بفتح نوافذ إلى الممر المشترك بين منزليهما فقاما بتحكيم محكم للفصل في الخلاف، فقام المحكم بالتوفيق بينهما حيث تصالح الخصمان لدى المحكم وتم إنهاء الخلاف بالصلح بين الطرفين وأصدر المحكم حكم التحكيم الذي تضمن البنود التي تصالح عليها الطرفان، فقام احد الخصمين بتقديم دعوى بطلان حكم التحكيم فقضت محكمة الاستئناف بإبطال الحكم (لخلو الحكم من الدعوى والإجابة والتسبيب ومخالفته لوثيقة التحكيم ولانه لم يصدر بصيغة الحكم) وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي قبلت الدائرة الطعن وقضت بنقض الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا (حيث أن البين من مدونة الحكم المطعون فيه ان محكمة الاستئناف اعتبرت حكم التحكيم باطلاً، فمحكمة الاستئناف نفت عن حكم التحكيم صفة الحكم وكذلك نفت عنه صفة الصلح حيث اشترط الحكم الاستئنافي في الصلح ان يتم تنفيذه وهو إشتراط لا أساس له في القانون فذلك يخالف قواعد الإثبات التي تعتبر التوقيع على المحرر من قبل الخصم حجة عليه وعلى وارثه أو خلفه، فمدعي البطلان مقر بصحة توقيعه على محرر حكم التحكيم) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الأتية:

الوجه الأول: ماهية عقد الصلح وشكله:

الصلح عقد يرفع النزاع ويحسمه ويتم بالتراضي بين طرفيه المتصالحين ،ويشترط فيه ان يكون المصالح اهلاً للتصرف بالغاً عاقلاً راشد غير مكره ولا مضطر، ويترتب على عقد الصلح إنقضاء الحقوق التي كانت محلاً للصلح، ويتم إثبات وقوع الصلح بأية طريقة من طرق الإثبات، كما أن الصلح ملزم لطرفيه بإعتباره عقداً من العقود يجب على طرفيه الوفاء بالتزاماتهما المقررة فيه فإن لم يقوما بذلك فيحق للمعني اللجوء إلى القضاء لحمل الطرف الاخر على تنفيذ التزامه، فلايبطل عقد الصلح بعدم تنفيذه ، وقد نصت على هذه الاحكام المواد من (668 إلى 679) مدني، وعلى هذا الأساس فان الصلح يختلف عن حكم التحكيم، لان الصلح عقد في حين حكم التحكيم حكم، فجوهر عقد الصلح التراضي في حين أن حكم التحكيم جوهره الفرض والإلزام فلا يشترط رضاء الخصم أو الخصوم بالحكم، وبتطبيق هذا المفهوم على الحكم محل تعليقنا نجد أنه قد قضى بان الذي تم لدى المحكم هو عقد صلح تراضى عليه الطرفان المحتكمان لدى المحكم الذي قام بإثباته في حكمه، وبما أن الذي تم إثباته في حكم التحكيم هو عقد صلح فلا تشترط فيه شكلية معينة ولا يشترط فيه أن يتضمن كافة البيانات التي يشترط القانون توفرها في الأحكام، فيكفي لقيامه ما يدل على ان الصلح قد تم بتراضي الخصوم عليه وكونهم اهلاً للصلح لان في الصلح اسقاط وتنازل ،كما لايشترط في عقد الصلح أن يتم تنفيذه فيحق لاي من طرفيه مطالبة القضاء بالزام الممتنع بتنفيذه، ولذلك فقد قضى الحكم محل تعليقنا بنقض الحكم الاستئنافي الذي لم يفرق بين الصلح والتحكيم، وقضى الحكم محل تعليقنا بصحة حكم التحكيم المتضمن الصلح المتراضى عليه بين الخصوم طالما وان المدعي بالبطلان قد صرح برضاه بذلك الصلح وقام بالتوقيع على حكم التحكيم ووضع بصمة إبهامه على ذلك.

الوجه الثاني: إجراءات الصلح اثناء التحكيم:

يحدث في حالات كثيرة ان يتصالح الخصوم اثناء إجراءات التحكيم لدى المحكم أو هيئة التحكيم حيث يقوم المحكم بإثبات بنود الصلح أو ما تم التصالح عليه في مدونة الحكم الذي يصدره حيث يقتصر دوره على إثبات ما تصالح عليه الخصوم في حكم التحكيم مثله في ذلك مثل القاضي الذي يتم التصالح امامه، وفي هذا الشأن نصت المادة (214) مرافعات على أنه (يجوز للخصوم في أية حالة تكون عليها الخصومة ان يتصالحوا فيها ويقدموا ما اتفقوا عليه مكتوباً وموقعاً عليه منهم أو من وكلائهم المفوضين بالصلح وتقرر المحكمة إلحاقه بمحضر الجلسة للتصديق عليه وإعتباره في قوة السند الواجب التنفيذ) وعند تطبيق هذا النص على حكم التحكيم الذي اشار اليه الحكم محل تعليقنا نجد ان حكم التحكيم قد اعمل هذا النص إعمالاً صحيحاً حيث تضمن البنود التي تصالح عليها الخصوم وقام المحكم بالتوقيع في ذيل الحكم وكذلك قام الخصوم المتصالحون بالتوقيع ووضع بصماتهم في ذيل الحكم، فلم يصرح النص السابق بوجوب تضمين الحكم في هذه الحالة الدعوى والإجابة وسير إجراءات التحكيم فأقصى ما اشترط النص ان يتم إلحاق الصلح بمحضر المحكمة أو المحكم، اما بالنسبة للتصالح أمام القضاء فعندئذ يقوم القاضي بتضمين الصلح في الحكم بصيغته وبياناته المقررة قانوناً ويتم الإشارة إلى تاريخ الجلسة التي تم تقديم الصلح فيها ويتم إثبات الصلح نصاً في مدونة الحكم ثم يقضي القاضي في منطوق الحكم بثبوت وصحة الصلح وإعتباره سنداً تنفيذياً.

الوجه الثالث: هل تكون إتفاقيات الصلح المصادق عليها من قبل المحكم في حكم التحكيم سندات تنفيذية؟

حددت المادة (328) مرافعات السندات التنفيذية حيث نصت هذه المادة على أنه (تتحدد السندات التنفيذية فيما يأتي: -3- أحكام المحكمين القابلة للتنفيذ -4- اتفاقات الصلح المصدق عليها من المحاكم) ومن خلال ذلك يظهر ان النص قد قصر السندات التنفيذية على اتفاقيات الصلح أمام المحاكم ،ومن المؤكد ان المحكم او هيئة التحكيم ليست محكمة أو قضاء، بل ان المحكم تفسه لا يملك ان يباشر الإجراءات التمهيدية او مقدمات التنفيذ أو تنفيذ الحكم الذي يصدره، لان ذلك من إختصاص قاضي التنفيذ وهو محكمة الاستئناف بالنسبة لحكم التحكيم، وهناك تعليق لطيف لأستاذ ذنا المرحوم العلامة الأستاذ الدكتور أحمد ابو الوفاء حيث قال (ولا تكون أحكام المحكمين واجبة التنفيذ إلا بأمر يصدره القضاء بتنفيذها، وذلك حتى يراقب القضاء أحكام التحكيم ويتأكد من خلوها من العيوب الجوهرية التي قد تشوبها ويتحقق من إنتفاء ما يمنع تنفيذ تلك الأحكام، لان المحكمين ليسوا قضاة وليست لهم في الأصل ولاية الحكم فيما يفصلون من نزاعات، فلا يتصور ان يترك القانون ولاية التحكيم من غير رقابة وإشراف القضاء، ولا يتصور ان يجيز القانون تنفيذ أحكام التحكيم من غير رقابة وإشراف القضاء، ولذلك لا يكون حكم المحكمين واجب التنفيذ إلا بأمر يصدره قاضي التنفيذ بالمحكمة التي أودع أصل حكم التحكيم قلم كتابها). (إجراءات التنفيذ، استاذنا المرحوم الأستاذ الدكتور أحمد أبو الوفاء، صـ120) والله اعلم.

تعليقات

عدد الزوار