تأثير الدعوى الجزائية على حقوق العامل

تأثير الدعوى الجزائية على حقوق العامل

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

في حالات كثيرة يكون سبب فصل العامل والإمتناع عن دفع حقوقه هو إتهام العامل بإرتكاب جرائم متصلة بعمله ابرزها خيانة الأمانة والتزوير والاختلاس، حيث يبادر صاحب العمل بتقديم الشكوى إلى النيابة العامة مطالبا  لها بتحريك الدعوى الجزائية ضد العامل المتهم, وفي مواجهة الإجراءات الجزائية التي قام بها صاحب العمل يقوم العامل برفع دعواه العمالية أمام القضاء العمالي مطالباً بحقوقه لدى صاحب العمل ومنها حقه في نصف راتبه اثناء التحقيق معه قبل الفصل في الدعوى الجزائية، وقد تناول هذه المسألة الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 10/4/2017م في الطعن رقم (59053)، وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم ان صاحب العمل تقدم أمام النيابة العامة بشكوى ضد العامل مفادها: أن العامل كان يتحصل بعض المبالغ من العملاء ولا يسلمها لصاحب العمل حيث كان العامل يضمها إلى ملكه  ويتصرف بها تصرف المالك،وفي الوقت ذاته ولهذا  السبب قام صاحب العمل بفصل العامل وامتنع كذلك عن دفع حقوق العامل،فقام العامل باللجوء إلى القضاء العمالي حيث قام برفع دعوى عمالية مطالباً فيها الزام صاحب العمل بدفع حقوقه السابقة لدى صاحب العمل مثل حقوق نهاية الخدمة ومقابل الفصل التعسفي وبدل الاجازات...الخ، وقد اجاب صاحب العمل على الدعوى العمالية بأن هناك دعوى جزائية (قرار اتهام) تم تقديم العامل بموجبها للمحاكمة الجزائية بتهمة خيانة الأمانة ولذلك فان فصل العامل ليس تعسفياً، وقد توصلت اللجنة التحكيمية العمالية إلى إصدار قرارها الذي قضى بالزام صاحب العمل بدفع نصف راتب العامل طوال فترة التحقيق والمحاكمة الجزائية حتى يتم الفصل في القضية الجزائية بحكم بات كما قضى الحكم  بوقف نظر الدعوى العمالية حتى يتم الفصل في الدعوى الجزائية، وقد أيدت هذا القرار محكمة الاستئناف، وبعد ذلك أقرت الدائرة المدنية الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا (فقد وجدت الدائرة ان ما نعي الطاعنة (صاحب العمل) في أسباب طعنها غير مؤثر في سلامة الحكم المطعون فيه، لان البين من الأوراق ان قرار اللجنة التحكيمية قد اقتصر على توقف اللجنة عن نظر موضوع الدعوى العمالية المقدمة من العامل المطعون ضده بشأن مطالبته بحقوقه لدى الطاعنة حتى يتم الفصل في الجانب الجنائي المتعلق بقرار الإتهام الصادر عن النيابة ضد العامل المتهم بجريمة خيانة الامانة، لان الفصل في طلبات الدعوى العمالية متوقف على نتيجة الفصل في القضية الجنائية عملاً بنص المادة (44) إجراءات، ولما كانت المادة (59) عمل قد نصت على إستحقاق العامل لأجره الكامل خلال فترة توقيفه بسبب قضية تتعلق بالعمل على ان لايقل ما يدفع للعامل في فترة التوقيف عن 50% من أجره الاساسي، كما ان قانون العمل قد ضمن حق صاحب العمل في إسترجاع ما تم صرفه خلال فترة التوقيف في حال إدانة العامل بحكم بات، لذلك فان قرار اللجنة التحكيمية العمالية المؤيد بالحكم الاستئنافي المطعون فيه يوافق القانون) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الأتية:

الوجه الأول: إشكالية إطالة إجراءات التحقيق والفصل في الدعوى الجزائية:

من المؤكد ان إجراءات التحقيق والتصرف فيه ثم إجراءات المحاكمة  في مراحلها المختلفة تستغرق سنوات طويلة حتى يصدر حكم بات في الدعوى الجزائية المرفوعة ضد العامل، حيث يترتب على ذلك إشكاليات عدة منها إستمرار صاحب العمل في دفع نصف راتب العامل لفترة طويلة جدا  وكذا تعليق صرف حقوق العامل لفترة طويلة جدا إضافة إلى عدم منح العامل وثيقة قطع صلته من صاحب العمل حتى يتمكن العامل من العمل لدى أية جهة أخرى، وتأكيداً لما ذكرناه فقد قضى الحكم محل تعليقنا بوجوب إستمرار صاحب العمل بصرف نصف راتب العامل حتى يتم الفصل في الدعوى الجزائية وكذا توقيف الفصل في الدعوى العمالية المتضمنة حقوق العامل حتى يتم الفصل في الدعوى الجزائية.

الوجه الثاني: قيام صاحب العمل بفصل العامل الذي يثبت إرتكابه لجريمة ماسة بحقوق ومصالح رب العمل:

من المقرر في قانون الإجراءات الجزائية احقية صاحب العمل في تقديم الشكوى بالعامل عند قيامه بإرتكاب جريمة معاقب عليها في القانون كخيانة الأمانة أو التزوير أو الاختلاس، ومن جانب آخر فانه يحق لصاحب العمل بموجب قانون العمل يحق له فصل العامل اذا ثبت إرتكاب العامل  لأي من الجرائم المشار اليها شريطة ان يسبق الفصل تحقيق اداري يجريه صاحب العمل مع العامل يثبت من خلاله إرتكاب العامل لأي من تلك الجرائم باعتبار ان إرتكاب العامل لتلك الجرائم  يعد إخلالاً من العامل بواجباته تجاه الجهة التي يعمل بها حسبما نصت عليه المواد (93 و 96 و 97) من قانون العمل، كما يشترط لتوقيع صاحب العمل لعقوبة فصل العامل ان لا يتم توقيع هذه العقوبة قبل  إنقضاء خمسة عشر يوماً على إكتشاف الجريمة او المخالفة المنسوبة للعامل بالاضافة حسبما نصت عليه المادة (94) عمل.

الوجه الثالث: وقف الدعوى العمالية حتى يتم الفصل في الدعوى الجزائية:

قضى الحكم محل تعليقنا بوجوب وقف الدعوى العمالية المتضمنة مطالبة العامل بحقوقه لدى صاحب العمل حتى يتم الفصل في الدعوى الجزائية لان الحقوق التي يطالب بها العامل متوقفة على الحكم او نتيجة الفصل في الدعوى الجزائية فلا يستطيع القاضي العمالي ان يحكم بالتعويض عن الفصل التعسفي إلا اذا صدر الحكم الجزائي ببراءة الموظف اما اذا كان الحكم الجزائي سيقضي بإدانة العامل فعندئذ لا يستحق العامل التعويض المشار اليه.

الوجه الرابع: أحقية صاحب العمل في إسترجاع نصف الراتب الذي دفعه للعامل المتهم بجريمة جنائية:

في حالة عدم ثبوت التهمة المنسوبة للعامل والمنظورة لدى هيئة الضبط اوالنيابة او المحكمة الجزائية ولم يقم صاحب العمل بفصل العامل خلال الخمسة عشر يوماً على إكتشاف الجريمة او المخالفة فان صاحب العمل يستمر بدفع 50% من اجر العامل خلال فترة توقيفه عن العمل بسبب التهمة المنسوبة له، ففي هذه الحالة اذا صدر الحكم الجزائي بإدانة العامل المتهم فانه يحق لصاحب العمل إسترجاع المبالغ التي دفعها للعامل اثناء فترة توقيفه عن العمل بسبب الجريمة المنسوبة له، فوفقا للمادة  59 عمل فانه يحق لصاحب العمل ان يخصم تلك المبالغ التي دفعها من حقوق العامل او يقتضيها من العامل، لان المبالغ التي دفعها صاحب العمل للعامل اثناء فترة توقيف العامل لم يكن يقابلها عملاً قام به العامل الذي كان موقوفاً في حين انه من المقرر في القانون ان الاجر يكون مقابل العمل، وقد بينت أحكام إسترجاع صاحب العمل للمبالغ المشار اليها المادة (59) من قانون العمل التي نصت على أنه (يستحق العامل اجره الكامل خلال فترة توقيفه بسبب قضية تتعلق بالعمل شريطة ان لا يقل ما يدفع له في فترة التوقيف عن 50% من اجره الاساسي ويكون صرف الجزء المتبقي من الاجر الكامل حال التأكد من براءته، ولصاحب العمل إسترجاع ما تم صرفه خلال فترة التوقيف في حال إدانة العامل بحكم بات),والله اعلم.

تعليقات

عدد الزوار