جريمة الإضرار بالمال - في القانون اليمني
جريمة الإضرار بالمال
أ.د/ عبدالمؤمن
شجاع الدين
الأستاذ بكلية
الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
من الجرائم الغامضة في القانون والواقع جريمة الإضرار بالمال المنصوص
عليها في المادة (321) عقوبات، حيث يدور بشأنها سجالاً لم يحسم بعد ،فقد تناولت هذا السجال أحكام عدة منها
الحكم الصادر عن الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ
1/10/2012م في الطعن رقم (45340)،وتتلخص وقائع القضية
التي تناولها هذا الحكم ان النيابة العامة اتهمت احد
المواطنين بالاعتداء على أرض المجني عليه وذلك بان قام بحفر فيها وبناء اساس للمبنى مما أدى إلى الإضرار بالأرض،الأمر المعاقب عليه بمقتضى المادة (321) عقوبات، وقد توصلت المحكمة
الابتدائية إلى الحكم بإدانة المتهم وحبسه ستة أشهر مع وقف التنفيذ وإلزامه بإعادة الوضع إلى ما كان عليه وتسليم الاتعاب والمخاسير،للمجني عليه، وقد عللت المحكمة الابتدائية حكمها بانه،من الثابت وفقاً لأقوال الشهود ان المتهم قد اعتدى على أرض المجني عليه
كما ثبتت ملكية المجني عليه للأرض المعتدى عليها
بموجب البصيرة التي ابرزها المجني عليه،وقد وقع هذا
الاعتداء بقيام المتهم بالحفر وبناء أساسات لمبنى فيها، فقد تحققت في فعل المتهم اركان جريمة
الإعتداء المعاقب عليها وفقاً لنص المادة (321) عقوبات)، وقد أيدت الشعبة الجزائية
الحكم الابتدائي، وعندما قام المتهم بالطعن بالنقض
في الحكم الاستئنافي ذكر
المتهم الطاعن في عريضته((ان تطبيق المادة
(321) عقوبات لا ينطبق على الواقعة المنسوبة، لان الفعل لا يكون جنائياً بمقتضى هذه المادة إلا في حالة الإضرار
بالمال المدعى به وجعله معطل المنفعة وغير صالح للإستخدام، وان ما ذكرته النيابة من فعل في قرار الإتهام لا يرقى إلى الأفعال
الجنائية التي اشترطتها المادة المذكورة من فعل تخريب يجعل المال غير صالح
للإستخدام)) ومع ذلك فقد توصلت الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا إلى رفض الطعن
وإقرار الحكم الاستئنافي، وقد جاء ضمن أسباب
حكم المحكمة العليا ((اما نعي الطاعن بان النزاع مدني بحت ولا يوجد أي جانب جنائي
من إعتداء أو تكسير أو إتلاف وان الطاعن لديه بصيرة من
نفس البائع للمطعون ضده، وحيث ان ما نعاه
الطاعن غير سديد لان الحكم الابتدائي المؤيد بالحكم الاستئنافي قد ناقش ذلك في
أسبابه حيث ذكر ان الفعل الصادر من الطاعن إعتداء على أرض المجني عليه تمثل في بناء الأساس عليها حيث تحققت بذلك اركان جريمة الاعتداء المعاقب عليها وفقاً لنص المادة (321) عقوبات،ولما ورد في أسباب الحكم الاستئنافي بان بصيرة الطاعن التي احتج لا تنطبق على الأرض محل النزاع، وحيث إن الإعتداء على ملك الغير والإضرار به
الذي اشارت اليه المادة (321) لايقتصر على الهدم او
التخريب أو الإتلاف...الخ على نحو ما ورد في تلك المادة بل ان المقصود بالإضرار
يشمل كل ضرر بأية كيفية)) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه
الأتية:
الوجه الأول: تعدد العناوين في القانون وآثره في وصف
جريمة الإضرار بالمال وتوصيتنا للجهة المختصة:
ورد التجريم والعقاب بالنسبة لجريمة الإضرار بالمال ضمن الفصل الرابع من
الباب الثاني عشر من قانون الجرائم والعقوبات، فقد كان عنوان الفصل الرابع (الإعتداء على حرمة ملك الغير) في حين كان عنوان المادة (321) (الإضرار بالمال) وهذه العناوين كانت سبباً في
وجود الخلاف بشأن تكييف جريمة الإضرار بالمال،فهناك من يتمسك بعنوان الفصل وهو (الإعتداء على
حرمة ملك الغير) حيث يتضمن هذا الفصل ثلاث جرائم هي(1-الإضرار بالمال – 2-الإخلال بالثقة في
بيع العقارات والتصرف الضار بالمرتهن- 3-نقل وإزالة الحدود)
وبناءً على ذلك فقد ظهر إتجاه في الفقه والقضاء يذهب الى ان هذه الجرائم الثلاث
تعتبر من جرائم الإعتداء على ملك الغير ينطبق عليها وصف
الاعتداء على ملك الغير بل ان هذا الوصف ينطبق تماما على جريمة الاضرار بالمال
المنصوص عليها في المادة (321) لأن
الجريمتين الاخرتين لاينطبق عليهما وصف الاعتداء على ملك الغير، وقد ذهب الحكم محل
تعليقنا إلى هذا الإتجاه، وهناك إتجاه اخر يتمسك بعنوان المادة (321) وهو (الإضرار
بالمال) وبناءً على ذلك فان هذه الجريمة لا تقع إلا إذا تحققت النتيجة الجرمية وهي
إتلاف المال او هدمه أو تعطيل منفعته،وبناء على هذا الرأي فان الاستيلاء على الأرض او نزع حيازتها أو البناء
فيها أو حفر الأساس فيها لايكون إتلافا أو هدما للارض أو تعطيلا لمنفعتها،وقد أشار
إلى هذا الاتجاه الطعن بالنقض المقدم من المتهم،ومن خلال ماتم عرضه في هذا الوجه
يظهر جليا خطورة عدم العناية عند صياغة العناوين في القوانين والعقود والتصرفات،
لأن تسمية العنوان حاكمة أي تحكم مايرد تحت العنوان وتضبطه، حيث ينبغي عند تفسير
النص فهم المحتوى في ضوء اسمه او عنوانه لاسيما إذا ماورد العنوان في قانون أو عقد، لأن العنوان من أهم الجوانب الموضوعية التي يتم الاعتماد
عليها في تفسير النص القانوني أو بنود العقد(اصول صياغة العقود،ا.د.عبد المؤمن
شجاع الدين،ص6) ولذلك فاننا نوصي مخلصين
بإعادة النظر في العناوين المشار اليها في الفصل الرابع من الباب الثاني عشر من
قانون العقوبات المشار اليها فيما سبق،كما أننا نوصي بصفة عامة بالعناية التامة
عند صياغتة عناوين النصوص القانونية في القوانين كافة.
الوجه الثاني: التجريم والعقاب للإضرار بالمال:
ورد التجريم والعقاب بالنسبة لجريمة الإضرار بالمال في المادة (321) عقوبات التي تحمل عنوان (الإضرار بالمال) حيث نصت هذه
المادة على انه (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة او بالغرامة من هدم أو خرب أو
اعدم أو اتلف عقاراً أو منقولاً أو نباتاً غير مملوك له أو جعله غير صالح
للإستعمال أو اضر به أو عطله بأية كيفية، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تتجاوز خمس سنوات
إذا أقترفت الجريمة بالقوة أو التهديد أو ارتكبها عدد من الأشخاص أو وقعت في وقت
هياج أو فتنة أو كارثة أو نشاء عنها تعطيل مرفق عام أو اعمال مصلحة ذات منفعة عامة
أو ترتب عليها جعل حياة الناس أو امنهم أو صحتهم عرضة للخطر وإذا ترتب على الجريمة
موت شخص تكون العقوبة الإعدام حداً ولا يخل ذلك بحق ولي الدم في الدية أو الأرش
بحسب الأحوال) واستناداً إلى هذا النص فان هناك إتجاه اشار إليه الطاعن في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا فهذا
الاتجاه يذهب إلى ان الركن المادي لجريمة الإضرار بالمال يتحقق عن طريق الهدم للمال
او العقار أو تخريبه او إعدامه وإنهائه او
إتلافه، اما في حالة حيازته او الحفر فيه او
البناء عليه فلا ينطبق هذا النص على الحيازة او البناء في العقار، ويذهب إلى هذا الاتجاه بعض القضاة واعضاء النيابة والباحثين حسبما يظهر
من مطالعة كثير من الاحكام والبحوث، في حين يذهب إتجاه آخر وهو الإتجاه الذي قضى به الحكم محل تعليقنا إلى ان الاستيلاء
على العقار ونزع حيازته من مالكه اوالحفر فيه اوالبناء عليه بمثابة إعدام للعقار بالنسبة
لمالكه حيث ان إستيلاء الغير على العقار إخراج وإنهاء لملكية مالك العقار حسبما قضى به الحكم محل
تعليقنا.
الوجه الثالث: ملكية الغير في المادة (321) عقوبات والهدف من التجريم
والعقاب:
من أسباب الخلاف بشأن تطبيق المادة (321) عقوبات على العقار هو ان هذه المادة قد صرحت بأنها تستهدف حماية ملكية الغير مطلقاً سواء في العقارات او المنقولات، فمن خلال استقراء المادة (321) عقوبات نجد انها قد صرحت بان الهدف منها هو حماية ملكية الغير بكافة اشكالها وصورها، فتلك المادة قد نصت على (ملكية الغير )وجعلتها شرطا من شروط تحقق الركن المادي الذي لايتحقق الا إذا وقع الاعتداء على ملك الغير، كما ان الهدف من تجريم الإضرار بمال الغير ظاهر في نص المادة (321)، ويستند إلى هذه الحجج الإتجاه الذي يذهب إلى ان جريمة الإضرار بالمال يندرج ضمنها الإعتداء على العقارات بالبناء عليها او الحفر فيها او الاستيلاء عليها ونزع حيازتها من مالكها ومنعه من الإنتفاع بها، وقد افصح الحكم محل تعليقنا عن اعتناقه لهذا الاتجاه،والله اعلم.
تعليقات
إرسال تعليق