إشكالية بيع الأرض قبل قبضها - في القانون اليمني

*إشكالية بيع الأرض قبل قبضها*

*أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين*
*الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء*

➖➖➖➖➖

*▪️من الإشكاليات العملية التي تثير النزاعات بين الأفراد قيام بعض الأشخاص ببيع الأرض قبل قبضه لها، وقد كان جانب من الفقه الإسلامي السباق في تحريم بيع الأرض قبل قبضها، لما يترتب على هذا البيع من غرر وجهالة تفضي إلى النزاع والخصام بين الأفراد ، ومن خلال المطالعة المستمرة لأحكام المحكمة العليا في اليمن نجد أنها قد تصدت لهذه الظاهرة المخالفة للشريعة في أحكام كثيرة منها الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 26-4-2012م في الطعن رقم (45297)، الذي ورد ضمن أسبابه: ((ولما كان المعلوم عدم صحة تصرف المشتري في المبيع قبل القبض، ولما كان الثابت عدم تسليم البائع حالياً الأرض المدعى بها للمشتري التسليم المعتبر وفقاً للمادة (532) مدني، لذلك فإن ما قضت به محكمة أول درجة وايدته محكمة ثاني درجة مصدرة الحكم المطعون فيه كان في محله، مما يتعين رفض الطعن موضوعاً))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية:*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الأول: بيع العقار قبل قبضه في الفقه الإسلامي:*

➖➖➖➖➖

*▪️من المسائل التي اهتم بها الفقه الإسلامي مسألة بيع العقار قبل تملكه وبيع العقار قبل قبضه، حيث يذهب الفقهاء جميعهم تقريبا إلى عدم جواز بيع العقار قبل تملكه، لأن من شروط البيع ان يكون البائع مالكاً للمبيع وقت البيع ، فالبائع للعقار قبل تملكه يكون فضولياً، لأن العقار المبيع ليس ملكه وليس وكيلاً عن المالك ، اما إذا كان العقار قد دخل في ملكية الشخص سواء عن طريق الإرث أو الهبة أو الشراء إلا أن المشتري لم يقبض أو يستلم العقار، فإن الفقهاء اختلفوا في هذه المسألة حيث ذهب بعضهم إلى تحريم بيع العقار قبل قبضه وحيازته عملاً بنهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن بيع ما ليس عند البائع أي في يده أو قبضته والنهي عن بيع مالم يقبضه البائع، في حين ذهب فريق من الفقهاء منهم الإمام مالك رضي الله عنه إلى ان النهي قاصر على بيع الطعام قبل قبضه، اما العقار فلا بأس من ذلك (فقه المعاملات المالية المعاصرة، أ.د.عبدالمؤمن شجاع الدين، ص147).*

➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الثاني: بيع الأرض قبل قبضها في القانون اليمني:*
➖➖➖➖➖

*▪️سلك القانون المدني اليمني مسلك الفقه الإسلامي في حكم بيع العقار قبل قبضه، وإن كانت نصوص القانون مجملة ومجردة وعامة إلا أن المرجع في تطبيقها وتفسيرها هو كتب الفقه الإسلامي حسبما ورد في المادة (18) مدني، وفي هذا الشأن فقد أوضح القانون المدني أحكام البيع بصفة عامة في المواد (من 451 وما بعدها) حيث اشترط صدور الإيجاب والقبول المتوافقين وان يكون المبيع موجوداً عند البيع وان يكون البائع مالكاً للمبيع عند العقد.، وبينت المادة (487) مدني الحالات التي لا يصح فيها تصرف المشتري في المبيع قبل قبضه، فقد نصت المادة (487) مدني على أنه: (لا يصح تصرف المشتري في المبيع قبل القبض في الاحوال الاتية:*
*1- طعام المعاوضة الا اذا كان قد اشتراه جزافا فيجوز له بيعه قبل القبض.*
*2- المبيع بكيل او وزن او عد او ذرع.*
*3- المبيع بوصف او رؤية متقدمة على العقد.*
*4- ما قبضه شرط لصحة عقده كصرف وسلم ونحوهما)، والحالة المقصودة في هذا النص هي: الحالة رقم (2- المبيع بكيل أو وزن أو ذرع)، حيث يفهم بعض الشراح من هذه الحالة ان المقصود (بالذرع) في هذا النص هو القماش لأنه يباع بالذراع، في حين يذهب الرأي الغالب إلى ان المقصود هو العقار أو الأرض لأنها تباع بالذراع الذي تتكون منه مسميات مساحة الأرض (كالقصبة/ واللبنة/ الفوت وغيرها )، والمختار ان الأرض تندرج ضمن الحالة (2) من حالات عدم صحة تصرف المشتري فيما لم يقبضه، لأن العلة من عدم صحة التصرف في المبيع بالذراع هو أن إختلاف مساحة المبيع قد تعتريها الجهالة والغرر المفضية للنزاع.*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الثالث: قبض البائع للأرض:*
➖➖➖➖➖

*▪️الأرض والعقار يتعذر قبضهما حقيقة، لأنها غير منقولات، فلا يقبض العقار حقيقة فالممكن حقيقة قبض المنقول، ولذلك فإن قبض البائع للأرض يكون عن طريق: تسجيلها لدى السجل العقاري باسم المشتري لها ونقل ملكيتها من البائع إلى المشتري، كما يتم قبض المشتري للأرض عن طريق التخلية بمعنى أن البائع للأرض يصرح للمشتري بأن الأرض المبيعة قد صارت ملكا له، كأن يقول البائع للمشتري: (دوّنك الأرض – أو الأرض حقك) فيقوم المشتري بحيازتها أو بناء السور عليها أو الحفر على جهاتها الأربع أو وضع العلامات والحدود الفاصلة بينها وبين الأراضي المجاورة لها.*

➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الرابع: بيع الحق في الحصول على الأرض (أراضي الجمعيات السكنية):*
➖➖➖➖➖

*▪️غالب الجمعيات السكنية يشترك فيها عدد من الأشخاص يتم الإتفاق بينهم على الشراء الجماعي لمساحة إجمالية من الأرض، وبعد شراء الأرض يتم تقسيمها بين المشتركين إلى مساحات بعدد المشتركين تتفاوت مساحاتها (5 لبن/ 10 لبن/ 20 لبنة وهكذا)، ويتم التوزيع في الغالب قبل قبض الأرض، وبعد ذلك يقوم بعض المشتركين في الجمعية ببيع حصصهم في الأرض قبل قبضهم لها، وهذا البيع صحيح إذا كان قاصر على بيع الحق في الحصول على المساحة المحددة في الإشتراك، حيث يحل المشتري محل البائع في المتابعة للحصول على الأرض، فالبيع هنا ينصرف إلى الحق في الحصول على الأرض، وليس على الأرض ذاتها، والله اعلم.*