إشكالية بيع الأرض من واقع فصل الوارث - في القانون اليمني

*إشكالية بيع الأرض من واقع فصل الوارث*

*أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين*
*الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء*

➖➖➖➖➖

*▪️فصول الورثة في القسمة الرضائية حجيتها قاصرة على الورثة فقط، لكن الأمر يختلف بالنسبة للفصول المسجلة في السجل العقاري أو تلك المحررة بموجب القسمة القضائية التي تتم بنظر القضاء، ففصول القسمة الرضائية غير المسجلة التي ليس لها اصل يدل على أنها كانت مملوكة للمورث حين موته تثير إشكاليات عدة أشار إليها الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 11-12-2014م في الطعن رقم (55932)، الذي ورد ضمن أسبابه: ((فقد تبين أن نعي الطاعنة مردود بما ورد في أسباب الحكم المطعون فيه: فطلب المستأنفة من الشعبة معاينة المدعى به وتطبيق المستندات على الطبيعة مردود، لأن المستأنفة عجزت عن تأصيل مبيعها وعن البرهان على انها اشترت من مالك ثابت، وقد أقر محاميها بأنه لا يوجد أصل مستقل للبائع الذي باع للطاعنة فقد باع للطاعنة بموجب الفرز المؤرخ.... الخاص بمؤرثته....، ومن ثم فلا جدوى في المعاينة لجهالة نصيب البائع للمستأنفة، وعدم وجود أصل مستقل لما ورد بنصيبه))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية:*

➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الأول: ماهية الفصول (الفروز):*
➖➖➖➖➖

*▪️اشار الحكم محل تعليقنا إلى بيع الوارث من (فرزه)، فالفرز هو: وثيقة تتضمن ما صار للوارث من تركة مؤرثه، وتطلق تسمية (الفرز) في بعض المحافظات كمحافظة تعز، ويسمى (الفرز) لأن وثائق الفروز تفرز نصيب كل وارث من تركة المورث كل وارث على حدة في وثيقة مستقلة تسمى الفرز، في حين تطلق تسمية (الفصول) في محافظات أخرى كإب وصنعاء وذمار وتعنى هذه التسمية فصل نصيب كل وارث من تركة مؤرثه في وثيقة مستقلة، والفصل أو الفرز في الغالب يتضمن بيانات إجمالية عن الأموال التي صارت للوارث صاحب الفصل، فالفصول لا تتضمن بعض البيانات كاسم البائع الأصلي إلى المورث، ولذلك لاحظنا ان الحكم محل تعليقنا اشار إلى ان الطاعنة عجزت عن إثبات أصل المبيع وهي الأرض المذكورة في فصل البائع لها أي بيان وثيقة ملكية المورث للمبيع الوارد في فصل الوارث ، ويتم نقل وكتابة وثائق الفصول من واقع وثيقة عقد القسمة الجامع الذي يطلق عليه في اليمن (الأميّة أي الوثيقة الأم) ويسمى التركيز وغيرها من المسميات ويتم التوقيع على الوثيقة الجامعة أو الوثيقة الأم من قبل جميع الورثة الذين يصرحون فيها بأنهم قد قبلوا ان تكون القسمة على أساس ما ورد في الوثيقة الجامعة أو الوثيقة الأم ، فبعد التوقيع على الوثيقة الأم يتم فرز نصيب كل وارث في وثيقة مستقلة به حتى يتمكن من التصرف في نصيبه الشرعي بالبيع والهبة والرهن اوالوقف أو غير ذلك من التصرفات.*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الثاني: حجية الفصول:*
➖➖➖➖➖

*▪️من خلال ما سبق عرضه في الوجه الأول يظهر أن الفصول عبارة عن: حصيلة أو ناتج اتفاق الورثة على تقسيم تركة مؤرثهم، وعلى هذا الأساس فإن حجية الفصول قاصرة على الورثة الذين اتفقوا على تقسيم التركة بحسب الفصول المسلمة لكل وارث ، ومن هذا المنطلق فإن من أسباب رفض الحكم محل تعليقنا إحتجاج الطاعنة بما ورد في فصل البائع لها ان ذلك الفصل ليس حجة في مواجهة خصم الطاعنة الذي لم يكن من ضمن الورثة المتقاسمين، غير أن فصول القسمة القضائية (الجبرية) تكون لها حجيتها المستمدة من حجية الحكم بالقسمة، كذلك تكون للفصول المسجلة في السجل العقاري حجيتها وفقاً للمادة (5) من قانون السجل العقاري بإعتبارها محررات رسمية لها حجيتها في مواجهة الكافة، إضافة إلى أن عملية التسجيل العقاري للفصول تستدعي من المختصين في السجل العقاري دراسة المستندات السابقة على تحرير الفصول واستيفاء النقص والقصور فلا يتم تسجيل الفصول إلا بعد إن يتم يتحقق المختصون في السجل العقاري من صحة وسلامة البيانات الواردة في الفصول قبل تسجيلها، وكذلك الحال بالنسبة للفصول التي يتم توثيقها في قلم التوثيق، فقانون التوثيق ينص على ان المحررات الموثقة تكون محررات رسمية لها حجيتها المقررة في قانون الإثبات.*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الثالث: إشكاليات البيع من الفصول:*
➖➖➖➖➖

*▪️عندما لا يكون الفصل مسجلاً في السجل العقاري أو موثقا وعندما لا يكون الفصل صادر بموجب حكم قضائي (قسمة جبرية) عندما لا يكون الفصل كذلك تظهر إشكاليات عدة عند التصرف بالأموال الثابتة في الفصل غير المسجل وغير الصادر بموجب حكم، ومن هذه الإشكاليات ما يأتي:*
*الإشكالية الأولى: إشكالية عدم وجود الأصل المثبت ملكية المؤرث للاموال التي تضمنها فصل الوارث:*
*فقد كانت هذه الإشكالية سببا من أسباب رفض الحكم محل تعليقنا لإستدلال الطاعنة بفصل البائع إليه، لأن فصل البائع لها يثبت فقط إنما ورد في الفصل هو النصيب الشرعي للوارث صاحب الفصل غير أنه ليس هناك ما يثبت ان المبيع المذكور في الفصل ملك صحيح للمورث بموجب وثائق شرعية صحيحة وان ذلك المبيع قد انتقل إلى فصل المورث على أنه كان في ملك المورث بموجب أصول وثائق الملكية ، ولذلك نجد أن الحكم محل تعليقنا قد قضى بأن المبيع المذكور في فصل البائع إلى الطاعن ليس له أصل يثبت ملكية المورث، لأنه عند قسمة بعض التركات لا يتأكد القسام من ملكية المورث لأموال التركة المراد قسمتها، فتتم القسمة وتحرير الفصول من غير التأكد من ملكية المؤرث للاموال، حيث تتم في حالات كثيرة قسمة أموال الوقف وأموال الدولة وأموال الغير المؤجرة للمؤرث على أساس أنها من تركة المورث بسبب عدم تحقق القسام من ملكية المورث لاموال التركة ، فليس كل ما تحت يد المؤرث من أموال ملك له فقد تكون أموالاً مرهونة أو مؤجرة من المؤرث، وقد عجزت الطاعنة في الحكم محل تعليقنا عن تقديم ما يثبت ملكية المؤرث للمبيع المذكور في فصل الوارث البائع لها، فلو تمكنت الطاعنة من ذلك لتغير وجه الحكم.*

*الإشكالية الثانية: قصور بيانات الأموال المذكورة في الفصول:*
*فالبيانات التي يرد ذكرها في الفصول عن الأموال التي صارت من نصيب صاحب الفصل تكون في الغالب بيانات إجمالية غير تفصيلية مثل (إليه 8 لبن في أرضية شارع الزبيري مشاع أو من جهة شرق) وقد تذكر حدودها، لكن لا يظهر في بيانات الفصل ما يدل على ملكية المؤرث لها، وفي سبيل معالجة هذه الإشكالية يقوم بعض القسامين بما يسمى (النزع من الفصل) حيث يقوم القسام نفسه بإستخراج بيانات المال المطلوب بيعه من الفصل وتحرير وثيقة بذلك باسم الوارث من واقع فصله وتضمين وثيقة النزع كافة البيانات والمعلومات عن المال المنزوع بما في ذلك إثبات أو تأصيل مصدر المال لمؤرث الوارث حسب تعبير الحكم محل تعليقنا الذي ذكر بأن الطاعنة عجزت عن تأصيل ملكية البائع له من واقع فصله حيث يتم استيفاء البيانات من وثائق ملكية المورث السابقة لتحرير الفصل.*

*الإشكالية الثالثة: عند بيع بعض الأموال التي تضمنها الفصل يحتفظ البائع باصل الفصل:*
*فحينما يقوم الوارث ببيع بعض الأموال الواردة في فصله فإن الوارث البائع يحتفظ باصل الفصل فلا يتم تسليمه إلى المشتري، حيث يتم الاكتفاء بما يسمى (التنكيت أو التعطيل)، حيث يتم تدوين ما يفيد إنتقال المال إلى المشتري بظهر الفصل، فيتضمن التنكيت أو التعطيل اسم المشتري وتاريخ الشراء ومساحة المبيع واوصافه وحدوده وقيمته بخط الأمين الذي حرر البصيرة أو وثيقة البيع، ويتم تسليم المشتري صورة من الفصل تتضمن (التعطيل) ومع ذلك تحدث إشكاليات عدة نتيجة جهالة البيانات الواردة في الفصل، ولذلك ينبغي أن تتضمن وثيقة البيع من الفصل المعلومات الكافية عن المبيع ولو من خارج الفصل اي من الأصول السابقة على الفصل اي وثائق ملكية المورث ، اما استيفاء بيانات المبيع من غير الأصول السابقة فإن لايجوز وقد المح الحكم محل تعليقنا إلى ذلك.*

*الإشكالية الرابعة: الفصول القديمة التي قد تم التصرف بالأموال المثبتة فيها:*
*نتيجة لورع وتقوى وتدين المتقدمين فقد كانوا في حالات كثيرة لا يقوموا بتعطيل المبيع من الفصول، فكانت أصول الفصول تظل لدى البائع وبالطبع لاتسلم صورة الفصل إلى البائع لعدم وجود التصوير الفوتوغرافي في العصور السابقة، فكانت أصول الفصول تبقى لدى البائع، لأن المبيع قد انصرف إلى بعض أموال الفصل وليس كلها ، وفي الوقت الحاضر نتيجة لقلة الدين والتقوى فإن بعض ضعاف النفوس يبرز الفصول القديمة غير المعطلة للإستدلال بها على ان جميع الأموال المذكورة في الفصل لازلت ملكا المورث، مع أنه قد تعقب تلك الفصول تصرف الورثة فيها، ولذلك فقد استقرت أحكام القضاء في اليمن على ان الفصول القديمة تكون وجائد إذا ثبت ان صاحب الفصل قد تصرف فيها إلى الغير وقام الغير بالثبوت عليها حقيقةً أو حكماً، والله اعلم.*