السلطة التقديرية بشأن مدة رؤية الطفل المحضون - في القانون اليمني

*السلطة التقديرية بشأن مدة رؤية الطفل المحضون*

*أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين*
*الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء*

➖➖➖➖➖

*▪️قضى الحكم محل تعليقنا بأن لمحكمة الموضوع السلطة التقديرية بشأن تقدير مدة رؤية الطفل المحضون وتحديد مكانها وكيفيتها وضوابطها بحسب ما تقتضيه مصلحة الطفل المحضون حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 15-2-2012م في الطعن رقم (48484)، وقد كان الحكم الابتدائي قد قضى (بإلزام الأم الحاضنة بتمكين والد الطفلة المحضونة وعمرها سنتان من أخذ الطفلة يومي الاثنين والخميس من الساعة الحادية عشرة ظهراً ويعيدها الساعة التاسعة مساء اليوم ذاته وكذلك في ثالث أيام عيد الفطر وعيد الاضحى)، وعند إستئناف الحكم قضت الشعبة الاستئنافية بتعديل الحكم إلى (إلزام والدة الطفلة المحضونة يتمكين والدها من أخذها مرة كل اسبوعين على ان يكون ذلك من الساعة العاشرة من صباح يوم الخميس مع مبيتها في بيت ابيها وإرجاعها يوم الجمعة الساعة السادسة مساءً وأيضاً تمكين الأب بأخذها يوم ثاني عيدي الفطر والأضحى بحسب التوقيت المشار إليه)، وعند الطعن بالنقض بالحكم الاستئنافي قضت الدائرة الشخصية برفض الطعن وإقرار الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: ((أما من حيث الموضوع فقد ناقشت الدائرة ما اورده الطاعن من أسباب الطعن بشأن تحديد مدة رؤية الأب لطفلته وعلى ضوء ما ورد في اجابة المطعون ضدها على الطعن نجد انما اورده الطاعن غير وارد على الحكم محل الطعن، إذ أن تقدير مدة رؤية الطفل المحضون هي من إختصاص قاضي الموضوع وفقاً لنص المادة (145) أحوال شخصية ولا رقابة على حكمه من المحكمة العليا إلا في حالة المخالفة)) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية:*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الأول: تنظيم رؤية الطفل المحضون في القانون اليمني:*
➖➖➖➖➖

*▪️لا تثار مسألة رؤية الطفل المحضون إلا عند إنفصال الزوجين لأي سبب من أسباب الفرقة بين الزوجين كالطلاق والفسخ والخلع، وقد نظم قانون الأحوال الشخصية رؤية المحضون في عبارة مقتضبة مجملة وردت في نهاية المادة (145) التي نصت على أنه: (على الحاضن القيام بما يصلح الطفل إلا النفقة وتوابعها فهي على من تلزمه طبقاً للمبين في باب النفقات، ويجوز للحاضن نقل الطفل إلى بلده مالم يكن فيه ضرر على الطفل مادياً اومعنوياً أو إخلاقياً وإذا كان الصغير عند أحد والديه كان للآخر حق رؤيته بالطريقة التي يتفقان عليها أو بما يراه القاضي)، ومن خلال إستقراء هذا النص نجد أن رؤية المحضون متداخلة مع حضانته، وذلك يقتضي أن لا يترتب على الرؤية الاخلال بالحضانة المقررة شرعاً وقانوناً لمصلحة الطفل، كما نلاحظ أن القانون ترك للأبوين المنفصلين الاتفاق على تنظيم مسألة رؤية الطفل من حيث اوقاتها ومكانها وإجراءاتها ونفقتها، وان القضاء لا يتدخل في هذه الحالة إلا عند عدم إتفاق الأبوين المنفصلين على تنظيم رؤية الطفل المحضون، إضافة إلى أن النص السابق لم يتناول أو يبين مدة رؤية المحضون ونفقة الرؤية كنقل المحضون وكيفية الرؤية واجراءاتها حيث، ترك النص هذه التفاصيل لإتفاق الأبوين المنفصلين أو السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع.*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الثاني: تقدير مدة رؤية المحضون:*

➖➖➖➖➖

*▪️كان مدار النقاش في الحكم محل تعليقنا بشأن مدة الرؤية وتقديرها وبدايتها ونهايتها ومكانها، حيث كان الحكم الابتدائي قد قدر مدة الرؤية بعشرين ساعة في الأسبوع موزعة على يومين في الأسبوع هما الاثنين والخميس تبدأ من الساعة الحادية عشرة ظهراً وتنتهي الساعة التاسعة مساء ولا تشمل مدة الرؤية مبيت الطفلة المحضونة في منزل ابيها، لأن عمرها سنتان فهي تحتاج للمبيت لدى أمها لرعايتها في الليل والمحافظة عليها، في حين قدرت محكمة الاستئناف مدة الرؤية من الساعة العاشرة من صباح يوم الخميس وحتى الساعة السادسة من مساء الجمعة في كل اسبوعين حيث راعت محكمة الاستئناف في تقديرها لمدة الرؤية مصلحة الطفلة المحضونة، لأن تفريق مدة الرؤية على يومين متفرقين في الأسبوع يرهق الطفلة، لأن والدها لم يكن يقيم في البلدة التي تقيم فيها الأم وإنما كان يقيم في البلدة المجاورة للبلدة التي تقيم فيها والدتها، إضافة إلى أن الطفلة كانت قد تجاوزت سن الرضاعة، ولذلك فإن مبيتها لدى والدها يجعلها تتعرف على والدها وتنال حظها من عطف ابيها وحنانه وهذا من ضمن مقاصد الرؤية علاوة على أن تفريق مدة الرؤية على يومين في الأسبوع كأن يعطل التحاق الطفلة في حضانة الأطفال المجاورة لمنزل والدتها الحاضنة، ولذلك فقد لاحظنا أن الحكم محل تعليقنا اقر الحكم الاستئنافي باعتبار تقديره لمدة رؤية الطفلة من السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع لعدم وجود نص يحدد هذه المدة.*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الثالث: ضوابط السلطة التقديرية في تحديد مدة رؤية المحضون ومكانها:*
➖➖➖➖➖

*▪️من خلال إستقراء نص المادة (145) أحوال شخصية السابق ذكرها فقد تأكد لنا انها لم تحدد مدة الرؤية أو مكانها أو إجراءاتها أو كيفيتها حيث تركت ذلك لاتفاق الوالدين المنفصلين أو القاضي عند إختلاف الوالدين في هذا الشأن، فإذا رفعت الدعوى أمام القاضي فأنه يتولى تقدير مدة الرؤية ومكانها وفقاً للسلطة التقديرية المقررة قانوناً لقاضي الموضوع، ولا ريب أن هذه السلطة التقديرية تخضع لضوابط ومحددات ينبغي على القاضي أن يراعيها عند تقدير مدة الرؤية، ويمكن تلخيص هذه الضوابط على النحو الآتي:*
*1- عمر الطفل المحضون: فالطفل الرضيع الذي لا يستغني عن أمه تكون مدة رؤيته قصيرة ساعة أو ساعتان في الأسبوع، لأنه لا يدرك ولا يميز الاشياء فضلاً عن أنه لا يستغني عن أمه الحاضنة ويحتاج إلى ملازمتها الدائمة له، ومن المقرر أن مكان رؤيته المحضون في هذه الحالة هو المنزل الذي تقيم فيه حاضنته ويكون وقت رؤيته نهاراً، أما إذا استغنى المحضون عن الحاضنة في بعض احتياجاته وتجاوز سن الرضاعة، ففي هذه الحالة ينبغي أن تشمل مدة الرؤية مبيت المحضون لدى والده، حيث يكون أقل مدة الرؤية في هذه الحالة يوم واحد في الأسبوع تتضمن المبيت.*

*2- تعليم المحضون: إذا كان الطفل المحضون قد التحق في برنامج تعليمي فأنه ينبغي على القاضي أن يراعي ذلك عند تحديد يوم الرؤية حيث يكون اثناء اجازة المحضون الدراسية، ولذا فأنه من الغالب ان يتم إختيار يوم الجمعة أو يوم الخميس لرؤية المحضون.*

*3- مكان إقامة الحاضنة: فإذا كانت الحاضنة تقيم في بلدة غير البلدة التي يقيم الوالد غير الحاضن فينبغي جمع ايام الرؤية في الشهر الواحد أو الشهرين أو أكثر للتخفيف على الطفل ووالده من مشقة السفر، ولذلك لاحظنا أن الحكم محل تعليقنا قد جمع أيام الرؤية لكل نصف شهر أو للأسبوعين مرة واحدة.*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الرابع: السلطة التقديرية في تقدير مدة الرؤية والاجتهاد القضائي:*
➖➖➖➖➖

*▪️السلطة التقديرية لقاضي الموضوع من أهم مظاهر الاجتهاد القضائي في العصر الحاضر، بعد أن صار عمل القاضي يقتصر على تطبيق النصوص القانونية على الوقائع المختلفة، إلا أن الاجتهاد القضائي يظهر في ابهى صوره عند إعمال قاضي الموضوع لسلطته التقديرية، ومع أن الحكم محل تعليقنا قد صرح بأن رقابة المحكمة العليا لا تمتد إلى السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع عند تقديرها لمدة الرؤية إلا أن محكمة الاستئناف تملك أن تجتهد اجتهاداً موضوعياً يخالف إجتهاد محكمة أول درجة، فلمحكمة الاستئناف أيضاً السلطة التقديرية في هذا الشأن لأنها محكمة الموضوع فتستطيع محكمة الاستئناف ان تجتهد اجتهاداً يخالف اجتهاد محكمة أول درجة مثلما حصل في الحكم محل تعليقنا، وحتى لا ينقض الاجتهاد القضائي في القضية الواحدة بإجتهاد قضائي اخر فإن المحكمة الابتدائية تتشكل في الغالب من قاضي فرد (1) في حين تتشكل الشعبة الاستئنافية من (3) قضاة وتتشكل الدائرة في المحكمة العليا من (5) قضاة، وعلى هذا الأساس يجوز للثلاثة القضاة ان ينقضوا إجتهاد القاضي الفرد، والله اعلم.*