اخذ المحكمة بمتوسط ما يتوصل إليه الخبراء العدول

*اخذ المحكمة بمتوسط ما يتوصل إليه الخبراء العدول*

*أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين*
*الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء*

➖➖➖➖➖

*▪️قضى الحكم محل تعليقنا بأن اخذ محكمة الموضوع بمتوسط السعر الذي توصل إليه الخبراء العدول موافق للقانون، بإعتبار المتوسط هو القدر المتفق عليه فيما بين العدول المختلفين في الزيادة والنقصان، فيكون السعر المتوسط هو القدر الذي أتفق عليه الخبراء العدول حسبما قضى به الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 27-8-2017م في الطعن رقم (59123)، الذي ورد ضمن أسبابه: ((أما قول الطاعن أن الشعبة التجارية استندت إلى دليل فاسد عندما ايدت الحكم الابتدائي الذي أخذ بما ورد في تقرير الخبير العدل.......، فالدائرة تجد أن البين ان الخبير المذكور لم ينفرد بذلك التقرير بل ان تقرير العدل المهندس..... قد أورد أن قيمة المتر المربع..... ريالاً، وقد اخذت المحكمة بالقدر المتوسط المجمع عليه من العدلين، فلا وجود لما يقدح في عدالته حسب الوصف الوارد في طعن الطاعن، فالمعلوم قانوناً ان تقدير الأخذ بالدليل من سلطة محكمة الموضوع ولا معقب عليها في ذلك طالما ان إستخلاصها ووزنها للدليل سائغ وسليم)) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية:*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الأول: ماهية المتوسط المشار إليه في الحكم محل تعليقنا:*
➖➖➖➖➖

*▪️المقصود بذلك هو المتوسط الحسابي الذي يقوم القاضي بإحتسابه عن طريق إضافة الأرقام المختلفة التي توصل إليها الخبراء الذين اختلفت تقديراتهم الحسابية حيث يقوم القاضي بجمع الأرقام التي اختلفت تقديرات الخبراء بشأنها  ثم يقسم ناتج الجمع على عدد الخبراء فيكون ناتج هذه القسمة هو المتوسط الذي يحكم به القاضي ، فعلى سبيل المثال فإن متوسط الأرقام التالية: 2 و3 و3 و5 و7 و10 ومجموعها (30) حيث تتم  قسمة رقم 30 على عدد (6) فيصير المتوسط هو رقم (5)، فإذا اختلفت أرقام المبالغ في تقارير الخبراء العدول، وكان الخبراء ثلاثة مثلا فتجمع الأرقام التي توصل إليها الخبراء  على رقم (3) وهو عدد الخبراء فيكون ناتج القسمة هو المتوسط،، وبتطبيق هذا المفهوم على القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا نجد أن محكمة الموضوع قد استبعدت تقرير احد الخبراء لعدم تكليفه ثم قامت المحكمة بجمع المبلغين اللذين توصل إليهما الخبيران العدلان على عدد الخبيرين وهو (2) حيث احتسبت المحكمة الناتج باعتباره متوسط ما توصل إليه الخبيران.*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الثاني: متوسط السعر والسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع:*
➖➖➖➖➖

*▪️اشار الحكم محل تعليقنا إلى أن قيام المحكمة بتقدير السعر على أساس متوسط ما توصلا إليه الخبيران العدلان من مظاهر السلطة التقديرية  لمحكمة الموضوع، لان المادة (173) إثبات لم تلزم محكمة الموضوع بما توصل إليه الخبير، حيث نصت المادة المشار إليها على أنه: (للمحكمة ان تأخذ بتقرير الخبراء أو الخبير الذي تطمئن إليه مع بيان الأسباب إذا خالف التقرير الذي أخذت به لتقرير آخر ولها ان تستمع إلى مناقشات الخصوم في شأن التقارير المقدمة وملاحظاتهم عليها وان تكلف الخبير أو الخبراء مرة أخرى لاستكمالها أو تصحيحها إذا لزم الأمر أو ترفض طلبات الخصوم) ومقتضى هذا النص ان محكمة الموضوع لها السلطة التقديرية في الأخذ بما ورد في تقرير وطرح ما ورد في التقرير الأخر، شريطة ان تذكر سبب أخذها وسبب طرحها، كما تملك محكمة الموضوع ان تأخذ بالتقريرين معاً، ويتم ذلك عن طريقين الأولى: المتوسط الحسابي للأرقام المختلفة في التقارير على النحو السابق بيانه، والطريق الثانية: عن طريق أخذ بعض النتائج من تقرير وأخذ بعضها الآخر من التقرير الآخر، غير أن محكمة الموضوع ملزمة بذكر أسباب أخذها ببعض النتائج من تقرير وطرحها للنتائج الواردة بشأن الموضوع في التقرير الأخر، لان محكمة الموضوع في هذه الحالة قد أخذت بنتائج تتعارض مع ما ورد في التقرير الآخر.*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الثالث: ضوابط اخذ القاضي بمتوسط ماتوصل إليه الخبراء العدول:*
➖➖➖➖➖

*▪️صرحت المادة(173) إثبات بأن للقاضي ان ياخذ بالتقرير الذي تطئمن نفس القاضي إليه، ونفس القاضي العادلة تطمئن للتقرير الذي التزم فيه الخبير حدود مهمته المحددة له من المحكمة والذي التزم فيه أصول وقواعد الخبرة أو المهنة التي أبدى رأيه فيها والذي قام بتضمين تقريره الادلة والشواهد التي تدل على صحة وسلامة النتائج الواردة في تقريره، ففي حالة تساوي تقارير الخبراء في التزامهما بالمعايير السابق ذكرها فإن القاضي يتردد في أخذه ببعض التقارير أو بواحد منها لاسيما عندما تكون النتائج متقاربة، ولذلك يحسم القاضي هذا التردد عن طريق الاخذ بمتوسط ماتوصل إليه الخبراء العدول، اما اذا كانت النتائج التي توصل إليه الخبراء العدول متباينة كثيرا  والبون شاسع بينها فإن القاضي  يلجاء في هذه الحالة إلى الخبير المرجح الذي يظهر سبب هذا الفارق الكبير ويردم الفجوة الهائلة بين نتائج الخبراء المتغايرة.*

➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الرابع: نظرة عدلية في متوسط مايتوصل إليه الخبراء العدول:*
➖➖➖➖➖

*▪️لا ريب ان العدالة التي يحققها المتوسط نسبية  بل ان عدالة البشر نسبية، فالعدالة المطلقة لله وحده لاشريك له الذي يعلم خائنة الأعين  وماتخفي الصدور فيقضي بالحق، وعلى هذا الأساس فإن المتوسط الذي يحتسبه القاضي نوع من المقاربة بين نتائج الخبراء المختلفة، يقوم به القاضي باعتباره خبير الخبراء معتمدا على النتائج التي توصل إليها جميع الخبراء المختلفون، فما يقوم به القاضي  إعمال لاراء الخبراء جميعا، لان القاضي يجمع الأرقام التي توصل إليها الخبراء ثم يقسمها على عدد الخبراء حسبما سبق بيانه، وعندما تتفاوت النتائج  التي يتوصل إليها الخبراء بطريقة مقبولة فإن مرجع ذلك إلى تفاوت طرق وخبرات وجهود ومهارات الخبراء  وامانتهم في تنفيذ المهمة المسندة لهم من المحكمة، ولذلك ينبغي  على القاضي عند ندب الخبراء ان يبين تفصيلا مهمة الخبراء خاصة حينما يتعدد الخبراء، وان كان بعض القضاة يتحرجون من تحديد مهمة الخبراء بدقة، حتي لايتهم القاضي بأنه قد حدد سلفا النتائج التي ينبغي على الخبير الوصول إليها، لان التحديد الدقيق لمهمة الخبير يكون بمثابة توجيه من القاضى الى الخبير إلى الوجهة التي يريدها القاضي حتى يصل الخبير إلى النتائج التي يريدها القاضي، ولذلك ينبغي على القاضي عند ندب الخبراء ان يوازن بين هذه الاعتبارات، والله اعلم.*