تقدير الأدلة لا يعني مخالفتها

*تقدير الأدلة لا يعني مخالفتها*

*أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين*
*الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء*

➖➖➖➖➖

*▪️قضى الحكم محل تعليقنا بأن السلطة التقديرية للقاضي بالنسبة للأدلة لا ينبغي ان تصل إلى حد مخالفة قواعد الإثبات أو الثابت في المستندات المستدل بها حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 18-11-2018م في الطعن رقم (60344)، الذي ورد ضمن أسبابه: ((فمن المعلوم قانوناً أن قاضي الموضوع ليس حراً في ان يبني حكمه على خلاف قواعد الإثبات، بل يلزمه التقيد بها، كما أنه لا يجوز لقاضي الموضوع ان يخالف ماهو ثابت في الأوراق من وقائع وأدلة، حيث أنه من الثابت ان الوثيقة المحررة بقلم.... قد بينت كافة أموال الشراكة، غير أنه قد تبين للدائرة ان مناعي الطاعن في محلها من حيث أن الشعبة تصدت لما طعن به الطاعن أمامها بشأن ما اخفاه عنه أخوه المطعون ضده من أراضي وغيرها والتي قد كان شراؤها قد كان قبل تحرير الوثيقة المحررة بقلم....، حيث قدم الطاعن المستندات الدالة على ذلك، غير أن الشعبة لم تأخذ بها، كما أن الحكم قد أخذ بشهادة قريبين للخصوم إضافة إلى إفادة السجل العقاري وما إلى ذلك مما يخالف ما جاء في من المادة (288) مرافعات)) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الأتية:*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الأول: ماهية السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع بالنسبة للأدلة:*
➖➖➖➖➖

*▪️تتأسس فكرة السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع على أساس أن الأدلة المقدمة أمامها لا تكون في مرتبة واحدة من حيث قوتها اوكثرتها اوصحتها اوقطعيتها ودلالتها، ولذلك فإن محكمة الموضوع تقوم بالمناقشة لتلك الأدلة والموازنة والترجيح بينها، لان محكمة الموضوع تملك التحقيق في الأدلة والتثبت منها بحسب اختصاصها وبإعتبارها محكمة موضوع، ولا شك أن هناك ضوابط وحدود للسلطة التقديرية، فليست هذه السلطة مطلقة، فهناك ضوابط لمناقشة الأدلة حيث يجب ان تكون مناقشة الأدلة والموازنة والترجيح بينها تفصيلية ومسببة وان يكون لها أصل في القانون وفي أوراق القضية، وان تتبع محكمة الموضوع معايير الترجيح المتبعة كمعيار الترجيح بقوة الادلة أو الترجيح بكثرة الادلة وصحتها... إلخ ، وقد سبق لنا عرض ضوابط السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع ومعايير الترجيح في تعليق سابق.*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الثاني: السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع والإجتهاد القضائي والعمومية والتجريد في النصوص القانونية:*
➖➖➖➖➖

*▪️غالب النصوص القانونية التي بينت أحكام الإثبات والأدلة وشروطها وحجيتها ومرتبتها تمت صياغتها في نصوص عامة مجردة مرنة لا تنطبق على شخص بعينه أو واقعة بذاتها، ولذلك فإن الوظيفة الأصلية للقاضي هي تطبيق النصوص القانونية التي تسنها السلطة التشريعية عملاً بمبدأ الفصل بين السلطات، فلا يحق للقاضي التوسع في الإجتهاد إلا إذا كان النص ذاته قابلاً لهذا الإجتهاد وكانت هناك حاجة إلى ذلك، لان التوسع في الإجتهاد قد يوقع القاضي من حيث لا يدري في الحكم بعلمه الشخصي، ولذلك نجد غالبية القضاة في اليمن عندما يجتهد في تطبيق النص يلجأ إلى الاستناد إلى شروح الفقه والسوابق القضائية، حيث ينزه نفسه عن الحكم بالهوى أو بعلمه الشخصي ، لان القاضي إذا اجتهد عند تطبيقه للنصوص ونسب الإجتهاد إلى نفسه فقد قضى بعلمه، ومع ان مذهب الزيدية قد اشترط في القاضي ان يكون مجتهداً إلا أن كل قضاة الزيدية في حقب التاريخ المختلفة كانوا يضمنوا أحكامهم نقول واشارات إلى المراجع الفقهية التي اعتمدوها في إجتهادهم تحوطاً من الوقوع في القضاء بعلم القاضي الشخصي، وهذا الأمر ظاهر في أحكام القضاة المتأخرين من الزيدية كالقاضي العلامة أحمد محمد زبارة رحمه الله حاكم المقام والقاضي العلامة إبراهيم المرتضى رحمه الله الذي عينه الأمام يحيى حميد الدين رحمه الله قاضياً لوصاب العالي، فقد طالعت بعض أحكامهم فوجدت تسبيب تلك االاحكام لا يخلوا ابداً من الإشارة إلى المراجع التي اعتمدوها في قضائهم، فشرط الإجتهاد في القاضي عند الزيدية يعني إجتهاد القاضي في تطبيق النص الشرعي على الوقائع المتباينة التي ينظرها القاضي، وقد اشار الحكم محل تعليقنا إلى أن السلطة الإدارية لمحكمة الموضوع يجب ان لا تصل إلى حد مخالفة قواعد الإثبات، لان الحكم الاستئنافي المنقوض كان قد رجح الشهادة مع انها صادرة من اقارب  وذلك يوجد  شبهة فيها ، وهذا يعني أنه لا يجوز لمحكمة الموضوع عند تقدير الأدلة ان تخالف النصوص القانونية أو القواعد والمبادئ الشرعية والقانونية، لان السلطة التقديرية عبارة عن إجتهاد والإجتهاد لا يكون في مورد النص.*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الثالث: الأدلة القطعية والأدلة الظنية والسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع:*
➖➖➖➖➖

*▪️سبق القول أن الأدلة التي تقوم محكمة الموضوع بتقديرها لا تكون في مرتبة واحدة، فهناك أدلة قطعية من حيث نسبتها وحجيتها ودلالتها، وهناك أدلة ظنية، وبناءً على ذلك فلا يجوز لمحكمة الموضوع ان تهدر الأدلة القطعية في دلالتها ونسبتها بمبرر السلطة التقديرية ، وتطبيقاً لذلك لاحظنا أن الحكم محل تعليقنا قد نقض الحكم الاستئنافي، لأنه قد اهدر مستندات الطاعن وهي عبارة عن مستندات شراء أراضي وغيرها تحكي شراء المطعون ضده لتلك الاشياء وعليها توقيع المطعون ضده واختام الجهات المختصة ولم ينكرها المطعون ضده ولم يرد ذكرها في الوثيقة المحررة بقلم....*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الرابع: السلطة التقديرية والخطأ في فهم الدليل:*
➖➖➖➖➖

*▪️يحدث في حالات كثيرة الخلط بين السلطة التقديرية والخطأ في فهم الدليل، فإذا اخطأت محكمة الموضوع في فهم الدليل، فإن ذلك لا يحصن الحكم بمسمى السلطة التقديرية، فالخطأ في فهم الدليل لا يكون من قبيل السلطة التقديرية، فينبغي ان لايتم تجاوز الثابت في الدليل بذريعة السلطة التقديرية، فقد قضى الحكم محل تعليقنا بأن الحكم الاستئنافي قد فهم المستندات المبرزة من الطاعن على خلاف ما ورد فيها من إثبات شراء المطعون ضده للأموال المذكورة في تلك المستندات، والله اعلم.*