إشكالية إثبات الوقف وفقاً للمادة (8) من قانون الوقف

*إشكالية إثبات الوقف وفقاً للمادة (8) من قانون الوقف*

*أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين*
*الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء*

➖➖➖➖➖

*▪️من سيئات قانون الوقف النافذ المادة(8) التي قصرت إثبات الوقف على وسيلة وحيدة مشوهة( الاشهاد ) وليس الشهادة، وبسبب هذه المادة السيئة تضيع اموال الوقف وحقوقه ومصالحه، وقد أشار الحكم محل تعليقنا إلى مثالب هذه المادة التي تظهر عند تطبيقها في الخلاف أمام القضاء بشأن إثبات الوقف، فالحكم محل تعليقنا هو الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 16-10-2017م في الطعن رقم (59439)، وقد ورد ضمن أسباب هذا الحكم: ((وحيث تبين ان محكمة الاستئناف قد ثبت لديها صحة ما قضت به محكمة أول درجة، ومن ذلك ان على المدعى عليه المطعون ضده حالياً إفراغ الوقف لجامع.... في ورقة رسمية، وأيد ذلك الحكم الاستئنافي، فهذا التأييد في محله، وحيث لم يرد في الطعن ما يؤثر في صحة وسلامة ما قضى به الحكم المطعون فيه، وحيث ان المعتبر في القانون ان للقاضي ان يستخلص وجود الرضاء من كل ما يصلح دليلاً شرعياً حسبما نص عليه القانون بأنه لا يشترط التقيد بصيغة معينة بل المعتبر ما يدل على التراضي، وهو ما ثبت بالشهادات ومعاينة القاضي لجامع.... والدكاكين الموقوفة لمصلحته، لذلك فقد تعين رفض الطعن موضوعاً)) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الأتية:*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الأول: بما يتم الوقف؟:*
➖➖➖➖➖

*▪️كان جوهر النزاع الذي تناوله الحكم محل تعليقنا خلاف المدعي والمدعى عليه بشأن التعبير عن إرادة الواقف بأنه قد اوقف بعض أمواله للمسجد حيث أدعى المدعي بأن الواقف لم يوقف الدكاكين وقطعة الأرض على المسجد لعدم وجود وثيقة مكتوبة( وقفية ) كما هو المعتاد وان كلام الواقف لم يكن بصيغة الوقف المعتبرة وان الواقف لم يطلب من الشهود الشهادة على الوقف حيث سمع الشهود الواقف وهو يتكلم عن الوقف في سياق حديثه عن مسائل متفرقة فليس هناك صيغة وإنما حديث انشائي منسوب للواقف حسبما ذكر المدعي ، في حين ذهب المدعى عليه بأن الواقف قد عبر عن إرادته وقال: بأنه يريد بناء.... دكاناً وقفاً على مسجد....، وافاد المدعى عليه بأنه قد قام ببناء الدكاكين تنفيذاً لوقفية الواقف الشفوية، وبعد ان قامت محكمة الموضوع بمعاينة الدكاكين والمسجد واستمعت إلى أقوال الشهود الذين تصادف سماعهم لقول الواقف من غير ان يطلب منهم الواقف ان يشهدوا إضافة إلى ان كلام الواقف كان انشائيا واثناء حديثه بأنه يريد أن يوقف دكاكين على المسجد المشار إليه، ومع ذلك فقد قضت محكمة الموضوع بثبوت الوقف والالزام بكتابة الوقفية من خلال الإستماع إلى أقوال الشهود الذين سمعوا الواقف مصادفة وهو يتحدث عن وقفه للدكاكين لصالح المسجد في سياق حديثه عن مسائل متفرقة.*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الثاني: الوقف الشفوي والوقف الفعلي:*
➖➖➖➖➖

*▪️أشار الحكم محل تعليقنا إلى الوقف الشفوي الذي يقع بمجرد تلفظ الواقف بالعبارة التي تفيد بأنه قد أوقف أو حبس أو سبّل بعض ماله وفقاً للمادة (7) من قانون الوقف التي نصت على ان: (يتم الوقف قولاً أو كتابة بلفظ صريح أو كتابة أو بالفعل كما يتم بالإشارة المفهمة من الأخرس، ويكون الوقف بلفظ صريح كقوله وقفت أو حبست وبلفظ الكتابة كقوله تصدقت ويكون بالفعل كأن يفعل الواقف شيئاً ظاهره السبيل مع النية كنصب جسر لمرور الناس عليه أو تعليق باب في مسجد أو تركيبه) وينطبق هذا النص على القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا، حيث كان الواقف قد عبر عن إرادته بوقف جزء من ماله على المسجد في سياق حديثه مع بعض اهل المحل بأنه سيبني دكاكين ويجعلها وقفا لصالح المسجد وشرع ببناء الدكاكين الموقوفة من غير أن يكتب الوقفية أو يطلب شهادة احد على ذلك ، فالوقف الذي كان محل النزاع في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا كان شفوياً وكان فعلياً من غير تحرير وقفية مكتوبة أو صيغة الوقف المعتبرة شرعا(أوقفت أو حبست أو سبلت ).*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الثالث: إشكالية الشهادة والإشهاد وقصر إثبات الوقف على(الاشهاد) في المادة (8) وقف وتوصيتنا لهيئة الاوقاف:*
➖➖➖➖➖

*▪️أيضاً كان جانباً من الخلاف في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا كان بشأن المادة (8) وقف التي نصت على أنه: (إذا تم الوقف قولاً أو كتابة أو إشارة وجب الإشهاد عليه مالم يكن بخط الواقف)، فهذا النص اشترط (الإشهاد) الذي يفهم منه بحسب صيغته في النص السابق ان الواقف يطلب من الشهود ان يشهدوا على تلفظه بالوقف أو إشارته أو كتابة الغير للوقفية، أما إذا لم يستشهد أو يطلب شهادتهم على ذلك فلا يثبت الوقف بالشهادة العادية حينما يتصادف سماع أشخاص لقول الواقف بأنه قد أوقف ماله من غير أن يشهدهم عليه، مثل ان يقول أو يحكي ذلك في المسجد أو مكان من غير أن يشهد الواقف الحاضرين أو يطلب شهادتهم على ذلك، وقد اشار إلى هذا الفرق الدقيق بين الشهادة والإشهاد الأستاذ الدكتور عطية الجبوري في كتابه القيم (أحكام الشهادة في العقود والتصرفات، ص 135) والاخطر في نص المادة (8) وقف انه قصرت إثبات الوقف على(الإشهاد) فقط دون وسائل الإثبات الآخرى الكثيرة المقررة في قانون الإثبات، علما بأن قانون الوقف قانون خاص وقانون الإثبات قانون عام، والقاعدة ان الخاص مقدم على العام عند التطبيق، ولا ريب ان هذا النص معيب جداً، فكان الواجب ان يحيل هذا النص إثبات الوقف إلى قواعد ووسائل الإثبات العامة المقررة في قانون الإثبات، لان ذلك يحقق الحماية الفعلية والاكيدة لاموال الوقف، فقانون الإثبات يتضمن وسائل إثبات كثيرة تحفظ الحقوق والمصالح (الشهادة اليمين الإقرار والمحررات والاقرار ... الخ) في حين اقتصرت المادة (8) وقف على إثبات الوقف بالاشهاد فقط!!!!، ولا ريب ان في ذلك تفريط كبير بأموال الوقف وحقوقه ومصالحه.*

*▪️ولذلك فأنا أوصي هيئة الأوقاف بتعديل هذه المادة وتضمينها عبارة: ((يثبت الوقف بوسائل الإثبات المقررة في قانون الإثبات إضافة إلى إثباته بالشهرة)) وأجزم بأن تعديل هذه المادة واجب شرعي وقانوني وأخلاقي على هيئة الأوقاف، وانا على ثقة مطلقة بأن الهيئة حريصة على حفظ اموال الوقف.*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الرابع: الإلزام بكتابة الوقفية:*
➖➖➖➖➖

*▪️سبق لنا التعليق على حكم سابق للمحكمة العليا في قضية مشابهة كانت المحكمة قد قضت فيه باعتبار الحكم بثبوت الوقف من مسوّدات الأوقاف التي تثبت ملكية الأوقاف للوقف، فالحكم القضائي في هذه الحالة مقرر لوجود الوقف السابق على صدور الحكم الذي يتضمن في منطوقه عبارة: (ثبوت ملكية الوقف للعين الموقوفة التي كانت محلاً للنزاع) ولذلك فالحكم القضائي وثيقة مكتوبة أقوى دلالة وحجية من الوقفية التي سيحررها الأمين، والله اعلم.*