المحكم الأمي - في القانون اليمني
*المحكم الأمي*
*أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين*
*الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء*
➖➖➖➖➖
*▪️عمل المحكم يشابه عمل القاضي من حيث قيام المحكم بالفصل بالنزاع بحكم ينهي النزاع، غير أن التحكيم له خصوصيته التي تميزه عن العمل القضائي الإحترافي الذي يباشره القاضي بصفة مستمرة، وفي هذا الشأن تثور مسألة أمية المحكم، وهل القراءة والكتابة مشروطة في المحكم؟ وما هو تأثير عدم اجادة المحكم للقراءة والكتابة؟ وهل يشترط أن يقوم المحكم بكتابة الحكم بنفسه والتوقيع عليه؟ وكيف تتم نسبة الحكم إلى المحكم الأمي الذي أصدره وهو أمي لا يجيد القراءة والكتابة؟ هذه المسألة تحتاج إلى الإشارة إليها بإيجاز في سياق التعليق على الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 23-11-2011م في الطعن رقم (44120)، الذي المح إلى هذه المسألة ضمن أسبابه بالقول أن: ((ما جاء من الطاعن تحت هذا السبب وقوله: ان المحكم (فلان بن فلان) لا يجيد القراءة والكتابة وانه اي الطاعن لم يكتشف ذلك إلا بعد التحكيم...إلخ، فالدائرة تجد ان هذا إدعاء مرسل لم يسبق للطاعن إثارته أمام الشعبة مما يتعين الإلتفات عنه)) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الأتية:*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الأول: مدى إشتراط القراءة والكتابة في المحكم:*
➖➖➖➖➖
*▪️اشترط قانون التحكيم في المحكم الشروط الواردة في المادة (20) التي نصت على أنه: (لا يجوز ان يكون المحكم فاقد الأهلية أو محجوراً عليه أو محروماً من حقوقه المدنية أو غير صالحاً للحكم فيما حكم فيه ويكون قبول المحكم بمهمته كتابياً) وفي السياق ذاته اشارت المادة (23) تحكيم إلى بعض الشروط الاضافية التي ينبغي توفرها في المحكم حيث نصت هذه المادة على أنه: (يجوز رد المحكم للأسباب التي يرد بها القاضي أو يعتبر بسببها غير صالحاً ان يكون محكما أو ان يتبين عدم توفر الشروط المتفق عليها أو التي نصت عليها أحكام هذا القانون، ويشترط أن تكون هذه الأسباب قد حدثت أو ظهرت بعد تحرير إتفاق التحكيم...إلخ) ومن ذلك نلاحظ أن قانون التحكيم لم يشترط صراحة أن يكون المحكم مجيداً للقراءة والكتابة، وربما ان المقنن كان يدرك ان هناك شريحة واسعة في المجتمع اليمني لا تجيد القراءة والكتابة تصل بين الرجال إلى 65% من السكان وبين النساء إلى 85% ، وان كانت المادة (20) تحكيم السابق ذكرها قد اشترطت ان يقبل المحكم مهمته كتابة اي يقبل اختيار المحكمين له إلا أن ذلك لا يعني ان يقوم المحكم نفسه بكتابة مايفيد قبوله التحكيم أو ما يثبت قبوله، فيجوز له ان يطلب من غيره ان يكتب ما يفيد قبوله التحكيم.*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الثاني: أهمية القراءة والكتابة بالنسبة للمحكم:*
➖➖➖➖➖
*▪️اشترط قانون التحكيم في الدعوى والإجابة عليها التي يتم تقديمها أمام المحكم ان تكون مكتوبة حيث اشترط القانون ان تقدم الدعوى كتابة وان يتم الرد عليها كتابة، إضافة إلى ان الخصوم في المنازعة التحكيمية يقدموا إلى المحكم مستندات ووثائق يستدلون بها في دعاويهم وردودهم، وتحتاج هذه المستندات إلى القراءة والمطالعة والدراسة من قبل المحكم، علاوة على ذلك فإن المحكم يجب عليه الرجوع إلى القوانين واللوائح والمراجع الفقهية والقانونية ذات الصلة بالخصومة التي ينظرها المحكم وان يقرأ المحكم ويدرس تلك المراجع والمصادر حتى يكون حكمه موافقاً للشرع والقانون، ولا يغني عن ذلك استعانة المحكم بغيره كي يقرأ له صحف الدعاوى والردود ومستندات الخصوم ومحاضر الجلسات وما ورد في القوانين وشروحها والمراجع الفقهية والقانونية، لان القاضي أو المحكم يجب عليه ان يتصل بنفسه ومن نفسه بأوراق القضية التي ينظرها وان يدرس أوراقها مرات عدة، وان يعيد قراءتها بعد حجز القضية للحكم، وان يرجع إلى القوانين والمراجع ذات الصلة بها، فمن خلال ذلك تتكون قناعة المحكم أو القاضي فيكون لحكمه أصل في الشرع والقانون وأوراق القضية.*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الثالث: مدى علاقة إجادة المحكم للقراءة والكتابة بالنظام العام:*
➖➖➖➖➖
*▪️من خلال مطالعة ما ورد في الوجه الأول من هذا التعليق يظهر لنا بجلاء تام أهمية القراءة والكتابة للمحكم ودورها في ترشيد حكم التحكيم وضبطه وتحقيق عدالته وموافقته للشرع والقانون والواقع، وعلى هذا الأساس فإن إجادة المحكم للقراءة والكتابة تكفل صدور أحكام تحكيم فاصلة وناجزة حاسمة للقضايا تتوفر فيها مبادئ العدل والإنصاف، ويكون من شأن هذه الأحكام بث الأمن والسلم الإجتماعي وحسم المنازعات والخلافات بين أفراد المجتمع، ومن هذا المنطلق فأننا نقول بثقة وإطمئنان بأن إجادة المحكم للقراءة والكتابة من النظام العام.*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الرابع: توصية مخلصة إلى الجهات المعنية بالتشريع:*
➖➖➖➖➖
*▪️من العيب أن لا يشترط قانون التحكيم اليمني ان يكون المحكم مجيدا للقراءة والكتابة بل ينبغي أن يشترط القانون ان يكون المحكم عالماً بموضوع التحكيم الذي ينظر فيه، فلا يكفي من وجهة نظرنا ان ينص قانون التحكيم على أن يكون المحكم مجيداً للقراءة والكتابة بل انه يجب ان يكون المحكم عالماً بالمسألة التي يفصل فيها عملاً بما ورد في الفقه الإسلامي الذي اشترط في المحكم بين الزوجين ان يكون فقيها في الحالة التي ينظر فيها وهي الإصلاح بين الزوجين، حيث ذكر المفسرون ذلك عند تفسيرهم لقوله تعالى(حكما من اهله وحكما من اهلها) حتى يستطيع الحكم الفصل في النزاع بين الزوجين وإصلاح شانهما (فسخ الزواج، أ.د.عبدالمؤمن شجاع الدين، ص371) ولذلك فأننا نوصي مخلصين بان يتضمن قانون التحكيم نصاً مفاده: (ان يجيد المحكم القراءة والكتابة وان تتوفر فيه الخبرة والاختصاص في المسألة التي يتم تحكيمه فيها)، والله اعلم.*