إدارة القاضي لمذكرات الخصوم
*إدارة القاضي لمذكرات الخصوم*
*أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين*
*الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء*
➖➖➖➖➖
*▪️من المؤكد أنه لا يجوز للقاضي ان يلقن الخصوم، كما أنه يجب على القاضي ان يكون محايداً في تعامله مع الخصوم، غير انه يجب على القاضي توجيه الخصوم إلى إتباع الإجراءات الصحيحة في اثناء التقاضي بما يكفل تحقيق مبادئ حسن النية والإقتصاد في إجراءات التقاضي وعدم الهدر الإجرائي وعدم الاسترسال في تقديم المذكرات المطولة حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 29-5-2013م في الطعن رقم (52465)، الذي تضمن في أسبابه أنه: ((حيث ان محور الخصومة يدور حول تأخر السفينة في الوصول إلى ميناء عدن خلال الفترة المحددة، حيث تجادل الطاعنة في ان تأخر السفينة غير مشمول بعقد التأمين، فقد لاحظت الدائرة ان محكمتي الموضوع لم تبحثا الأخطار المغطاة بكل من بوليصتي التأمين والاخطار المستثناة فيهما من التأمين، حيث انشغلت محكمة الموضوع بالعرائض ومرفقاتها التي تبادلها محاميا الطرفين مما أدى إلى ضخامة حجم ملفات القضية وتكرار الأوراق والمستندات، فلا فرق بين مستندات منتجة في الدعوى وغير منتجة، مع ان القانون قد أوجب على المحكمة مباشرة الدور الرقابي في كفالة حسن سير العدالة، وللقاضي في سبيل ذلك مراقبة الخصوم في ممارسة الإجراءات وفقاً للمادة (20) مرافعات، إضافة إلى أنه ورد في الفقرة الأخيرة من المادة (166) مرافعات ما لفظه: (وتحدد المحكمة ما اقر به الخصم وما انكره وتكلف المدعي إثبات ما انكره المدعى عليه وتسمع أدلته وشهوده، كما ان من طرق الإثبات استجواب الخصوم للإحاطة بجوانب النزاع، وعليه فإن الدائرة توجه الشعبة التجارية إلى الإستماع لطرفي الخصومة للوقوف على اسباب تأخر السفينة والأضرار التي لحقت بصاحب البضاعة والأخطار المغطاة بالتأمين والمستثناة في بوليصتي التأمين)) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الأتية:*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الأول: عيوب المذكرات القضائية الطويلة:*
➖➖➖➖➖
*▪️اشار الحكم محل تعليقنا إلى أبرز عيوب المذكرات القضائية التي يقدمها الخصوم إلى القضاء، ومن هذه العيوب: -1- المذكرة الطويلة تستدعي ان يرد عليها الخصم بمذكرة مثلها أو أكثر طولاً منها، لان مذكرة الرد والتعقيب تتعرض لكل فقرات وصفحات المذكرة القضائية وترفق بها المستندات المؤيدة لما ورد فيها فيتضخم ملف القضية بالمذكرات والردود والتعقيبات والمستندات المؤيدة فيصعب على القاضي الإحاطة بوقائع النزاع واسانيده مثلما اشار الحكم محل تعليقنا -2- تكرار مضمون المذكرات والمستندات المرفقة بها، لان المذكرات الطويلة تجعل كاتبها غير قادر على السيطرة على مضمونها فيكرر ذكر الوقائع والأدلة في مواضع متفرقة من عريضته الطويلة -3- عدم ترتيب مفردات العريضة الطويلة، لان العرائض الطويلة تتفلت افكارها من بين يدي كاتبها فلا يستطيع تركيز مضمونها، لان المذكرات القصيرة هي وحدها التي يستطيع كاتبها تركيز الوقائع والأدلة التي يريد إيصالها للقاضي -4- اثناء كتابة المذكرات الطويلة تفوت على كاتبها كثير من الوقائع والأدلة والأسانيد، لان استرساله في كتابة المذكرة الطويلة يزيد من سقوط وفوات بعض الوقائع والأدلة وسقوطها من المذكرة الطويلة -5- يصعب تلخيص وتحصيل المذكرات الطويلة -6- تضيع كثير من الوقائع والحقائق والأسانيد في ثنايا المذكرات الطويلة، حيث ان الكلام المرسل المكرر يحجب كثيراً من الحقائق عن ذهن القاضي والخصم نفسه حيث تضيع الوقائع والحقائق في المذكرة الطويلة، فقد اشار الحكم محل تعليقنا إلى أنه قد فات على الطرفين المتنازعين وقضاة محكمتي الموضوع الوقوف على أسباب تأخر السفينة ونطاق التأمين في بوصلتي الشحن بسبب المذكرات الطويلة المتبادلة فيما بين الخصوم التي جعلت للقضية ملفات ضخمة عدة، حتى أن الحكم محل تعليقنا قد قضى بإعادة القضية إلى محكمة الموضوع لبحث المسائل المهمة التي فات على محكمة الموضوع بحثها بسبب المذكرات الطويلة وملفات القضية الضخمة التي اتاهت العدالة.*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الثاني: إدارة القاضي لإجراءات التقاضي لتطبيق مبادئ حسن النية في التقاضي والإقتصاد في إجراءات التقاضي وعدم الهدر الإجرائي:*
➖➖➖➖➖
*▪️صرح الحكم محل تعليقنا بأن من أهم واجبات القاضي ممارسة الدور الرقابي لاجراءات التقاضي التي يباشرها الخصوم أمامه، فالقاضي ينبغي أن يدير إجراءات التقاضي بما يكفل تحقيق وتطبيق مبادئ حسن النية في التقاضي والإقتصاد في إجراءات التقاضي وعدم الهدر الإجرائي الذي تجسده مذكرات الخصوم الطويلة، وإدارة القاضي لهذه المسألة تقتضي توجيه القاضي للخصوم عامة وتذكيرهم في بداية الجلسات بإحترام هذه المبادئ وفي اثناء توجيه القاضي يعرج إلى بيان عيوب المرافعات الطويلة وعدم جرح الخصوم لبعضهم في مرافعاتهم الشفوية والمكتوبة وان ينبه القاضي الخصوم إلى الأفعال المحظورة في الجلسة كالحديث واستعمال الهاتف وغير ذلك، وهذه التوجيهات تستدعي مهارة وخبرة من القاضي في اختيار وقت التوجيه وطريقته حتى لا يفهم من توجيه القاضي أنه يحدد للخصوم ما ينبغي عليهم قوله وحتى لايضطر القاضي إلى نهر الخصوم لاحقا حتى يقع في أنفسهم شي على القاضي ، وهناك من قضاة اليمن المتقدمين والمتأخرين من يسلك مسلك حميداً في إدارة الخصومة التي ينظرها بما يكفل تحقيق المبادئ السابق ذكرها حيث يقوم بالتوجيه العام للخصوم في بداية الجلسات بما ينبغي عليهم اتباعه في التقاضي وفي الجلسة، كما أن هولاء القضاة عندما يسترسل للخصوم في تقديم المذكرات الطويلة يقوم هولاء القضاة بتوجيه الاستفسارات للخصوم ويكلفوا الخصوم بالإجابة على تلك الاستفسارات وتقديم ما يؤيد اجاباتهم حيث تسهم هذه الاستفسارات في إعادة الخصومة إلى مسارها القانوني السليم لان الاستفسارات تتناول المسائل المهمة التي اغفلها الخصوم أصحاب المرافعات الطويلة ، كما ان بعض القضاة يسلكون طريق سؤال الخصوم انفسهم وليس وكلائهم، لان الحقائق والبيانات تتوفر لدى الخصوم انفسهم أكثر من وكلائهم، حيث يقوم القاضي بسؤال الخصم نفسه عن المسائل والوقائع المهمة للوقوف على الحقيقة من منبعها بعيداً عن التطويل والحشو، وقد اشار الحكم محل تعليقنا إلى أنه كان ينبغي على محكمتي الموضوع ان تستدعي الخصوم انفسهم وان تسألهم عن المسائل المهمة والجوهرية في النزاع وهي سبب تأخر السفينة ونطاق بوليصتي التأمين.*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الثالث: المذكرات الطويلة وظاهرة بطء إجراءات التقاضي وتوصيتنا:*
➖➖➖➖➖
*▪️من خلال مطالعة عيوب المذكرات الطويلة السابق ذكرها نجد انها تتسبب في إطالة إجراءات التقاضي، ولذلك فانها من أسباب رسوخ ظاهرة بطء إجراءات التقاضي في اليمن، ولذلك فإننا نوصي بأن تتناول المناهج الجامعية في المرافعات والإجراءات عيوب المذكرات الطويلة وينبغي ان يكون ذلك حاضراً في برامج تدريب وتأهيل المحامين على إعداد مذكرات مركزة تتضمن عناصر مرتبة ومرقمة يسهل للقاضي مطالعتها والرجوع إليها، والله اعلم.*