ضوابط إستناد الحكم الإستئنافي إلى أسباب الحكم الإبتدائي
ضوابط إستناد الحكم الإستئنافي إلى أسباب الحكم الإبتدائي
أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
في بعض الحالات تستند بعض احكام الإستئاف إلى أسباب الحكم الإبتدائي وتقضي بان الأسباب الواردة في الحكم الإبتدائي هي أسباب للحكم الإستئنافي، ولا تثريب على محكمة الإستئناف في ذلك، ولكن ذلك الاستناد يحتم على محكمة الإستئناف التسبيب لإعتناقها لأسباب الحكم الإبتدائي إضافة إلى وجوب مناقشة الحكم الاستئنافي لأسباب الإستئناف المقدم اليها والردود والدفوع والطلبات المثارة أمام محكمة الإستئناف، فلا تكفي الإحالة إلى أسباب الحكم الإبتدائي حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 21/10/2018م في الطعن رقم (61623)، الذي ورد ضمن أسبابه ((وبتأمل هذه الدائرة لما اثاره الطاعنان تبين ان لذلك ما يبرره ،فالواضح ان الحكم الإستئنافي المطعون فيه قد قضى في منطوقه بتأييد الحكم الابتدائي وذلك للأسباب والحيثيات الواردة في الحكم الإبتدائي إلا أن الحكم المطعون فيه لم يؤسس قضاؤه بالإحالة إلى حيثيات الحكم الإبتدائي الذي ايده، فجاء الحكم المطعون فيه خالياً من الأسباب التي تبنى عليها الأحكام حيث اقتصرت حيثياته على إيراد منطوق الحكم الإبتدائي وقرار الإتهام وان الإستئناف مقبول شكلاً وخلاصة لأسباب الإستئناف...إلخ، فمثل هذا التسبيب لا يكفي ،فمحكمة الإستئناف محكمة موضوع يجب عليها ان تحقق في وجود الواقعة التي هي أساس الدعوى وتناقش الطلبات وما يثار امامها من دفوع وترد على ذلك في سياق حيثياتها ،فقصور التسبيب يجعل المحكمة العليا عاجزة عن إعمال رقابتها على الأحكام إستناداً للمادة (431) إجراءات كما أن القانون ينص على انه إذا كان الحكم خالياً من التسبيب فانه يعد باطلاً وفقاً للمادة (372) إجراءات، فمخالفة ذلك متعلقة بالنظام العام)) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الأتية:
الوجه الأول: جواز إستناد محكمة الإستئناف إلى أسباب الحكم الإبتدائي:
وفقاً للقانون يجوز لمحكمة الإستئناف ان تعتبر أسباب الحكم الإبتدائي أسباباً لحكمها، ويتأسس هذا الجواز على أساس أن وظيفة محكمة الإستئناف تصحيح الإجراءات الباطلة التي قد يقع فيها حكم محكمة أول درجة بإعتبار محكمة الإستئناف محكمة موضوع، حيث تقوم محكمة الإستئناف بتصحيح الإجراءات المخالفة للقانون أو الباطلة وعندئذ ينبغي أن تتضمن أسباب الحكم الاستئنافي بيان اوجه البطلأن في الاجراءات الباطلة التي صححتها محكمة الاستئناف, اما إذا وجدت محكمة الإستئناف الحكم الإبتدائي موافقاً للقانون لا تشوبه شائبة من شوائب البطلان فإنها حينئذ تؤيد الحكم الإبتدائي لصحة منطوقه والأسباب التي أستند اليها ذلك المنطوق، فعندئذ يكون أساس تأييد الحكم الإستئنافي للحكم الابتدائي هي أسباب الحكم الإبتدائي.
الوجه الثاني: وجوب تسبيب الحكم الإستئنافي:
أوجب القانون تسبيب الأحكام كافة، وقضى القانون ببطلان الحكم إذا انعدمت أسبابه أو كانت قاصرة، ولذلك يجب على محكمة الإستئناف أن تسبب حكمها في كل الأحوال، فإذا قضى الحكم الإستئنافي بتأييد الحكم الابتدائي فينبغي على الحكم الإستئنافي أن يذكر أسباب ذلك التأييد وإذا قضى الحكم الإستئنافي بتصحيح الإجراءات الباطلة التي شابت الحكم الإبتدائي فينبغي عليها ان تسبب لذلك وان تبين الإجراءات الباطلة التي قضى الحكم بتصحيحها ووجه البطلان في إجراءات محكمة أول درجة، وإذا قضى الحكم الإستئنافي بإلغاء الحكم الإبتدائي فيجب على الحكم الإستئنافي ان يذكر أسباب الإلغاء وأسانيده.
الوجه الثالث: وجوب تسبيب تأييد الحكم الإستئنافي للحكم الإبتدائي:
قضى الحكم محل تعليقنا بانه يجب على الحكم الإستئنافي ان يذكر الأسباب التي جعلته يقضي بتأييد الحكم الإبتدائي فلا تكفي مجرد الإحالة المجملة إلى أسباب الحكم الإبتدائي حيث يجب على الحكم الإستئنافي إذا قضى بتأييد الحكم الإبتدائي والإحالة إلى أسبابه يجب على الحكم الإستئنافي ان يناقش أسباب الحكم الابتدائي ويبين أسباب اعتناقه لها، علاوة على انه يجب على الحكم الإستئنافي ان يناقش ضمن أسبابه ان يناقش تفصيلاً أسباب الإستئناف المقدم في مرحلة الاستئناف والأدلة والأسانيد التي استندت إليها أسباب الإستئناف بالإضافة إلى مناقشة الطلبات والدفوع المثارة أمام مرحلة الإستئناف، فلا يكفي مجرد الإحالة إلى أسباب الحكم الإبتدائي، لان مرحلة الإستئناف مرحلة أو درجة من درجات التقاضي الموضوعية فينبغي ان تتضمن أسباب الحكم الإستئنافي ملخصاً للنزاع للتدليل على إحاطة الشعبة بالنزاع ثم يناقش الحكم الإستئنافي طلبات الخصوم ودفوعهم ودفاعهم المثارة أمام درجة الإستئناف ،لان الشعبة ملزمة بمناقشة وتسبيب الطلبات والادلة والدفوع المثارة امامها وان تبين سبب طرحها أو الاخذ بها وإلا فيكون حكمها باطلاً لإغفاله وتجاهله لدفاع ودفوع الخصوم وطلباتهم الجوهرية حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.
الوجه الرابع:تسبيب تاييد الحكم الابتدائي وعلاقته برقابة المحكمة العليا:
المحكمة العليا محكمة قانون، ولذلك فان اهم وظيفة مسندة لها هي الرقابة على إلتزام الاحكام القضائية بالقانون واحترامه،ولاتسطيع المحكمة العليا أن تبسطها رقابتها تلك الا إذا كان الحكم الاستئنافي قد ذكر ضمن اسبابه الاسانيد التي جعلته يؤيد الحكم الابتدائي والاسباب التي جعلته يعتنق أسباب الحكم الابتدائي ويحيل اليها،فينبغي أن تتضمن أسباب الحكم الاستئنافي ذلك بصورة مفصلة وواضحة حتى يتسنى للمحكمة العليا أن تتثبت من قانونية أسباب الحكم الابتدائي التي اعتنقها الحكم الاستئنافي واحال اليها ،والله اعلم.