الخطأ في شخص القتيل - في القانون اليمني

الخطأ في شخص القتيل

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

من اثار الجاهلية الأولى التي لا زالت ضاربة اطنابها في المجتمع اليمني الثأر الذي يقع ضحيته أشخاص لا علاقة لهم بالثأر والانتقام المتبادل بين المتقاتلين، حيث يعمد بعض أصحاب الثارات لإطلاق النار على المستهدفين في الأماكن العامة كالأسواق والشوارع والمساجد وغيرها من الأماكن العامة فيقع الضحايا من غير الأشخاص المطلوبين في الثأر ،وهذه ظاهرة شائعة جداً في اليمن، فعندما يسقط القتلى من غير المطلوبين في الثأر تثور مسألة الحكم الشرعي والقانوني للخطأ في شخص القتيل لان القاتل كان يقصد قتل شخص بعينه فاخطأ في قصده فأصاب غير المقصود فهذا هو المقصود بالخطأ في شخص القتيل وكذا يقع الخطأ في شخص القتيل عندما يقع الخلاف بين المسلحين في الأسواق والأماكن العامة فيقصد المسلحون المتعاركون قتل أشخاص محددين فتقتل رصاصهم غير المقصودين فيقع ايضا الخطأ في شخص القتيل، ولاهمية هذا الموضوع ودوره في تهديد الأمن والسلم المجتمعي ولتسليط الضوء على هذا الموضوع فقد اخترنا التعليق على الحكم الذي تناول هذه المسألة وهو الحكم الصادر عن الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 30/9/2018م في الطعن رقم (61518)، الذي ورد ضمن أسبابه ((فإدعاء المتهم عدم قصده قتل حي المجني عليه مجرد دعوى لا تنفي عنه التهمة لانه من المعلوم فقهاً وقضاءً ان القتل يكون عمدا اذا كان موجهاً لحياة معصوم الدم بنيته إزهاق روحه ويستوي في ذلك أن تكون النفس التي اراد الجاني إزهاقها هي نفس الشخص الذي تشاجر معه أو نفس شخص آخر، فلا يختلف حكم القتل العمد أو وصفه إذا قصد الجاني قتل شخص بعينه ولكنه اخطأ في قتله فقتل غيره، ولذلك فان كل ماذكره الجاني كاف للجزم بثبوت جريمة القتل العمد وتوفر اركانها وشروطها)) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الأتية:
الوجه الأول: صور الخطأ في شخص القتيل في الواقع اليمني:
يقع الخطأ في شخص المجني عليه في الواقع اليمني عندما يصادف طالب الثأر المطلوب الثأر منه في الشارع أو السوق أو المدرسة أو الجامعة وغيرها من الأماكن العامة فيقوم بإطلاق النار قاصداً قتل المطلوب فيصيب غير المقصود، كما يقع الخطأ في شخص القتيل عندما يتشاجر الشخص مع غيره في سوق القات أو الجامعة أو الشارع فيقوم بإطلاق النار على غريمه فيصيب غيره من المارة أو الذين تصادف وجودهم في المكان العام.
الوجه الثاني: خطورة صور الخطأ في شخص المجني عليه وتهديدها للسلم والأمن الإجتماعي:
بالنظر إلى ان غالب صور الخطأ في شخص المجني عليه تقع في الأماكن العامة كالأسواق وغيرها، وبالنظر إلى ان اهم وظائف الدولة هي حفظ الأمن العام والسكينة العامة حيث يجب على الدولة حتماً وفقاً للدستور حفظ حياة وسلامة مواطنيها ورعاياها، ولأن إطلاق في هذه الاحوال في وقوع ضحايا إلى غير المقصودين لاعلاقة لهم بالثارات والشجارات فإن هذه الحوادث توسع رقعة النزاع والصراع الاجتماعي، مما يستلزم على الدولة ان تراعي هذه المخاطر الاجتماعية في سياستها العقابية ومن ذلك قانون الجرائم والعقوبات، فالسياسة العقابية الناجحة هي التي تراعي خصوصية كل مجتمع والاخطار المحدقة بافراده لاسيما ان الاحصائيات المؤكدة تدل قطعاً على ان اليمنيين يحوزون أكثر من 75 مليون قطعة سلاح وهو اعلى معدل في العالم قاطبة، كما انه من الثابت ان اليمنيين يتجولون بالسلاح وإن كان هناك قانون ينظم حمل السلاح ولا يمنعه!!! كما ان إطلاق النار في الأسواق والأماكن العامة ظاهرة منتشرة في اليمن وتحدث بصفة يومية في كل المناطق.
الوجه الثالث: غموض موقف القانون اليمني من الخطأ في شخص القتيل:
يظهر هذا الغموض جليا من صياغة النص الذي عرف القصد الجنائي حيث نصت المادة (9) من قانون الجرائم والعقوبات على انه (يتوفر القصد إذا ارتكب الجاني الفعل بإرادته وعلمه وبنية إحداث النتيجة المعاقب عليها ولا عبرة في توفر القصد كذلك إذا توقع الجاني نتيجة إجرامية لفعله فأقدم عليه قابلاً حدوث هذه النتيجة)، وقد استند الحكم محل تعليقنا إلى هذا النص، لان الجاني قد استعمل آلة قاتلة غالباً وهي البندقية الآلية فقام بتصويبها نحو الشخص الذي كان يقصد قتله وقام بإطلاق النار عليه الا انه اصاب الشخص الذي كان جالسا خلف الشخص المقصود، حيث يظهر من إستعمال الجاني للآلة القاتلة وتصويبها إلى المقصود انه كان يقصد قتله وقد تحققت النتيجة التي ارادها الجاني وهي قتل النفس ولكن القتيل لم يكن المقصود وإنما الشخص الذي كان يبيع القات خلف المقصود، وطالما أن الجاني كان يقصد القتل فيستوي ان تتحقق النتيجة في الشخص المقصود أو غيره لان الجاني كان يقصد قتل نفس معصومة حسبما ورد في أسباب الحكم محل تعليقنا، وهذا إجتهاد سديد من الحكم محل تعليقنا عالج الغموض في النص القانوني السابق ذكره، فهذا الإجتهاد يناسب السياسة العقابية الحديثة التي ينبغي ان تواجه حالات تبادل إطلاق في الأسواق والأماكن العامة في اثناء العراكات أو حوادث الثأر ، إضافة إلى ان الجاني الذي يطلق النار في الأماكن العامة كالأسواق من المؤكد انه كان اثناء إطلاقه النار يتوقع ان يصيب غير الشخص أو الأشخاص الذي كان يقصدهم بفعله لان الأماكن العامة مكتظة بالباعة والمشتريين والمارة، فالشخص الذي يطلق النار في المكان العام يتوقع ان تصيب العيارات النارية التي يطلقها غير الأشخاص الذين كان يقصدهم، وبناءً على ذلك يكون القصد قد تحقق لدى الجاني في هذه الحالة حسبما ورد في النص القانوني السابق.
الوجه الرابع: موقف الفقه الإسلامي من الخطأ في شخص القتيل: 
اختلف الفقهاء في هذه المسألة حسبما هو مبسوط في كتب الفقه الإسلامي حيث ذهب الزيدية والحنفية الى ان القتل في هذه الحالة لا يكون عمداً ولا يعاقب القاتل بالقصاص  لان فعله هو (خطأ في النتيجة) فهو لم يقصد قتل الغير وإنما كان يقصد بفعله القاتل شخصاً آخر، فالخطأ عند هؤلاء الفقهاء على اقسام خطأ بالفعل وخطأ في النتيجة وخطأ في الفعل والقصد معا، فالخطأ في القصد نوع من انواع الخطأ تكون عقوبته الدية وليس القصاص لانه من انواع القتل الخطأ، في حين تذهب طائفة اخرى من الفقهاء إلى أن الخطأ في شخص المجني عليه أو القتيل من قبل الفاعل يكون قتلا عمدا لانه قد قصد قتل نفس معصومة وقد تحققت النتيجة التي قصدها بفعله مما يجعله مستحقاً للقصاص، وقد أخذ الحكم محل تعليقنا بهذا القول حسبما هو ظاهر في أسباب الحكم،والله اعلم.