دور القرائن في نفي القصاص - في القانون اليمني
*دور القرائن في نفي القصاص*
*أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين*
*الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء*
➖➖➖➖➖
*▪️للقرائن القضائية دورها في نفي القصاص وان كان قانون الإثبات اليمني لا يثبت القصاص بها، وقد تناول هذه المسألة الحكم الصادر عن الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 4/11/2018م في الطعن رقم (61845)، الذي ورد ضمن أسبابه (هذا ولدى التأمل لتلك المناعي التي اثارها الطاعنون أولياء الدم تجد الدائرة انها إعادة للخوض والجدل في موضوع تقدير الأدلة والوقائع في القضية في حين ان المعلوم قانوناً وفقهاً وقضاءً ان محكمتي الموضوع تستقل بتقدير الأدلة ووزنها ودرجة الدليل فيها ومن ثم تحديد مقدار العقوبة ولا تعقب عليهما المحكمة العليا ما دامت محكمة الموضوع قد اعملت المعايير القانونية إعمالاً صحيحاً مطابقاً لما في الواقع وكان له أصل في الأوراق وفي الواقع حيث ناقشت محكمة الموضوع وذكرت في اسبابها ان الإصابة التي وقعت في حي المجني عليه بعيار ناري واحد في رقبته مدخله من الجهة اليمنى ومخرجه من الجهة اليسرى وفقاً للتقرير الطبي وكذا التقرير الامني والصور الفوتوغرافية المحرزة في ملف القضية فهي قرينة قضائية معتبرة على ان مصدر الإصابة قد داخله الشك للإحتمال ان ذلك العيار الناري الذي إصاب المجني عليه لم يكن من الجهة التي كان المتهم الأول يطلق النار منها جواً على بعد من ستة إلى سبعة امتار من المجني عليه خاصة ان التقرير الطبي قد قرر وجود النمش البارودي في رقبة المجني عليه، فذلك دليل إثبات على ان الإطلاق على المجني عليه كان من مسافة قريبة جدا ،وقد عززت شهادات الشهود ان من حضروا مع حي المجني عليه كانوا ايضا يطلقون النار في حينه، ولذلك فان ما توصلت إليه محكمة الموضوع لا قادحً فيه)) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الأتية:*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الأول: إثبات القصاص:*
➖➖➖➖➖
*▪️القصاص في النفس عقوبة يتعذر تدارك الخطأ فيها، ولذلك فقد تشددت الشريعة الإسلامية في إثباتها وقد اتجه إلى هذه الوجهة القانون اليمني في إثباتها، فلا يثبت القصاص في الشريعة الإسلامية والقانون إلا بموجب شهادات شهود الرؤية الصريحة أو إقرار الجاني أو الشهادة على إقراره ،فالشهادة والإقرار هما الدليلان الموجبان للقصاص في القانون اليمني، وعند تطبيق هذا المفهوم على القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا نجد ان الشهود قد شهدوا بان المتهم كان يطلق النار على بعد ستة امتار من القتيل المجني عليه وفي الوقت ذاته شهد الشهود انفسهم بان المجني عليه قبل ان يقتل كان مع الجماعة التي جاءت معه كانوا أيضاً يطلقون النار على المتهم فلم يشهد الشهود بان المتهم قد صوب بندقيته في اتجاه القتيل المجني عليه واراده قتيلاً كما ان المتهم ظل طوال مراحل جمع الاستدلالات التحقيق والمحاكمة مصر على اقواله بانه كان يطلق النار في الهواء (الجو) وبناءً على ذلك لم يتوفر الدليل الموجب للقصاص.*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الثاني: اللوث المسقط للقصاص:*
➖➖➖➖➖
*▪️اللوث هو عدم القدرة على تحديد القاتل أو الإصابة القاتلة عندما يقع الإعتداء من جماعة أو بين أشخاص او جماعات لا يتحقق في فعلها التمالوء أي عندما يتصادف وجود الجماعة أو الأشخاص او الجماعات في مسرح الجريمة من غير إتفاق مسبق على فعل الإعتداء، وبتطبيق هذا المفهوم على القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا نجد ان اللوث قد تحقق في تلك القضية حيث ثبت بشهادات الشهود ان المتهم وقت وقوع جريمة القتل كان يطلق النار وثبت في الوقت ذاته ان المجني عليه والجماعة المرافقة له كانوا يطلقوا النار ولم يتبين لمحكمة الموضوع الشخص القاتل.*
➖➖➖➖➖
*▪️الوجه الثالث: القرائن النافية للقصاص:*
➖➖➖➖➖
*▪️ظل المتهم في القضية التي تناولها الحكم ظل في مركز المتهم بالقتل العمد منذ إحالته من النيابة العامة إلى محكمة أول درجة، لانه تبادل اطلاق النار مع المجني عليه وجماعته ولم تكن معه جماعة غيره، والقاعدة ان الجنايات التي تقع في الشخص الاخر أو الجماعة الاخرى هي من الجماعة المتعاركة أو المشتبكة معها، إلا أن محكمة الموضوع قد استدلت من القرائن المصاحبة للواقعة الى ان الطلقة النارية التي اصابت المجني عليه لم تكن صادرة من سلاح المتهم، لان المكان الذي كان المتهم يطلق النار منه يبعد اكثر من ستة متر من المكان الذي كان يقف فيه المجني عليه، في حين ان تقرير المعمل الجنائي قد اكد ان الطلقة التي اصابت المتهم كانت من خلف المجني عليه الذي كان في مواجهة المتهم، لان النمش كان ظاهراً إلى جوار مدخل الطلقة والنمش لا يظهر إلا إذا كان إطلاق النار ملاصق للمجني عليه أو تقل مسافة الإطلاق عن متر إضافة إلى ان مدخل الطلقة كان في الاتجاه المعاكس للمتهم علاوة على ان اقوال الشهود قد تواترت على ان المتهم كان يطلق النار في الهواء، ولذلك فقد توصلت محكمة الموضوع إلى ان الطلقة القاتلة للمجني عليه لم تصدر من سلاح المتهم، والله اعلم.*
