حجية تقرير الخبرة قبل المحاكمة

حجية تقرير الخبرة قبل المحاكمة

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
➖➖➖➖➖➖

▪️في حالات كثيرة يسعى بعض الأشخاص للحصول على مستندات وادلة اخرى قبل اللجوء إلى القضاء، وذلك مسلك حميد إذا ألتزم الشخص الضوابط القانونية ،إلا أنه في بعض الحالات يقوم بعض الاشخاص بتدبير ادلة دعاويهم بطريقة مغلوطة، ومن ذلك حصولهم على تقارير خبرة للإستناد إليها في دعاويهم التي يعتزمون رفعها إلى القضاء، فهذه التقارير الصادرة قبل المحاكمة لا حجية لها حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 27/11/2011م في الطعن رقم (47113) الذي قضى بانه (اما تقرير المختبر المركزي المقدم من الطاعن والذي يحتج به على عدم جودة الاسمنت موضوع النزاع فلم يتم إعداده اثناء الخصومة بين الطرفين وفقاً للمادة (165) إثبات وهو ما قضى به الحكم المطعون فيه، فليس في ذلك مخالفة للقانون أضف إلى ذلك ان الاسمنت الذي تم فحصه من قبل المختبر المركزي بناءً على طلب مؤسسة... هو اسمنت مصري كما جاء في التقرير المذكور، والمطعون ضدها ليست المستورد الوحيد في اليمن لذلك النوع من الإسمنت المصري من الشركة المصرية المنتجة  لذلك النوع في تلك الفترة بل هناك تجار اخرون يستوردون  ذلك النوع من الإسمنت من الشركة المصرية المنتجة لذلك النوع ،ولذلك فان الإسمنت الذي تم فحصه لايعني بالضرورة أنه من الكمية التي استوردها التاجر المطعون ضده) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الآتية:
➖➖➖➖➖➖

▪️الوجه الأول: السند القانوني للحكم محل تعليقنا:


▪️استند الحكم محل تعليقنا في قضائه بعدم حجية تقرير الخبرة الصادر قبل المحاكمة استند إلى المادة (165) إثبات التي نصت على انه (على المحكمة في المسائل الفنية كمسائل الطب والهندسة والحساب وغيرها مما يدق فهمه أن تعين خبيراً (عدلاً) أو اكثر من المؤهلين علمياً وفنياً أو ممن لهم خبرة خاصة المشهورين بذلك لتسعين بهم في كشف الغامض من هذه المسائل مما يفيد إثبات الواقعة المراد إثباتها ويجب على المحكمة ان تذكر في قرارها بياناً دقيقاً لمأمورية الخبير والآجل المضروب لإيداع تقريره فيه وتكليف الخبير بتقديم تقرير بما ادت اليه ابحاثه في الموعد المحدد ويجوز ان يتفق الخصوم على خبير عدل أو اكثر تعينهم المحكمة بناءً على طلبهم كما يجوز ان يختار كل من الخصمين خبيراً (عدلاً) على ان تختار المحكمة خبيراً (عدلاً مرجحاً) وعند التأمل في النص القانوني السابق ذكره نجد ان تقرير الخبرة الصادر قبل المحاكمة يخالف ما ورد في هذا النص حيث ان التقرير الصادر قبل المحاكمة لايصدر بموجب تكليف من المحكمة المختصة للخبير إضافة إلى ان ذلك التقرير يصدر من غير ان تتبع المحكمة الإجراءات المقررة في المادة (165) إثبات مثل تحديد مهمة الخبير وغيرها من الإجراءات المتبعة عند تكليف الخبير، كما لا يتمكن الخصوم من إبداء ملاحظاتهم على تقرير الخبير بل من غير علمهم كما لايتم الالتزام عند إعداد التقرير الصادر قبل المحاكمة بالإجراءات المتبعة عند انتداب المحكمة للخبير او بإلاجراءات  التي تحددها المحكمة عند تنفيذ الخبير لمهمته بإشراف المحكمة التي عينته.
➖➖➖➖➖➖

▪️الوجه الثاني: عدم حيادية تقرير الخبرة السابق للمحاكمة:


▪️تقرير الخبير السابق على المحكمة يصدر بناءً على طلب احدالخصوم وليس بموجب تكليف من المحكمة، إضافة الى أنه يصدر من غير أن يلتزم الخبير بالاجراءات المنظمة لاعمال الخبرة في قانون الإثبات، ولذلك فان تقرير الخبرة في هذه الحالة لاتتوفر فيه الضمانات والإجراءات المحددة قانوناً المذكورة في المادة (165) إثبات، إضافة إلى انه يصدر في غير مواجهة الخصم الآخر وحتى من غير ان يتمكن  الخصم  من الإعتراض على الخبير او تقديم ملاحظاته على تقرير الخبير، ولذلك فان التقرير الصادر قبل المحاكمة يكون في الغالب غير محايد او غير متوازن.

➖➖➖➖➖➖

▪️الوجه الثالث: حالات يكون تقرير الخبرة قبل المحاكمة حجة:


▪️هناك حالات يكون فيها تقرير الخبرة الصادر قبل المحاكمة حجة، وهي الحالات التي يحدد القانون أنها كذلك، حيث تنص بعض القوانين على وجوب قيام المختصين في بعض الجهات بفحص بعض الاشخاص أو الاشياء أو التفتيش عليها ورفع تقارير تتضمن نتائج الفحص أو التفتيش  مثل التقارير المحاسبية الصادرة عن جهاز الرقابة والمحاسبة وهيئة المواصفات والمقاييس المتضمنة نتائج فحصها للمواد عند دخولها من المنافذ الرسمية، وكذا التقارير الصادرة عن الجهات المكلفة بالتفتيش على المحلات التجارية والادارية وكذا التقارير الطبية المتضمنة نتائج الفحص الطبي للمصابين الذين يتم إسعافهم إلى المستشفيات ،فهذه التقارير لها حجيتها القانونية لانها تصدر بمقتضى القوانين التي اوجبت صدورها وحددت الأشخاص الذين يقومون بإعدادها والاجراءات الواجب عليهم إتباعها عند تنفيذهم لمهامهم، كما نصت القوانين وحددت اجراءات صدور تلك التقارير وكيفية التظلم منها.
➖➖➖➖➖➖

▪️الوجه الثالث: التقارير السابقة على المحاكمة وإحتمالات التحكم في العينة التي يتم فحصها:


▪️اشار الحكم محل تعليقنا في أسبابه إلى ان التقرير الصادر قبل المحاكمة طالما وهو قد صدر بناءً على مساعي الطاعن ومتابعاته فانه من المحتمل  ان تكون العينة التي تم فحصها في المختبر المركزي الحكومي  قد لاتكون من الكمية المسلمة من المطعون ضده إلى الطاعن، لأن ذلك النوع من الإسمنت يتم إستيراده  من قبل عدة تجار فلم يكن المطعون ضده هو المستورد الوحيد لذلك الإسمنت حسبما ورد في أسباب الحكم محل تعليقنا، حيث المح الحكم إلى انه من المحتمل ان تكون العينة التي تم فحصها لم تكن من الكمية التي باعها المطعون ضده إلى الطاعن وإنما قام الطاعن بأخذ عينة اخرى من اسمنت تم استيراده عن طريق تأجر آخر غير المطعون ضده، وعلى هذا الأساس فان العينة التي تم فحصها  من غير تكليف من المحكمة أو من غير إشراف الجهة المختصة قانوناً تكون نتائج الفحص عندئذ مشكوك في سلامتها، وهذا الشك يفسر لمصلحة المدين بالحق أو الالتزام، والله اعلم.