وجود اموال التركة ضمن اختصاص اكثر من محكمة

 

وجود اموال التركة ضمن اختصاص اكثر من محكمة

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

منازعات التركات من اكثر المنازعات في اليمن حيث تتولى المحكمة المختصة إجراء القسمة الجبرية بين الورثة المتنازعين، إلا أن من الإشكاليات العملية التي تحدث هو أن غالبية التركات تتوزع اموالها ضمن الاختصاص المكاني لأكثر من محكمة حيث يخشى من تضارب الاختصاص والإجراءات والاحكام، وقد اجتهد الحكم محل تعليقنا فقرر أن الاختصاص في هذه الحالة يكون للمحكمة التي يقع  في نطاق اختصاصها  المكاني  العقار الاكثر،ً ولأهمية هذا الاجتهاد فقد اخترنا التعليق على الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 19/2/2013م في الطعن المدني رقم (46858) لعام 1432هـ وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم ان ورثة اختلفوا بشأن قسمة تركة مورثهم كان من ضمنها منزل يقع في احدى المدن الرئيسية واراضي زراعية  اخرى في احدى المديريات التابعة لمحافظة اخرى، حيث قضت المحكمة الابتدائية في المدينة الرئيسية ببيع المنزل الواقع ضمن نطاق اختصاصها المكاني وقسمة ثمنه بين الورثة بحسب الفرائض والانصبة الشرعية اما قسمة الأراضي الزراعية الواقعة في احدى المديريات الريفية في المحافظة الاخرى فقد قضت المحكمة بالمدينة الرئيسية بأن الاختصاص في قسمة تلك الاراضي  ينعقد لمحكمة المديرية التي تقع الأراض الزراعية ضمن اختصاصها المكاني، وقد ايدت الشعبة المدنية الاستئنافية في  المدينة الرئيسية أيدت الحكم الابتدائي فقام بعض الورثة بالطعن بالنقض بالحكم الاستئنافي فقبلت الدائرة المدنية الطعن ونقضت الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا (ان ما قررته محكمة أول درجة في البند (2) من منطوق حكمها بإحالة الدعوى بالنسبة لبقية التركة المدعى بها إلى محكمة مديرية  .... بحسب الاختصاص المكاني وايدتها في ذلك محكمة الاستئناف، فذلك غير سديد، فالمحكمتان   الابتدائية والاستئنافية خالفتا صحيح القانون لان الاختصاص المكاني بدعوى قسمة تركة مورث الجميع بنعقد لمحكمة غرب .... وفقاً للمادة (93) مرافعات حتى لو كانت هناك عقارات تقع في نطاق اختصاص مكاني لمحاكم اخرى، وذلك للارتباط كي لا تتجزاء القضية ولا يصدر فيها أحكام مختلفة ومتعارضة  من محاكم متعددة، كما ان قسمة التركة بنظر محكمة واحدة  تيسر على الخصوم التقاضي وتسرع في الفصل في قسمة التركة الموجودة اموالها في نطاق اكثر من محكمة ، حيث تتولى القسمة محكمة واحدة عملاً بالقاعدة القانونية التي تقرر بأن قواعد الارتباط تعلو على قواعد الاختصاص ولو كانت من النظام العام والتي لأجلها قرر القانون الدفع بالإحالة للارتباط وفقا لاحكام المادة (184) مرافعات  حيث تختص المحكمة التي يقع في نطاقها العقار الاكثر قيمة بقسمة التركة كلها حتى لو كانت  العقارات والاموال  الاخرى تقع في دوائر الاختصاص  المكاني  لمحاكم اخرى للارتباط ،وتستطيع المحكمة التي تقوم بالقسمة كلها ان تحصل على ما يلزم لها للفصل في القضايا المتربطة باتباع طريق إنابة المحاكم الاخرى في القيام بما تحتاج اليه من إجراءات قضائية وغير قضائية كالمعاينات وسماع الادلة وإجراء الإعلانات والحجوزات اللازمة وكذا القيام بالحصر والمساحة وكل ما يلزم وستقوم المنابة بما انيبت به وإرساله إلى المحكمة المعنية) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الأتية :

الوجه الأول : مقتضيات قسمة التركات :

تقتضي قسمة التركات حصر الورثة ثم حصر كافة موجودات التركة من منقولات وعقارات وتثمينها وحصر كافة الديون والالتزامات القائمة على التركة وإجراء القسمة والمخارجة في ضوء ذلك  وتحرير الفصول، وإجراءات القسمة متداخلة ومرتبطة ومتعلقة ببعضها البعض مما يجعل الاختصاص  بنظرها من قبل محكمة واحدة هو الاصوب والاسلم اذا تمت القسمة جبراً بنظر القضاء.

الوجه الثاني : معيار تحديد المحكمة المختصة بنظر قسمة اموال التركة في حالة تفرق اموال التركة بين اكثر من محكمة :

سبق القول انه من الغالب ان تقع اموال التركة ضمن نطاق الاختصاص المكاني لاكثر من محكمة، وقد تكون هذه الاموال عقارات او منقولات، وسبق ان ذكرنا بإيجاز الاعتبارات التي تجعل الاختصاص بقسمتها منوط بمحكمة واحدة، وهذا الأمر يقتضي تحديد المعيار الذي يتم الاعتماد عليه في تحديد المحكمة المختصة بكل مفردات وتفاصيل قسمة التركة، ويمكن الاشارة إلى ذلك بإيجاز كما يأتي :

1-     عقارات التركة : في الغالب تكون العقارات هي الاكثر ثمناً لا سيما في الوقت الراهن حيث ان قيمة العقارات هو المعيار في تحديد المحكمة المختصة بنظر قسمة العقارات بل وقسمة المنقولات، وفي هذا الشأن نصت المادة (93) مرافعات على أنه (في المنازعات المتعلقة في العقارات يكون الاختصاص للمحكمة التي يقع في دائرتها العقار كله او بعضه الاكبر قيمة) لان العقار او العقارات الاكبر قيمة تمثل المال الاكبر من اموال التركة وتتعلق به غالبية مصالح واهتمامات واشكاليات وخلافات الورثة، ولذلك فان العقارات الاقل قيمة التي تقع ضمن الاختصاص المكاني لمحاكم اخرى تختص بقسمتهاالمحكمة التي يقع ضمن اختصاصها العقار الاكبر قيمة التي تباشر إجراءات القسمة للعقارات كلها التابعة للتركة.

2-     منقولات التركة : كالنقدية والأوراق المالية والبضائع والسيارات والناقلات ...الخ، ففي بعض الاحيان تشكل هذه المنقولات غالبية مكونات التركة لا سيما بالنسبة للتجار، والمنقولات من اسمها لا تكون ثابتة في مكان معين، ولذلك وقياساً على ما ورد في المادة (93) مرافعات فان المحكمة المختصة بقسمتها جبراً هي المحكمة التي يقع ضمن اختصاصها المكاني  المحل التجاري للشركاء الورثة او موطن الشخص الذي يدير او يتاجر بهذه المنقولات اويحوزها، واذا كانت المنقولات هي الأكثر قيمة فان المحكمة المختصة بالقسمة هي تلك المحكمة التي تقع المنقولات الاكبر قيمة  ضمن نطاق  اختصاصها المكاني حيث تختص هذه المحكمة بقسمة كافة المنقولات الاخرى الاقل قيمة بل حتى العقارات الاقل قيمة لا سيما اذا كانت اثمان هذه  العقارات هامشية قياساً بقيمة المنقولات مثل ان  تكون العقارات في القرى.

الوجه الثالث : إشكالية توثيق وتسجيل الفصول التي تتضمن عقارات ضمن النطاق المكاني لاكثر محكمة :

يتضمن الفصل الخاص بكل وارث عقارات تقع ضمن الاختصاص المكاني لمحاكم مختلفة غير  تلك التي تولت اجراء القسمة، ومعلوم ان الورثة يسعون الى توثيق هذه الفصول لدى اقلام التوثيق المختصة كما انهم يسعون الى تسجيلها في السجل العقاري، فهذا الامر يثير اشكالية تحديد قلم التوثيق المختص وكذا السجل العقاري المختص، ولذلك فالاولى ان يتم توثيق وتسجيل الفصول لدى قلم التوثيق في المحكمة التي تولت القسمة وتسجيل الفصول أيضاً لدى السجل العقاري الذي تقع المحكمة التي اجرت القسمة ضمن اختصاصه إلا أنه من المناسب جداً بالنسبة للعقارات التي تقع ضمن اختصاص محاكم اخرى او سجل عقاري اخر أن يقوم الشخص الذي كلفته المحكمة بتحرير وثائق القسمة ان يقوم بنزع تلك العقارات من الفصول حتى يتمكن الوارث من تسجيل وثيقة النزع لدى المحكمة المختصة مكانياً، اما المنقولات فلا يلزم في العصر الحاضر ذكرها في الفصول لان الورثة يقومون  باستلامها وتحرير استلامات بها او سندات قبضها لان الفصول تكون خاصة بالعقارات وبعض المنقولات كالجنابي والسلاح والسيارات التي يتوجب على الوارث الذي الت اليه اثبات ملكيتها لها عند التصرف فيها.

الوجه الرابع : تطبيق قواعد الارتباط عند انتشار أموال التركة في النطاق المكاني لاكثر من محكمة :

 لغرض تولي محكمة واحدة قسمة التركة قرر الحكم محل تعليقنا أنه ينبغي تطبيق قواعد الارتباط في حالة وقوع اموال التركة في النطاق المكاني لمحاكم مختلفة حيث يتم ابداء الدفع أمام المحكمة التي قد تنظر في قسمة العقارات الاقل قيمة لإحالة الموضوع إلى المحكمة التي يقع في نطاق اختصاصها العقار الاكثر قيمة، وقد استند  الحكم محل تعليقنا إلى المادة (184) مرافعات التي نصت على أنه (اذا كان النزاع او ما يرتبط به مطروحاً أمام محكمتين مختصتين وجب ابداء الدفع بالإحالة أمام المحكمة التي رفع اليها النزاع اخيراً واذا كانت احدى المحكمتين غير مختصة وجب ابداء الدفع امام المحكمة غير المختصة وعلى المحكمة ان تحدد للدعوى أمام المحكمة الاخرى جلسة لنظر ذات النزاع او لنظر القضية المرتبطة بها).

الوجه الخامس : قواعد الارتباط تعلو على قواعد الاختصاص :

قرر الحكم محل تعليقنا ان قواعد الارتباط بين القضايا تعلو على قواعد الاختصاص، بمعنى ان تكون قواعد الارتباط هي  الواجبة التطبيق حتى لو ترتب على ذلك تعطيل بعض قواعد الاختصاص لغرض تلافي اجراءات واحكام متناقضة في قسمة التركات عندما تتم بنظر المحاكم المختلفة التي تقع اموال التركة ضمن اختصاصها المكاني.

الوجه السادس : استعانة المحكمة التي تقوم بالقسمة بغيرها :

اشار الحكم محل تعليقنا الى انه يمكن للمحكمة التي تقوم بالقسمة والتي يقع في نطاق اختصاصها العقارات الاكثر قيمة يمكنها الاستعانة بالمحاكم الاخرى التي تقع ضمن اختصاصها العقارات الاخرى، حيث يحق لتلك المحاكم ان تنيب المحاكم الاخرى في القيام ببعض اجراءات القسمة كمساحة العقارات وتحديد اثمانها واجراء الحجوزات وغير ذلك، وقد استند الحكم محل تعليقنا في قضائه في هذه المسألة الى قواعد الانابة المنصوص عليها في المادة (101) مرافعات التي نصت على أنه (يجوز للمحكمة التي تنظر الدعوى ان تنيب محكمة اخرى للإعلان القضائي او القيام بأي اجراء من اجراءات التحقيق وعلى المحكمة المنابة قبول الإنابة وفقاً لاحكام القانون)، والله اعلم.