الصلح بعد حجز القضية للحكم


 الصلح بعد حجز القضية للحكم

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين 

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

من المعلوم ان تصالح الخصوم بعد حجز القضية للحكم يعني إنتهاء الخلاف بين الخصوم،ولكن ذلك لايعني إنتهاء القضية المحجوزة للحكم فيها من قبل المحكمة، ولذلك ينبغي على الخصوم المتصالحين ان يقدموا إلى المحكمة  طلب فتح باب المرافعة حتى يتسنى لهم تقديم وثيقة الصلح أمام هيئة المحكمة للمصادقة عليها وإعتبار القضية منتهية بالصلح واعتبار الصلح سنداً تنفيذاً،إلا أن بعض الخصوم يتصالحوا  اثناء حجز القضية للحكم دون ان يطلبوا من المحكمة فتح باب المرافعة حيث تستمر المحكمة في إجراءات المداولة ثم تقوم لاحقا  بإصدار الحكم دون ان تتصل بوثيقة الصلح ، وقد تناول هذه المسألة الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 12/5/2018م في الطعن رقم (61132)، وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم ان الخصوم تصالحوا بعد ان قررت المحكمة الابتدائية قفل باب المرافعة وحجز القضية للحكم وبعد ذلك قامت المحكمة الابتدائية بالنطق بالحكم دون ان تعلم بالصلح، فقام احد الخصمين باستئناف الحكم الابتدائي فدفع الخصم الآخر بسبق الفصل في القضية بصلح برضاء الطرفين وإعترافهما  إلا أن الشعبة الشخصية رفضت الدفع وقضت بتأييد الحكم الابتدائي، غير ان الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا حكمت بنقض الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا (وعند تأمل الدائرة في أوراق القضية فقد وجدت ان الحكم المطعون فيه قد جانب الصواب وذلك بعدم مناقشته ما اثير في عريضة الاستئناف بشأن التصالح الذي تم بين الطرفين اثناء حجز القضية من قبل المحكمة الابتدائية، فما عللته الشعبة الاستئنافية تعليل عليل حيث لم تتأكد من ثبوت التصالح بين الطرفين من عدمه، فالصلح غير مقيد بمدة محددة بل يجوز التصالح في أية مرحلة كانت عليها الدعوى مما يجعل الحكم المطعون فيه معيباً بالبطلان يجب نقضه وإعادة ملف القضية إلى محكمة الاستئناف للحكم فيها مجدداً). وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الأتية : 

الوجه الأول: ماهية الصلح بين الخصوم وحجيته: 

بحسب ماهو مبسوط في كتب الفقه الإسلامي والقانون المدني فان الصلح عقد ملزم يرفع النزاع ويحسمه، وبما ان الصلح عقد فانه يجب ان تتوفر فيه كافة اركان العقد وشروطه وتترتب عليه كافة أثار العقد بما فيها  الزامية العقد وحجيته على الخصوم اطراف عقد الصلح، فالعقد شريعة المتعاقدين  ملزم لأطرافه فيجب عليهم تنفيذه بحسن نية حسبما ورد في القانون المدني، ونخلص من هذا الوجه إلى القول: أن الصلح ينهي النزاع بين طرفيه وانه يجب عليهما تنفيذه(تفسير آيات الاحكام،ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين،ص302 ).

الوجه الثاني: الإجراءات الواجب إتباعها عند تصالح الخصوم بعد قفل المحكمة لباب المرافعة وقبل صدور الحكم: 

اذا تصالح الخصوم في هذه الحالة فانه يجب عليهما وقد انهوا الخلاف بينهم بالصلح فيجب عليهم ان يطلبوا من المحكمة فتح باب المرافعة وان يرفقوا بطلب فتح باب المرافعة وثيقة اتفاقية الصلح حتى تصدر المحكمة بناء على ذلك قرارها فتح باب المرافعة فيمثل المتصالحان أمام المحكمة للمصادقة على وثيقة الصلح وإعتبارها سنداً تنفيذياً والحكم بإنتهاء القضية بالصلح.

الوجه الثالث: الإجراءات الواجب على المتصالحين إتباعها إذا لم يقدموا طلب فتح المرافعة حتى صدر الحكم: 

 اذا لم يطلب الخصوم فتح باب المرافعة حتى صدر الحكم وكان الصلح قد تم بينهم قبل صدور الحكم، فالواجب عليهما المثول امام محكمة الاستئناف للمصادقة على اتفاقية الصلح، لان المحكمة الابتدائية في هذه الحالة قد استنفذت ولايتها بصدور الحكم الابتدائي، ولذلك ورد في حكم المحكمة العليا انه كان يجب على الخصوم المتصالحين المثول امام محكمة الاستئناف للمصادقة على اتفاقية الصلح المبرمة فيما بين الطرفين بمناسبة نظر خصومة الاستئناف لاسيما ان الطرفين لم ينكرا حصول التصالح، فان اقر الخصوم  امام محكمة الاسئناف وصادقا على حصول ذلك العقد فعندئذ تقوم المحكمة بالمصادقة على إتفاقية الصلح وإعتبارها سنداً تنفيذياً وان عارض ذلك احد الخصمين فتحكم المحكمة بالزام الخصوم بتنفيذ الصلح طالما وهما لم ينكرا وقوع الصلح بينهما عملاً بالنصوص القانونية الواردة في القانون المدني التي توجب على المتعاقدين تنفيذ عقد الصلح. 

الوجه الرابع: جواز الصلح في أية مرحلة من مراحل التقاضي: 

صرح بذلك الحكم محل تعليقنا حيث ذكر أن ما توصل اليه الحكم الاستئنافي غير موافق للقانون حينما قضى بانه كان يجب على الخصوم التصالح قبل تمام المداولة وقبل صدور الحكم، فقضى الحكم محل تعليقنا بجواز الصلح في أية مرحلة من مراحل التقاضي سواء قبل حجز القضية للحكم او بعدها وقبل صدور الحكم الابتدائي اوبعد صدوره  فيجوز أن يتم  أمام محكمة الاستئناف بل انه يجوز الصلح أمام المحكمة العليا عن طريق تقديم طلب من الخصمين إلى المحكمة بانهما قد تصالحا وتنازل الطاعن منهما عن طعنه، وقد لاحظنا ذلك في كثير من احكام المحكمة العليا، والله اعلم.