جناية الحيوان على المزروعات

 

جناية الحيوان على المزروعات

أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الاستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة صنعاء 

من الافعال التي يتكرر وقوعها في اليمن جنايات الحيوانات على المزروعات والنباتات, ومن المعلوم على وجه اليقين ان الحيوان لا يسأل عن فعله لأنه ليس اهلا للمسئولية الجنائية والمدنية, الا ان حائز الحيوان هو المسئول عن الجنايات التي تقع من  الحيوان, فمن المتصور ان يتوسل الشخص العاقل بالحيوان لارتكاب جريمة مثل السرقة بواسطة قرد مدرب او ارسال كلب لعض انسان او حيوان او تعمد ارسال اغنام الى مزرعة للغير لإتلاف مزروعاتها حيث يعتبر المستعمل للقرد او الكلب او الصقر او الثعبان  او  الاغنام هو الفاعل وليس الحيوان ؛ ويطلق شراح القانون الايطالي على الفاعل في هذه الحالة (بالفاعل المعنوي) في حين يطلق عليه الفقه الاسلامي والقانون اليمني (الفاعل بالواسطة) ولمناقشة هذا الموضوع نجد انه من المناسب التعليق على الحكم الصادر عن الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 17/4/2011م في الطعن الجزائي رقم (40551) لسنة 1432هـ وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم ان النيابة العامة اتهمت احد المواطنين بانه اتلف نباتا غير مملوك له وذلك بأن انزل اغنامه عمدا لترعى في مزروعات الذرة والسمسم التي قام بزراعتها جاره مما ادى الى   الاضرار بتلك المزروعات وطلبت النيابة من المحكمة الحكم على المتهم بالعقوبة المقررة في المادة (321) عقوبات المقررة على اتلاف النباتات, وقد حكمت محكمة اول درجة بإدانة المتهم بالجريمة المنسوبة له وهي الاضرار بنبات مملوك للغير والحكم عليه بالغرامة للخزينة العامة بالإضافة الحكم عليه بتعويض المجني عليه عن المزروعات التي اتلفتها الاغنام بما يقدره خبيران عدلان, فلم يقنع صاحب الاغنام بهذا الحكم  حيث قام باستئناف الحكم الابتدائي الا ان محكمة الاستئناف ايدت الحكم الاستئنافي  ايدت الحكم حيث قام صاحب الاغنام بالطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي وذلك امام المحكمة العليا حيث ذكر في طعنه ان الحكم الاستئنافي قد خالف الشريعة والقانون حينما حكم على الانسان بعقوبةعن فعل قام به  الحيوان كما ان الحيوان لا يسأل جنائيا او مدنيا حسبما ذكر في طعنه ؛ الا ان المحكمة العليا رفضت الطعن واقرت الحكم الاستئنافي المطعون فيه ؛ وقد جاء في اسباب حكم المحكمة العليا (اما من حيث الموضوع فقد وجدت الدائرة ان الطاعن قد نعى على الحكم المطعون فيه بانه  قد خالف قواعد المسئولية الشخصية عن الفعل الجنائي حيث ذكر الطاعن عدم جواز رفع دعوى جزائية ونظرها ضد انسان نتيجة لفعل حيوان ؛ وحيث ثبت تسبب الطاعن بالضرر الذي لحق بمزروعات الغير بواسطة أغنامه التي انزلها في ارض المجني عليه لرعي المزروعات فالدائرة تجد ان الطاعن قد كرر في عريضة الطعن بالنقض ما سبق له ان ذكره في عريضة الاستئناف ؛وقد ناقشت محكمة الاستئناف ذلك حيث ذكرت بان المتهم قد قال امامها ان الارض التي انزل الاغنام اليها ليست مملوكة لاحد ولذلك فان المتهم هو الفاعل بالواسطة, مما يستوجب رفض الطعن وتأييد الحكم) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب الاوجه الاتية :

الوجه الاول : استعمال الحيوان في الجريمة (الفاعل بالواسطة) :

الحيوان ليس اهلا للمسئولية الجنائية, ولأنه كذلك فان المسئول عن جناية الحيوان هو الانسان العاقل الذي يستعمل الحيوان  في الجريمة ؛ فمن اغرى او حرش كلبا او ثورا او خروفا ناطحا او قردا او غيره للجناية على  الانسان او حيوانات اخرى او مزروعات  الغير فانه يكون مسئولا جنائيا مسئولية تامة عن اية جنايات تحدثها تلك الحيوانات حيث يعتبر المستعمل  للحيوان هو الفاعل لهذه الافعال الجرمية أي جنايات الحيوانات التي استعملها في الجريمة ؛ حيث يطلق عليه في الفقه الاسلامي وقانون الجرائم والعقوبات اليمني (الفاعل بالواسطة) في حين يطلق عليه في القانون الايطالي (الفاعل المعنوي) لان الحيوان الذي يتم استعماله في الجريمة يكون  بمثابة الالة بيد الانسان الذي يستعمله ؛ وفي هذا المعنى نصت المادة (21) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني على انه (يعد فاعلا من يحقق سلوكه عناصر الجريمة ويشمل ذلك المتمالئ الموجود على مسرح الجريمة وقت حدوثها ويعد فاعلا بالواسطة من يحمل على ارتكاب الجريمة منفذا غير مسئول, هذا ولو تخلفت لدى الفاعل بالواسطة صفة يشترطها القانون في الفاعل) وعلى هذا الاساس فقد تمت محاكمة الشخص الذي انزل اغنامه لترعى مزروعات غيره تمت محاكمته ومسائلته جنائيا عن فعل او جناية الاغنام وتم الحكم عليه بعقوبة الغرامة باعتباره فاعلا بالواسطة ومسئولا عن تعويض الاضرار التي لحقت بمزروعات الغير وفقا لما هو مقرر في المادة (321) عقوبات التي نصت على ان (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة او بالغرامة من هدم اوخرب او اعدم او اتلف عقارا او منقولا او نباتا غير مملوك له)

الوجه الثاني : المسئولية المدنية عن جناية الحيوان :

من خلال المطالعة للحكم محل تعليقنا نجد ان محكمة الموضوع قد حكمت بالتعويض المدني لصاحب المزروعات عن الاضرار التي لحقت بمزروعاته جراء جناية الاغنام عليها, والمسئولية المدنية عن فعل الحيوان يتحملها الشخص الحائز  لهذه الاغنام, ومن خلال المطالعة للحكم محل تعليقنا نجد ان الاغنام كانت بحيازة الجاني او المتهم الذي انزلها الى وسط المزروعات المضرورة, ولان الاغنام غير مسئولة عن فعلها فان الحائز للحيوانات يكون هو المسئول  مدنيا عن تعويض المضرور عن اية اضرار قد تلحق بالغير من فعل الحيوان, وفي هذا المعنى نصت المادة (315) مدني على ان (حائز الحيوان ولو لم يكن مالكا له مسئول عما يحدث الحيوان من ضرر بسبب تقصيره ولو ظل منه الحيوان او تسرب مالم يثبت ان الحادث كان بسبب اجنبي لا يد له فيه)

الوجه الثالث : جناية الحيوان في الشريعة الاسلامية :

اتفق الفقه الاسلامي على ان الشخص الذي يستعمل الحيوان في فعله الاجرامي يكون مسئولا جنائيا ومدنيا عن الافعال والاضرار التي يحدثها الحيوان ؛ لان الحيوان ليس من اهل التكليف وليس اهلا للمسئولية الجنائية والمدنية, ولذلك فان الشخص الذي يستعمل الحيوان يكون بمثابة الفاعل للفعل الذي يحدثه الحيوان المستعمل في الجريمة, كما ان هذا الشخص الذي يستعمل الحيوان او يكون في حيازته يكون مسئولا مدنيا عن تعويض الاضرار التي تقع بسبب الحيوان الذي يكون في حيازته ؛ وقصة داوود وسليمان عليهما السلام خير شاهد على ذلك؛ حيث قال الله تعالى (وداوود وسليمان اذ يحكمان في الحرث اذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكل اتينا حكما وعلما) فقد قال المفسرون ان الغنم دخلت الى الزرع وكان عنبا مثمرا فأفسدته؛ فحكم داوود عليه السلام بالغنم لصاحب الزرع (العنب) تعويضا عن اعنابه التي كان عناقيدها مثمرة فقال سليمان عليه السلام لأبيه داوود : غير هذا يا نبي الله, قال: وما ذاك؟ قال: تدفع الكرم (العنب) الى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان وتدفع الغنم الى صاحب الكرم فيصب منها حتى اذا عاد الكرم كما كان دفعت الكرم الى صاحبه ودفعت الغنم الى صاحبها, فذلك الحكم هو معنى قوله تعالى (ففهمناها سليمان) ؛ والله اعلم.



تعليقات

عدد الزوار