عدم جواز التظلم من قرارات التنفيذ
عدم جواز التظلم من قرارات التنفيذ
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون –
جامعة صنعاء
يصرح
الحكم محل تعليقنا بأنه لا مجال لاستعمال طريق التظلم في مواجهة قرارات تنفيذ
الأحكام في النظام القانوني اليمني، في حين أن ذلك جائز في بعض الانظمة القانونية
العربية والأجنبية، ولا شك أن هناك اعتبارات جعلت القانون اليمني يسلك هذا المسلك
ومن اهمها الحيلولة دون إطالة إجراءات التنفيذ وتعقيدها باعتبار تنفيذ الاحكام هي
الثمرة التي طال انتظار الحصول عليها من
قبل صاحب الحق، ومع ذلك فان هناك من لا يفرق بين التظلم الجائز في اثناء
إجراءات التقاضي وبين التظلم من قرارات التنفيذ، ولذلك فقد اخترنا التعليق على
الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ
27/1/2010م في الطعن المدني رقم (36817) لسنة 1430هـ وتتلخص وقائع القضية التي
تناولها هذا الحكم أن المحكمة الابتدائية شرعت في تنفيذ الحكم البات الصادر عن
المحكمة العليا الذي قضى بتسليم المحكوم لها البناء الذي اقامه المنفذ ضده على
الأرض المملوكة لها فقام المنفذ ضده بالرد على طلب التنفيذ بان الشقة الخلفية لا
تدخل ضمن البناء المحكوم به بموجب الحكم الجاري تنفيذه فردت طالبة التنفيذ بان تلك
الشقة داخلة ضمن ما قضى به الحكم سند التنفيذ فقررت محكمة التنفيذ دخول الشقة
المشار اليها والتنفيذ عليها فقام المنفذ ضده بتقديم تظلم من قرار المحكمة
الابتدائية المشار اليه فنظرت المحكمة في التظلم واصدرت قراراً بقبول التظلم وقصر
التنفيذ على الثلاثة دكاكين والشقة المقامة فوقها وعدم التنفيذ على الشقة الخلفية محل النزاع، فقامت طالبة التنفيذ باستئناف هذا القرار أمام محكمة
الاستئناف لان القرار المستأنف فيه قد مس أصل الحق المحكوم به أو مس موضوع الحق
المحكوم به بموجب الحكم سند التنفيذ وان قاضي التنفيذ قد جاوز ولايته وبذلك يكون
الحكم منعدماً، وان القرار الصادر من قاضي التنفيذ لا يجوز التظلم منه طبقاً
للقانون وإنما يجوز فقط استئنافه أمام محكمة الاستئناف وفقاً للمادة (501)
مرافعات، ومع ذلك فلم تقبل محكمة الاستئناف الاستئناف المقدم من طالبة التنفيذ حيث
قضت الشعبة الاستئنافية بتأييد قرار المحكمة الابتدائية، وقد جاء في أسباب الحكم
الاستئنافي (حيث تبين أن الاستئناف قائم على غير أساس لان التظلم قد تضمن طلب
المتظلم من المحكمة إعادة النظر في قرارها السابق في المنازعة التنفيذية الذي
اعتبر الشقة الخلفية محلاً للتنفيذ على سند من التأويل للحكم المطلوب تنفيذه مع ان
تلك الشقة ليست محلاً للتنفيذ لان الحكم المطلوب تنفيذه لم يحكم بهذه الشقة) فقامت
طالبة التنفيذ بالطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي حيث قبلت الدائرة المدنية الطعن
ونقضت الحكم الاستئنافي، وقد ورد في حكم المحكمة العليا ( أن القرار الصادر في
التظلم جاء بالمخالفة لأحكام القانون فالقانون اليمني يجيز للخصوم الطعن في
الأحكام الصادرة في منازعات التنفيذ أمام محكمة الاستئناف خلال خمسة عشر يوماً من
تاريخ صدور القرار في المنازعة التنفيذية وعلى محكمة الاستئناف الفصل في الطعن
خلال عشرة أيام من تاريخ رفعه اليها ويجوز للخصوم الطعن في الاحكام الصادرة عن
محاكم الاستئناف أمام المحكمة العليا وفقاً للضوابط الواردة في المادة (501)
مرافعات ، وما ذهبت اليه المادة السابقة الذكر يؤكد أن النظام القانوني اليمني لا
يعرف نظام التظلم المعمول به في بعض الأنظمة العربية فالتظلم المعروف هو التظلم من
الخطأ في وصف الحكم لا على موضوع الحكم فضلاً عن أن المحكمة في تلك الانظمة التي
تختص بنظر التظلم في وصف الحكم هي المحكمة الاستئنافية وفقاً للإجراءات المعتادة
لرفع الاستئناف فتقتصر سلطة المحكمة التي يرفع اليها التظلم على بحث صحة وصف الحكم
فلا يجوز ان تتعرض لما قضى به الحكم في الموضوع، كما أنه من الثابت في أوراق
القضية أن القرار التنفيذي الثاني الصادر فيما يسمى بالتظلم جاء مخالفاً للقانون
من حيث أن هذا القرار قد عدّل في موضوع الحكم السند التنفيذي وهذا غير جائز
قانوناً ، فكان يجب على المحكمة توجيه الخصوم باتباع الإجراءات القانونية بشأن
الطعن في القرار التنفيذي أمام محكمة الاستئناف خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ صدور
القرار، ولذلك فان الحكم الاستئنافي المطعون فيه قد خالف القانون بتأييده لقرار
المحكمة الابتدائية المخالف للقانون الصادر في التظلم والذي حكم بشيء جديد فيما
قرره خارجاً عن السند التنفيذي، وهذا غير جائز قانوناً فالسند التنفيذي يعد دليلاً
كافياً على وجود الحق الموضوعي وهذا السند هو الدليل القانوني لإثبات الحق حسبما
نصت عليه المادة (326) مرافعات التي اشترطت للتنفيذ وجود سند تنفيذي والقيام
بالإجراءات اللازمة لتنفيذه) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في
الأوجه الاتية :
الوجه الأول : طريق التظلم في القانون اليمني :
ذكر الحكم محل
تعليقنا أن طريق التظلم من قرارات التنفيذ ليست مقررة في القانون اليمني حيث أن
طريق التظلم مقررة في قانون المرافعات بالنسبة للأوامر على عرائض والأوامر الوقتية
وأوامر الأداء وذلك في اثناء إجراءات نظر القضية وقبل الفصل فيها بحكم تنتهي به
ولاية المحكمة حيث تقتضي طبيعة تلك الاوامر أن يتم تقديم التظلمات منها إلى القاضي
الموضوعي الذي ينظر في النزاع حيث يقوم بالنظر في التظلمات ويترتب على ذلك في
الغالب ان تتحول الإجراءات الى دعوى موضوعية كما هو الحال في أمر الاداء فيقوم
القاضي الموضوعي بماله من ولاية في النظر
والفصل فيها بحكم موضوعي منهي للنزاع.
الوجه الثاني : لا يجوز في القانون اليمني سلوك طريق التظلم بالنسبة لقرارات التنفيذ :
قضى الحكم محل
تعليقنا حسبما هو مبين في أسبابه قضى بعدم جواز سلوك طريق التظلم بالنسبة لقرارات
التنفيذ لان القانون قد حدد الطريق الواجب اتباعها اذا رغب الخصوم في المنازعة
التنفيذية في الطعن بقرارات التنفيذ المخالفة للقانون، وهذه الطريق هي طريق
استئناف القرارات التنفيذية المخالفة أمام محكمة الاستئناف، وتبعاً لذلك فلا سبيل
لسلوك طريق التظلم لان القانون ذاته قد حدد الطريق الواجب اتباعها وهي طريق الاستئناف،
وعلى هذا الاساسً فليس هناك سند قانوني
للتظلم من القرارات التنفيذية، فاذا تم سلوك التظلم في هذه الحالة فان ذلك يكون
مخالفاً للقانون ويبطل الإجراءات والقرارات التي تترتب على التظلم مثل قرار
المحكمة الذي يفصل في التظلم وحكم محكمة الاستئناف المؤيد له مثلما قضى حكم
المحكمة العليا محل تعليقنا، وصفوة القول أنه وفقاً للقانون اليمني لا يجوز الجمع
بين طريقي الاستئناف والتظلم من قرارات التنفيذ.
الوجه الثالث : التظلم من قرارات التنفيذ وتعطيل إجراءات التنفيذ اطالة اجراءات التقاضي وتوصيتنا في هذا الشان:
من خلال مطالعة
إجراءات التظلم أمام محكمة التنفيذ في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا يظهر
بجلاء تام الاثار المترتبة على التظلم في قرارات التنفيذ وكيف صدر قراران متناقضان
وكيف ترتب على ذلك إطالة إجراءات التنفيذ وتعقيدها حتى وصلت إلى المحكمة العليا،
فهذه الوضعية توضح الاعتبارات العملية التي جعلت القانون اليمني يمنع التظلم من
قرارات التنفيذ سواء أمام قاضي التنفيذ أو أمام محكمة الاستئناف، فما زالت
الاستشكالات أو المنازعات التنفيذية الكيدية تعيق إجراءات تنفيذ الاحكام ولا شك ان
السماح بالتظلم في مرحلة التنفيذ سوف يترتب عليه اضافة معوقات جديدة تعيق إجراءات
التنفيذ وتعطلها، ولذلك فانه من الانسب إلى الواقع في اليمن منع التظلم من قرارات
التنفيذ، ولذلك فاننا نوصي المحكمة العليا بما لها من الصلاحيات المقررة في قانون
السلطة القضائية بان تصدر منشورا او تعميما توكد فيه عدم جواز التظلم من قرارات
التنفيذ، والله اعلم.
