امر النيابة الجزائي بإزالة مخالفات البناء - مدونة الاستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين

 

امر النيابة الجزائي بإزالة مخالفات البناء

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

تتنوع مخالفات البناء وتكثر وتنتشر في كل الشوارع والساحات تقريباً مثل وضع الاكشاك والصنادق والبسطات والسيارات العائلة وخزانات المياه ومخلفات البناء...الخ ولاريب أن هذه المخالفات  تحتاج إلى تعامل خاص يراعي وموازنة دقيقة بين حق الدولة في تنظيم البناء واستعمال المرافق العامة كالشوارع والساحات وبين الظروف الإجتماعية والإقتصادية للمخالفين وهم شريحة واسعة ليس لها من مصدر رزق سواء مباشرة اعمالها البسيطة والهامشية على الأرصفة والساحات وحواف الشوارع، وكذلك الحال بالنسبة لبعض المساكن العشوائية، ولذلك فقد أوجدت القوانين المختلفة طرق قانونية عدة للتعامل مع هذه المخالفات, فهناك طريق اداري لمواجهة بعض هذه المخالفات عن طريق الجهة الإدارية المختصة وهي المكاتب التابعة لوزارة الاشغال العامة وكذا طريق الأوامر الجزائية التي تصدرها النيابة العامة بمقتضى القانون العام للمخالفات مثل فرض الغرامة على المخالف  ورد الشيء إلى أصله، بالإضافة إلى طريق اللجوء إلى القضاء في مواجهة بعض المخالفات، وبمناسبة هذا التعليق الموجز سوف نقتصر على الإشارة إلى طريق الأوامر الجزائية التي تصدرها النيابة العامة بإزالة مخالفات البناء اوإعادة الحال إلى ما كان عليه او رد الشى إلى اصله ، حسبما قضى الحكم محل تعليقنا، وهو الحكم الصادر عن الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 23/2/2013م في الطعن رقم (46054)، وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم: ان نيابة المخالفات اصدرت ستة أوامر جزائية جميعها برقم واحد ضد ستة مخالفين تضمنت هذه الأوامر تغريم كل واحد منهم مبلغ الفي ريال في الحق العام مع الزامهم بإزالة الصنادق التي قاموا ببنائها في الشارع العام حسبما هو مبين في الخريطة المرفقة (الاستكش) المرفق بمذكرة الأشغال العامة، فتقدم الأشخاص الستة بإعتراضاتهم على الأوامر الجزائية السابق ذكرها إلى المحكمة الابتدائية المختصة التي حكمت بتأييد الأوامر الجزائية السابق ذكرها الصادرة عن نيابة المخالفات وانه لا يجوز استئناف الحكم ويحق الطعن فيه امام المحكمة العليا، فقام المعترضون الستة بالطعن بالنقض في الحكم حيث قبلت الدائرة الجزائية الطعن ونقضت الحكم الابتدائي، وقد جاء ضمن اسباب حكم المحكمة العليا (فان من أهم ما ورد في اسباب الطعن إهمال المحكمة أدلة الطاعنين وعدم تطبيق القانون التطبيق السليم لانهم ساكنون قبل تخطيط الشارع وعند تخطيط الشارع العام تمت ازاحتهم إلى الخلف وتمت سفلتت الشارع ولا مشكلة فيه حيث اصدر المجلس المحلي في المديرية القرار الإداري الذي أكده وصادق عليه محافظ المحافظة بإزاحة الصنادق للخلف وتمت سفلتت الشارع أي ان الطاعنين قد التزموا بإزالة المخالفة حيث انتقلوا إلى خلف الشارع الذي تمت سفلتته ولذلك فان النيابة العامة والمحكمة قد تجاوزتا ذلك وتجاهلتا مستندات وأدلة الطاعنين فلم تناقش تلك الوثائق المهمة الصادرة من الجهات المختصة (مدير المديرية ومحافظ المحافظة) كما لم تراع المحكمة ان الطاعنين ساكنون وقامت الدولة بتوصيل خدمات الكهرباء والماء إلى بيوتهم (الصنادق) كما ان هذه بيوت مبنية من البلوك ولم تعد صنادق أو عشش حسبما ورد في الحكم، والدائرة تجد ان ما نعاه الطاعنون صحيح وله أصله الثابت في الأوراق ومن ذلك مستندات قدمها الطاعنون، المستند الأول عبارة عن قرار الهيئة الإدارية للمجلس المحلي للمديرية بشأن الطلب المقدم من الطاعنين الخاص بإزاحتهم إلى خلف الطريق وقد تضمن انه تمت المصادقة على الطلب وذلك بإزاحتهم إلى خلف شارع... وتم تكليف رئيس لجنة الخدمات ومدير الاشغال بتنفيذ القرار، والمستند الثاني هو خطاب رئيس المجلس المحلي للمديرية إلى مدير عام الأشغال العامة بشأن موضوع الصنادق المشار اليها وتضمنت انه تم النزول بمعية محافظ المحافظة وبرفقته اعضاء المجلس المحلي إلى الموقع المذكور وانه تم الاتفاق على إزاحة الصنادق المذكورة إلى الخلف حتى يتسنى للمقاول إستكمال سفلتت الشارع وأنه قد تم إزاحة الصنادق الى الخلف مع بقاء ثلاثة امتار حرماً بينهم وبين صاحب الأرض الواقعة إلى جوارهم كما وردت مستندات أخرى تفيد ان الطاعنين بعد إزاحتهم الى خلف الشارع لم يعودوا مخالفين لان الصنادق صارت خارج نطاق الشارع) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الأتية :

الوجه الأول : ماهية الأوامر الجزائية الصادرة عن النيابة بإزالة مخالفات البناء :

الأمر الجزائي الصادر عن النيابة العامة بإزالة مخالفات البناء هو : قرار قضائي يصدر من احد وكلاء النيابة العامة بعد الإطلاع على الأوراق في غير حضور الخصوم وبدون محاكمة، ويدخل هذا الأمر في مفهوم الحكم القضائي، فالأمر الجزائي ليس عملاً ولائياً أو أمر على عريضة يصدر في غيبة الخصم وإنما هو بمثابة حكم قضائي، ويصدر هذا الأمر بموجب المادة (11) من قانون الأحكام العامة للمخالفات الذي نص على ان (يتولى اعضاء النيابة العامة الذين يحددهم النائب العام اصدار الأوامر الجزائية في المخالفات التي يحددها كل في دائرة اختصاصه، والعقوبات التي يمكن توقيعها بناء على الفقرة السابقة هي الغرامة التي لا تتجاوز نصف الحد الادنى المقرر للمخالفة والمصادرة ورد الشيء إلى أصله)وترجع فكرة الأوامر الجزائية الى مرجعها الاصلي وهو أوامر الاداء التي تصدر إذا كان الحق معين المقدار حال الاداء خاليا من النزاع حيث تصدر أوامر الاداء من غير محاكمة فكذلك الحال بالنسبة للاوامر الجزائية التي تصدرها النيابة العامة من غير محاكمة إذا كانت المخالفات ظاهرة للعيان فليست محلا للنزاع(الاحكام والاوامر الجنائية،المستشار معوض عبد التواب ،ص408).

الوجه الثاني : سلطة النيابة العامة في الأمر الجزائي بإزالة مخالفات البناء :

من خلال مطالعة الحكم محل تعليقنا لاحظنا ان الأمر الجزائي الصادر من النيابة العامة قد قضى بإزالة المخالفات وليس رد الشيء إلى أصله حسبما ورد في النص القانوني، والواقع ان عقوبة الإزالة مرادفة لرد الشيء إلى اصله، حيث يترتب على إزالة مخالفة البناء رد الشارع إلى اصله قبل وقوع المخالفة، وسبب إستعمال الأمر الجزائي الصادر عن النيابة مصطلح (إزالة المخالفة) يرجع إلى ان وكيل النيابة قد استعمل مصطلح الإزالة الوارد في قانون البناء الباب السابع (العقوبات) المواد من (66 حتى 71) ألتي ورد فيها مصطلح (الازالة) بدلا عن مصطلح رد الشى إلى اصله.

الوجه الثالث : الإعتراض على الأمر الجزائي الصادر من النيابة بإزالة مخالفات البناء :

من خلال المطالعة للحكم محل تعليقنا نجد ان الطاعنين بالنقض قد سبق لهم الإعتراض على الأمر الجزائي امام المحكمة الابتدائية المختصة التي رفضت اعتراضهم وقضت بتأييد الأمر الجزائي، فالأمر الجزائي يكون قابلاً للإعتراض عليه امام المحكمة الابتدائية التي تكون بمثابة محكمة طعن (استئناف) بالنسبة للأمر الجزائي، ولذلك لا يجوز استئناف الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية الذي يفصل في الإعتراض وإنما يجوز الطعن فيه بالنقض امام المحكمة العليا مثلما حصل في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا، وفي هذا المعنى نصت المادة (12) من قانون الأحكام العامة للمخالفات على انه (للمخالف الإعتراض على الأمر خلال سبعة أيام من تاريخ العلم به بتقرير يودع دائرة كتاب المحكمة الابتدائية المختصة وتحدد جلسة لنظر الإعتراض يخطر بها المعترض في الحال فاذا لم يحضر الجلسة المحددة اعتبر تنازلاً عن اعتراضه واصبح الأمر واجب التنفيذ اما اذا حضر فينظر الاعتراض بالإجراءات المعتادة ويجوز للمحكمة تشديد الجزاء كما يجوز لها توقيع غرامة على المعترض اذا لم يكن اعتراضه صحيحاً لا تتجاوز ثلاثة الف ريال ويكون الأمر الذي يصدر في الاعتراض نهائياً).

الوجه الرابع : مراعاة حق الدفاع عند اصدار الأمر والنظر في الاعتراض عليه :

قضى الحكم محل تعليقنا بنقض الحكم الابتدائي الذي فصل في الاعتراض لانه لم يناقش المستندات المقدمة من الطاعنين بالنقض التي تدل على انهم قد ازالوا المخالفة بالطريق الإداري وانتقلوا إلى خلف الشارع، لان تجاهل المحكمة الابتدائية لذلك تعطيل لحق الدفاع لا سيما وان تلك الادلة جوهرية يترتب عليها تغيير وجه الحكم في القضية، فيجب على النيابة قبل ان تصدر الأمر الجزائي أن تتحقق من أن المخالفة ثابتة وظاهرة وليست محل نزاع ويجب على النيابة ان تتثبت من توفر كافة المستندات التي تدل على وقوع المخالفة ونسبتها للمخالف ويجب على النيابة ان تبين النصوص القانونية التي خالفها المخالف واوجه مخالفته لها لاسيما ان النيابة تقوم باصدار الأمر في غيبة المخالف،فينبغي  أن لايغيب عن بال النيابة أن الأمر الجزائي الذي تصدره أمرا قضائيا مثله في ذلك مثل حكم المحكمة تترتب عليه الآثار ذاتها التي تترتب على الحكم القضائي،كما يجب على المحكمة الابتدائية حينما تنظر اعتراض المخالف ان تراعي وتحترم كافة إجراءات المحاكمة وحقوق الدفاع ومبادى المحاكمة العادلة، لاسيما وهي في هذه الحالة محكمة طعن، وقد صرحت بذلك تعليمات النائب العام بمصر (الأحكام والأوامر الجنائية، المستشار معوض عبدالتواب، صـ408)، والله اعلم.



تعليقات

عدد الزوار