إشكالية احتساب النصاب القيمي للاستئناف في القانون اليمني
خلافًا لقوانين الدول الأخرى، ذهب قانون المرافعات اليمني إلى تحديد النصاب القيمي للاستئناف على أساس قيمة الشيء المحكوم به وليس أساس قيمة الدعوى التي صدر فيها الحكم، فقد كانت المادة (86) من قانون المرافعات اليمني تنص قبل تعديلها على أن: (يكون الحكم الابتدائي غير قابل للاستئناف في الأحوال الآتية: -2- إذا كان المحكوم به لا يتجاوز مائتي ألف ريالًا في المسائل المدنية)، وقد زاد هذا المبلغ في تعديلات (يناير 2021م) إلى خمسة ملايين ريالًا، فقد صارت هذه المادة تنص بعد تعديلها على أنه: (يكون الحكم الابتدائي غير قابل للاستئناف في الأحوال الآتية: -٣- في المسائل المدنية إذا كان المحكوم به لا يتجاوز خمسة ملايين ريال).
ومعنى ذلك أن النصاب القيمي للاستئناف في القانون اليمني يتحدد على أساس المبلغ المحكوم به وليس على أساس قيمة الدعوى، فإذا كان المدعي قد ادعى أمام المحكمة الابتدائية مطالبًا المدعى عليه بمليار ريالًا بحسب تقدير المحكمة لقيمة الدعوى، وقام المدعي بتقديم الأدلة على صحة مطالبته لذلك المبلغ، بيد أن الحكم الابتدائي الصادر في الدعوى قضى للمدعي بمبلغ مليون ريالًا فقط، ففي هذه الحالة لا يجوز للمدعي استئناف الحكم الابتدائي وفقًا للمادة (٨٦) قبل تعديلها، وبعد تعديلها لا يجوز له استئناف الحكم، ولكن يجوز له الطعن في الحكم الابتدائي مباشرة أمام المحكمة العليا، ولا شك أن في مسلك القانون اليمني مساسًا خطيرًا بحقوق المدعي إذا كانت دعواه صحيحة ولديه الأدلة على ذلك، ولكن القاضي الابتدائي أخطأ في حكمه، فكان الواجب أن يسمح القانون للمدعي أن يعيد طرح دعواه أمام محكمة الاستئناف باعتبارها محكمة موضوع وأن يعيد طرح أدلته وأن يقدم أدلته الجديدة أمام محكمة الاستئناف، ولا بأس بعد ذلك أن يكون حكم الاستئناف نهائيًا.
وقد لمس هذه الإشكالية إمام شراح قانون المرافعات العلامة الأستاذ الدكتور فتحي والي الذي صرح بأن العبرة في تحديد الاختصاص القيمي للاستئناف تكون بقيمة الدعوى وليس بالمحكوم به، فقال العلامة فتحي والي: (العبرة بقيمة الدعوى وليس بحكم قاضي أول درجة أو وصفه: فالعبرة في تقدير نصاب الاستئناف هي بقيمة القضية وليس بما يحكم به القاضي، وأساس ذلك أنه لو نظر القاضي إلى قيمة الحكم لاستطاع القاضي جعل أحكامه كلها غير قابلة للاستئناف، وذلك عن طريق تجزئة قراره في الدعوى الواحدة أو الحكم فقط بما يدخل في نصابه النهائي، ولنفس العلة فإن قابلية الحكم للاستئناف لا ترتبط بالتكييف الذي يعطيه قاضي أول درجة لحكمه، فمثلًا لو وصف هذا القاضي حكمه بأنه انتهائي فلا يمنع هذا الوصف من استئناف الحكم لو كان يقبله، كذلك لو وصف حكمه بأنه ابتدائي فإن هذا الوصف لا يجعله قابلًا للاستئناف لو كان لا يقبله، فليس لقاضي أول درجة أن يغير وصف الحكم كما يحدده القانون، فإن فعل، كان من سلطة المحكمة الاستئنافية تحديد الوصف الصحيح) (فتحي والي - الوسيط - ص 713).
وقد كشف الحكم محل تعليقنا عورة المادة (٨٦) مرافعات التي حددت النصاب القيمي على أساس المبلغ المحكوم به وليس على أساس قيمة الدعوى، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 30-1-2014م في الطعن رقم (53911)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وحيث إن الطاعن وزوجته قد نعوا على الحكم الاستئنافي أنه رفض استئنافهما بحجة أن المبلغ المحكوم به لهما في الحكم الابتدائي أقل من النصاب القيمي للاستئناف المقرر في المادة (٨٦) مرافعات، مع أن المبلغ الذي كانا يطلباه في دعواهما أمام المحكمة الابتدائية كان أكثر من مائة وستين ألف دولار وفقًا لاتفاقية وارسو للنقل الجوي التي انضمت إليها اليمن، والدائرة: تجد أن هذا النعي مردود بأن المبلغ المحكوم به في الحكم الابتدائي كان أقل من النصاب القيمي المحدد بالفقرة (٢) من المادة (٨٦) مرافعات، فهذا النص واضح وصريح في تحديد النصاب القيمي على أساس المحكوم به وليس على أساس قيمة الدعوى)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول:
تقدير المحكمة الابتدائية قيمة الدعوى قبل الحكم فيها:
من المعروف عند شراح قانون المرافعات أن الغرض من تقدير قيمة الدعوى عند رفعها من المدعي هو الاستفادة من هذا التقدير في تحديد النصاب القيمي للاستئناف وليس فقط تحديد الرسوم القضائية المستحقة، وفي هذا المعنى قضت محكمة التمييز الاتحادية العراقية في حكم حديث لها قضت بأن: (تقدير قيمة الدعوى عند إقامتها يعد ركنًا جوهريًا لتحديد النصاب القيمي ولتقرير ما إذا كان الحكم قابلًا للاستئناف أم للتمييز فقط، وذلك عملًا بأحكام قانون المرافعات. فإذا أغفل المدعي تقدير قيمة الدعوى، فإن الحكم الصادر فيها لا يكون قابلًا للطعن بالاستئناف، وإنما يكون قابلًا للتمييز مباشرة … وهذا ما استقر عليه قضاء المحكمة - القرار المرقم 1973/الهيئة الاستئنافية عقار/2025 والمؤرخ في 24/3/2025م).
علمًا بأن قانون المرافعات العراقي ينص على أن الحكم الابتدائي الذي لا يتجاوز النصاب القيمي لا يتم استئنافه ولكن يتم الطعن فيه أمام محكمة التمييز مثل النص اليمني، غير أن القانون العراقي يقرر أن العبرة بقيمة الدعوى وليس بقيمة المحكوم به خلافًا لما ذهب إليه القانون اليمني.
وبشأن تقدير المحكمة الابتدائية لقيمة الدعوى فقد نصت المادة (85) مرافعات يمني على أن: (أ - تقدر قيمة المدعى به إذا كان مجهول القيمة عند رفع الدعوى بكل ما فيه من الأعيان والحقوق والعناء بسعر الزمان والمكان وقت رفع الدعـوى بمعرفة المحكمة ولها أن تستعين في تقدير ذلك بخبير.
ب - إذا كانت الدعوى غير قابلة للتقدير القيمي فتعتبر زائدة على النصاب الانتهائي لاختصاص المحاكم الابتدائية الذي يقبل الطعن بالاستئناف.
ج- القرار الصادر بتقدير المدعى به لا يقبل الطعن استقلالًا بأي طريق من طرق الطعن.).
ومع أن من أهداف تقدير قيمة المدعى به عند رفع الدعوى تحديد نصاب المحكوم به عند صدور الحكم، حيث يكون ذلك التقدير أساسًا لتحديد قيمة المحكوم به، إلا أنه من المسلم به أن نصاب المحكوم به لا يتحدد بالفعل إلا عند صدور الحكم المتضمن الشيء المحكوم به، لأن المحكمة عندما تصدر حكمها في الحق المدعى به لا تحكم بالضرورة للمدعي بالقيمة كلها التي سبق لها أن قدرتها عند رفع الدعوى، فقد يظهر للمحكمة أثناء نظر الدعوى أن المدعي لا يستحق كل الحق السابق تقدير قيمته، إضافة إلى أن هناك فارقًا زمنيًا بين تقدير قيمة المدعى به الذي يتم عند رفع الدعوى ووقت الحكم في الدعوى حيث تتغير قيمة الحق المحكوم به بالفعل عند النطق بالحكم أو صدور الحكم، بيد أن لا يجوز حرمان المدعي من استئناف الحكم أمام محكمة الدرجة الثانية.
الوجه الثاني:
النصاب القيمي للاستئناف في القانون اليمني وتوصينا للمقنن اليمني:
يتحدد النصاب القيمي للاستئناف وفقًا لما ورد في المادة (86) مرافعات المعدلة عام ٢٠٢١م التي نصت على أنه: (يكون الحكم الابتدائي نهائيًا غير قابل للاستئناف وقابلًا للطعن أمام المحكمة العليا في الأحوال الآتية:
١- في قضايا الأحوال الشخصية الصادرة بشأن النفقات والزواج والطلاق والفسخ والحضانة والرؤية والكفالة.
٢- في قضايا الإيجارات والشفعة والأحكام الصادرة في التظلمات من أوامر الأداء وفي الاختصاص.
٣- في المسائل المدنية إذا كان المحكوم به لا يتجاوز خمسة ملايين ريالًا.
٤- في المسائل التجارية إذا كان المحكوم به لا يتجاوز عشرة ملايين ريال.
٥- في قضايا الفسخ المرفوعة ضد الزوج الغائب يجب على النيابة العامة فور استلامها نسخة الحكم بالفسخ عرضه على المحكمة العليا وتعتد المرأة من تاريخ استلام نسخة الحكم الصادر من المحكمة العليا ولا يقبل الطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن).
والظاهر من النص القانوني السابق أنه يصرح أن العبرة في تحديد النصاب القيمي للاستئناف تكون بالمبلغ المحكوم به في الحكم الابتدائي وليس بقيمة الدعوى أو الأشياء التي كان يطالب بها المدعي قبل صدور الحكم الابتدائي.
ومؤدى ذلك حرمان المدعي المحق في دعواه من إعادة طرح دعواه أمام محكمة الدرجة الثانية وهي محكمة موضوع (الاستئناف)، سيما أن الدستور وقانون المرافعات يصرحا بأن التقاضي يكون على درجتين هما المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف، وهذا هو جوهر الإشكالية محل تعليقنا.
في حين أن قانون المرافعات المصري وغيره قد تجاوز هذه الإشكالية حينما نص في المادة (٢٢٣) على أن: (النصاب القيمي للاستئناف يتحدد بذات قيمة الدعوى أمام محكمة أول درجة وفقًا لطلبات المدعي الأخيرة).
وقد علق على هذا النص إمام شراح قانون المرافعات العلامة الأستاذ الدكتور فتحي والي قائلًا: (العبرة بقيمة الدعوى وليس بحكم قاضي أول درجة أو وصفه: فالعبرة في تقدير نصاب الاستئناف هي بقيمة القضية وليس بما يحكم به القاضي، وأساس ذلك أنه لو نظر إلى قيمة الحكم لاستطاع القاضي جعل أحكامه كلها غير قابلة للاستئناف، وذلك عن طريق تجزئة قراره في الدعوى الواحدة أو الحكم فقط بما يدخل في نصابه النهائي، ولنفس العلة فإن قابلية الحكم للاستئناف لا ترتبط بالتكييف الذي يعطيه قاضي أول درجة لحكمه، فمثلًا لو وصف هذا القاضي حكمه بأنه انتهائی فلا يمنع هذا الوصف من استئناف الحكم لو كان يقبله، كذلك لو وصف حكمه بأنه ابتدائي فإن هذا الوصف لا يجعله قابلًا للاستئناف لو كان لا يقبله، فليس لقاضي أول درجة أن يغير وصف الحكم كما يحدده القانون، فإن فعل، كان من سلطة المحكمة الاستئنافية تحديد الوصف الصحيح) (فتحي والي - الوسيط - ص 713)، وقد سلكت غالبية القوانين العربية مسلك القانون المصري في هذا الشأن.
وعلى هذا الأساس فإننا نوصي المقنن اليمني بتعديل المادة (٨٦) مرافعات السابق ذكرها حتى تكون العبرة في تحديد النصاب بقيمة الدعوى على غرار النص المصري وغيره، وكذا نوصي المقنن اليمني بتعديل النص المشار إليه حتى يسمح باستئناف تلك الأحكام بدلًا من الطعن بها مباشرة أمام المحكمة العليا، ويكون حكم الاستئناف في هذه الأحوال نهائيًا. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالاستئناف الجزء الثاني، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء، طبعة ٢٠٢٦م صنعاء، ص٥٦)، والله أعلم.