آثار إنكار المستأجر ملكية المؤجر

آثار إنكار المستأجر ملكية المؤجر – توضيح قانوني لنزاع الملكية في العلاقة الإيجارية

آثار إنكار المستأجر ملكية المؤجر

عقد الإيجار المبرم فيما بين المؤجر والمستأجر حجة على الطرفين وخلفهما من بعدهما، فعقد الإيجار يتضمن إقرار المستأجر بأن العين المؤجرة مملوكة للمؤجر، وأنه قد قام باستئجارها على هذا الأساس، فلو لم تكن العين مملوكة للمؤجر لما قام المستأجر باستئجارها. 
 فعقد الإيجار إقرار صريح من المستأجر بان العين او الارض المؤجرة ملك لمالكها المؤجر لها، وهذا الاقرار ملزم للمستأجر وخلفه من بعده، ومعنى ذلك ان انكار المستأجر او خلفه العام او الخاص ملكية المؤجر مكذوب بعقد الايجار السابق للإنكار، وان هذا الانكار دليل على فساد وسوء نية المستأجر او خلفه واستحقاقهم للعقاب في الحياة الدنيا والاخرة، فقوانين دول العالم كافة تجرم انكار المستأجر ملكية المؤجر، لان انكار المستأجر او خلفه ملكية المؤجر يخل بالثقة العامة، اما في اليمن بلد الايمان والحكمة بلد السلب والنهب والغصب والشطارة والمغالطة فالأمر مختلف فقد سكت القانون اليمني سكوتا مريبا. 
ومؤدى ذلك أنه لا يجوز للمستأجر او خلفه من بعده مهما طالت مدة إجارته أو انتفاعه التمسك بالثبوت والحيازة في مواجهة المالك المؤجر او منازعة المؤجر في ملكيته للعين المؤجرة أو إنكار ملكية المؤجر للعين، ومن اثار انكار المستأجر ملكية المؤجر انه يؤدي الى التعجيل بفسخ عقد الايجار واعتبار المستأجر جاحدا وغاصبا والزامه بإخلاء العين، ويجيز للمؤجر ان يرفع دعوى مستعجلة لاسترداد حيازته للعين المؤجرة من المستأجر الجاحد، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٩/١/٢٠١٤م، وذلك في الطعن رقم (٥٣٩١٠)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار إليه: (ذلك ان التزام المستأجر بدفع الايجار التزام اصيل مقابل انتفاعه بالعين، فلا يحتاج الى تنبيه، اضافة الى ان المستأجر قد نازع المؤجر في صفته وملكيته)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الأول: قبول المستأجر بعقد الايجار اقرار بملكية المؤجر للعين المؤجرة: 

قيام المستأجر باستئجار العين من المؤجر أو وكيله أو من يمثله إقرار صريح وقاطع من المستأجر بأن المؤجر هو المالك الشرعي للعين المؤجرة، لأن الإجارة أو عقد الإيجار يتضمن التصريح بأن التعاقد قد تم بين المؤجر فلان بصفته المالك الشرعي للعين المؤجرة وبين المستأجر لها، وعلى هذا الأساس فإن عقد الإيجار بمثابة إقرار من المستأجر بملكية المؤجر للعين المؤجرة. 

الوجه الثاني: الآثار المترتبة على وجود عقد إيجار فيما يتعلق بثبوت ملكية المؤجر: 

تترتب على وجود عقد إيجار فيما بين المؤجر والمستاجر فيما يتعلق بهذه الناحية تترتب على ذلك عدة آثار من أهمها: 
1- لا يجوز للمستأجر أن ينازع المؤجر في ملكية العين المؤجرة، لأنه قد سبق المستأجر أن أقر بموجب عقد الإيجار أن المؤجر هو المالك الشرعي للعين المؤجرة، فإذا انكر المستأجر او نازع المؤجر في ملكية العين المؤجرة، فللمؤجر أن يدفع دعوى المستأجر بسبق ما يكذبها محضاً كما يستطيع ان يرفع دعوى مستعجلة لاسترداد حيازته للعين من المستأجر المنكر. 
2- لا يجوز للمستأجر إنكار ملكية المؤجر للعين المؤجرة او الإدعاء بأن العين ملك لشخص آخر غير المؤجر. 
3- لا يجوز للمستأجر أن يتمسك بالحيازة والثبوت في مواجهة المالك المؤجر، لأن من شروط الحيازة أو الثبوت أن لا يكون الحائز مقراً للمالك بملكيته للعين. 
4- يترتب على عقد الإيجار ثبوت أو حيازة المالك المؤجر للعين المؤجرة، لأن المؤجر هو المالك الظاهر على العين المؤجرة، فالمؤجر هو المتصرف في العين المؤجرة، ومن تصرفاته في العين قيامه بتأجيرها للمستأجر، فضلاً عن أن المستأجر يحوز العين المؤجرة باسم المؤجر ولحسابه، (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الإيجار الجزء الثالث، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء، طبعة ٢٠٢٦م صنعاء، ص١١٨).

الوجه الثالث: نطاق حجية عقد الايجار في اثبات ملكية العين المؤجرة: 

من المعلوم أن حجية العقد قاصرة على اطرافه وخلفهما، ولذلك فان عقد الإيجار حجة قاطعة في مواجهة المستأجر وخلفه، حسبما سبق بيانه، ولذلك فان الوسيلة المناسبة والكافية لمواجهة ادعاءات المستأجر او خلفه بشأن ملكية العين المؤجرة الوسيلة المناسبة هي إبراز المؤجر المالك لعقد الإيجار سيما إذا كان المستأجر أو اسلافه قد قاموا ببيع العين الى المالك المؤجر أو اسلافه وقام المشتري بتاجيرها من البائع وتبقت لدى المستاجر وثائق ملكية متعلقة بالعين المؤجرة السابق بيعها، فقد كان الشائع بين اهالي صنعاء القديمة وغيرهم من اهالي المدن شراء الاراضي من أصحابها في الارياف وإعادة تأجيرها للبائعين انفسهم . 
كذلك يكون عقد الايجار وسيلة إثبات حيازة وثبوت المستأجر على العين المؤجرة

الوجه الرابع: مفهوم انكار المستأجر ملكية المؤجر للعين المؤجرة: 

قد يكون هذا الانكار صريحا بان يذكر المستأجر او خلفه ان العين المؤجرة ليست ملكا للمؤجر او يقول المستأجر ان العين ملك لغير المؤجر او يقول المستأجر ان العين ملكه وليست ملك المؤجر، وقد يكون هذا الانكار ضمنيا بان يذكر المستأجر ان المؤجر ليس له صفة في مطالبته بالإيجار او بالإخلاء او يقوم المستأجر بمنازعة المستأجر في ملكيته للعين المؤجرة مثلما حصل في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا. 

الوجه الخامس: انكار المستأجر ملكية المؤجر في الفقه الاسلامي: 

انكار او جحود المستأجر ملكية المؤجر للعين المستأجرة: كأن يدّعي المستأجر أنه مالك العين أو ينكر معرفته بمالكها الأصلي للاستيلاء عليها، ويعد هذا الانكار في الشريعة الإسلامية جريمة مركبة وإثماً عظيماً، تترتب عليها عقوبات وأحكام شرعية مشددة لحماية الحقوق ومنع أكل أموال الناس بالباطل. 
 ويترتب على هذا الانكار انقلاب يد المستأجر من يد أمانة إلى يد غصب، لان الأصل أن يد المستأجر على العين المؤجرة هي "يد أمانة"، وبمجرد جحوده للملكية وإنكاره حق المؤجر، تنقلب يده حكماً إلى يد غصب وضمان. 
كما ان جحود الحق بعد قيام عقد الإيجار يعد خيانةً للأمانة، مما يجعل عقد الايجار عقداً فاسداً وسلوكاً محرماً. 
 ومن الاثار المترتبة على انكار المستاجر ملكية العين المؤجرة انفساخ عقد الإيجار فوراً، فيسقط حق المستأجر في الانتفاع بالعين، ويحق للمؤجر فسخ العقد واسترداد حيازة العين المؤجرة دون التزام بأي مدد إيجارية متبقية، ووجوب رد العين ويحق للمؤجر المطالبة بالإخلاء الجبري للعين، ويُلزم المستأجر بـ الرد الفوري للعين إلى صاحبها، ويحق للقاضي إخراجه منها بالقوة الجبرية. 
كما يترتب على ذلك ضمان العين المؤجرة (ضمان الهلاك والتلف)، فبما أن يد المستأجر تحولت إلى يد غصب، فإنه يضمن العين مطلقاً. لو تلفت العين أو تضررت (حتى لو بسبب آفة سماوية أو قوة قاهرة دون تفريط منه) فيلتزم المستأجر بدفع قيمتها أو كلفة إصلاحها للمؤجر، بخلاف المستأجر الأمين الذي لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط. 
كما يترتب على ذلك التزام المستأجر المنكر بدفع "أجر المثل"، فيُلزم الجاحد بدفع أجرة المدة التي غصب فيها العين بعد جحوده، وتُقدّر بـ أجر المثل (أجرة السوق السائدة للعين) عن فترة وضع يده غير المشروعة وذلك من وقت الانكار. 
واضافة الى ما سبق فانه يحق للقاضي او ولي الأمر توقيع العقوبة التعزيرية المناسبة على المستأجر الجاحد بما يراه زاجراً له ولأمثاله مثل الحبس، أو الغرامة التعزيرية، أو التوبيخ، وذلك لارتكابه معصية الغصب والكذب وإرادة التملك الباطل. 
والاخطر من كل ما سبق ان المستأجر المنكر يكون اثما يستحق العقاب الأخروي لان انكار المستأجر لحق المالك المؤجر يُعد من الكبائر؛ لقول النبي ﷺ: (مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)، وقوله صلى الله عليه واله وسلم: (مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ). (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٠ م، ص282). 

الوجه السادس: موقف القانون اليمني من انكار المستأجر ملكية المؤجر: 

في هذه المسالة سكت القانون اليمني سكوتا مريبا فلم يتعرض لهذه المسالة قانون تنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين او القانون المدني او قانون الجرائم والعقوبات، فقد ترك القانون اليمني هذه المسالة للثقافة الفاسدة السائدة في المجتمع التي تنظر لإنكار الحقوق على انه مظهر من مظاهر قوة الشخصية والرجولة وان اكل اموال الناس بالباطل نوع من الشطارة والذكاء، اما الحكم محل تعليقنا فقد كان سنده في هذه المسالة الفقه الاسلامي وليس القانون اليمني المتخاذل . 
ومع تخاذل القانون اليمني وتركه لهذه المسالة من غير نص الا انه يترتب على تطبيق القواعد العامة في القانون اليمني وجود عدة اثار تترتب على جحود المستأجر ملكية المؤجر للعين المؤجرة ومن هذه الاثار ماياتي: 

الاثر الاول: المنكر ملكية المؤجر للعين المؤجرة غاصب شرعا وقانونا: 
 لاريب ان المستأجر الجاحد ملكية الملك المؤجر غاصب للعين مجاهر في ذلك، لانه قد جحد ملكية المؤجر، ويترتب على اعتبار المستأجر غاصباً ماياتي: 
1- الزام المستأجر المنكر باخلاء العين فورا. 
2- يجوز للمؤجر المالك ان يرفع دعوى مستعجلة لاسترداد حيازته للعين من المستأجر الجاحد. 
3- إلزام المستأجر بدفع اوفر او اعلى إيجار للأعيان المماثلة للعين المؤجرة خلال الفترة التي استغل او انتفع بالعين خلالها، حسبما استقرت عليه أحكام الشرع والقضاء في اليمن. 
4- إلزام المستأجر بتعويض المؤجر عما لحقه من ضرر مادي ومعنوي بسبب انكار المستأجر ومنازعته. 
5- إلزام المستأجر بتعويض المؤجر عما فاته من كسب محقق بسبب إنكار المستأجر . 
6- إلزام المستأجر المنكر بدفع نفقات استهلاكه لخدمات العين كالماء والكهرباء والهاتف وغيرها خلال مدة الغصب
الاثر الثاني: لا حيازة ولا ثبوت للمستأجر المنكر: 
وفقاً لأحكام الحيازة والثبوت المقررة في القانون المدني فقد اشترطت للثبوت والحيازة ان لا يكون الثابت أو الحائز على العقار غاصباً لقوله صلى الله عليه وآله وسلم {ليس لعرق ظالم حق}، كما يشترط للحيازة ان يظهر الثابت أو الحائز على العقار أو الأرض بمظهر المالك، فيتصرف في العقار تصرف المالك، وهذا الشرط لا يتحقق بالنسبة للمستأجر، لأنه حتى لو ظهر على الأرض بمظهر المالك وتصرف فيها تصرف المالك فإن عقد الاجارة يكذب ظهوره ويدحضه، لان المستأجر في عقد الاجارة يقر إقرار صريحاً بأن المالك للعقار هو المؤجر وأنه مجرد مستأجر، ولذلك فقد استقر قضاء المحكمة العليا في اليمن على أنه (لا حيازة ولا ثبوت للمستأجر) وقد سبق لنا التعليق على عدة أحكام للمحكمة العليا في هذا الشأن، وقد سبق ان ذكرنا ان المنكر لملكية المؤجر في حكم الغاصب ولذلك لا يحق له التمسك بالحيازة او الثبوت مهما طالت المدة . (عقد الإيجار، د. سمير عبد السيد تناغو، منشأة المعارف الاسكندرية ٢٠٠٠م، ص١٧٣). 
الأثر الثالث: أحقية المؤجر في رفع دعوى إسترداد حيازته للأرض إذا جحد المستأجر ملكية المؤجر: 
دعوى استرداد الحيازة من الدعاوى المستعجلة بحسب المادة (240) مرافعات التي نصت على أنه: (يعتبر من المسائل المستعجلة في الحالة التي يخشى عليها من فوات الوقت ما يأتي: 2-طلب إسترداد الحيازة)، واوضحت المادة (238) مرافعات ماهية القضاء المستعجل حيث نصت هذه المادة على ان: (القضاء المستعجل حكم مؤقت بتدبير وقتي أو تحفظي يصدر في المسائل المستعجلة التي يخشى عليها من فوات الوقت دون التعرض لأصل الحق) . 
وبيان أحقية المؤجر في رفع دعوى إسترداد الحيازة في مواجهة المستأجر المنكر يقتضي الإشارة إلى الإعتداء المنشئ لدعوى إسترداد الحيازة، فيقول الأستاذ الدكتور فتحي والي في كتابه (الوسيط في قانون القضاء المدني ص98): (ان الإعتداء الذي ينشئ دعوى إسترداد الحيازة هو الذي يبلغ فيه التعرض درجة نزع يد الحائز، ففقدان الحيازة وحده الذي يؤدي إلى نشأة الحق في دعوى رد هذه الحيازة التي فقدت، والأمثلة على هذا الإعتداء كثيرة ابسطها قيام شخص بوضع يده على أرض في حيازة آخر، ويشترط لكي يؤدي فقد الحيازة إلى نشأة هذه الدعوى ان يكون هذا الفقد قد تم نتيجة لعمل لا سند له من القانون، ولهذا لا يحق للمنفذ ضده جبرياً ان يدعي بدعوى الإسترداد، فإذا تحقق شرط الإعتداء على الحيازة الذي يؤدي إلى فقدانها، فلا يشترط بعد ذلك ان يكون سلب الحيازة مصحوباً بإيذاء أو تعد على شخص الحائز، كما لا يشترط ان يكون مقترناً بالقوة أو بالإكراه، فتنشأ الدعوى وفقاً للرأي الراجح ولو حدث سلب الحيازة بالحيلة والخديعة، فالمهم ان يكون فقد الحيازة ضد إرادة الحائز ولو المفترضة) أ. هـ، وقد قضت المحكمة العليا في اليمن في عدة احكام بأحقية المالك المؤجر في رفع دعوى الإسترداد، لان المستأجر ليست له حيازة بموجب القانون على النحو السابق بيانه، وأن مجرد إنكار أو جحود المستأجر لملكية المؤجر للعين اعتداء على الحيازة الحكمية التي كانت ثابتة للمؤجر، فجحود المستأجر إعلان أو ايذان بفقدان المالك لحيازته وإدعاء المستأجر الحيازة بدلاً منه، ولذلك فقد تحقق الإعتداء على حيازة المالك المؤجر، وفي ذلك خشية من فوات حق حيازة المالك، لان المستأجر المنكر الجاحد للملكية سوف يتمسك بالحيازة في مواجهة المالك بعد جحوده، فطابع الاستعجال ظاهر، وقد قضت محكمة النقض المصرية بجواز دعوى استرداد الحيازة في مواجهة المستأجر الجاحد، وذلك في حكم مطول منشور في كتاب (الحيازة المدنية، أ. وجدي شفيق ص303). (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الإيجار الجزء الثالث، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء، طبعة ٢٠٢٦م صنعاء، ص١٢٢)، والله اعلم.