تندرج الشركة ضمن مفهوم الشخص الاعتباري أو المعنوي الذي يعرفه الفقه القانوني بأنه مجموعة من الأشخاص أو الأموال كالشركات والهيئات والمصالح وغيرها من الجهات التي تتمتع بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة عن الشركاء فيها وفقًا للقانون.
فالشركة تتمتع بالشخصية المستقلة والذمة المالية المستقلة عن الشركاء فيه أو الجهة أو الجهات التي تقوم بإنشائها، ومقتضى ذلك أنه يجب أن يكون للشركة ممثل قانوني يمثلها أمام القضاء في الدعاوى التي ترفع منها أو عليها.
ولا يستطيع الممثل القانوني تمثيل الشركة إلا إذا تحققت صفة الشركة في الدعوى، ويتحقق ذلك عندما تكون هناك علاقة للشركة بالشيء المدعى به كالملك، فلا تقبل الدعوى من غير ذي صفة أو على غير ذي صفة.
فالصفة في التقاضي هي العلاقة القانونية أو السلطة التي تخوّل الشخص مباشرة إجراءات الدعوى القضائية أمام المحاكم، سواء بصفته أصيلًا (صاحب الحق الموضوعي كالمستأجر، المالك، أو المتضرر) أو بصفته نائبًا عن غيره كالولي، الوصي، أو الممثل القانوني للشركة.
وبناءً على ذلك فإن معنى الصفة أن صاحب الحق المدعى به هو الذي يباشر الدعوى بنفسه أو عن طريق وكيله أو من ينوب عنه، وأن يكون المدعى عليه هو الذي بحوزته أو سيطرته الحق المدعى به.
فصفة الشركة في التداعي هي علاقة الشركة بالحق المدعى به، وعندما تتحقق صفة الشركة على هذا النحو فإنه ينبغي أن يباشر الدعوى الممثل القانوني للشركة، وهذه هي الصفة الإجرائية أي أن يباشر الدعوى صاحب الصفة وهو الممثل القانوني للشركة، فيقوم بتمثيلها أمام القضاء بنفسه أو عن طريق محامٍ يوكله.
وغالبًا ما تباشر الشركة أعمالها عن طريق شبكة فروع تتبعها داخل الدولة وخارجها، بيد أن الشركة لها شخصية اعتبارية واحدة لا تتجزأ ويستتبع ذلك أن تكون لها صفة واحدة لا تتبعض وأن يكون لها ممثلًا قانونيًا واحدًا لا يتعدد، وبناءً على ذلك فإن فرع الشركة تكون له الصفة الإجرائية في رفع الدعوى أو الرد عليها إذا كانت الدعوى متعلقة بنشاط الفرع، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٨/٥/٢٠١٤م، في الطعن رقم (٥٤٣٩٣)، فقد ورد ضمن أسباب هذا الحكم: (ولا جدال في أن فرع البنك له صفة في رفع الدعوى أو في مواجهة الدعوى المرفوعة عليه وفقًا للمادة (٣٦) مرافعات التي تنص على أن (موطن الشركات والجمعيات والمؤسسات القائمة أو التي في طور التصفية هو مركز إدارتها الرئيسي، ويعتبر مقر فرعها موطن لها في المسائل المتعلقة به، والأوراق تعلن إلى موطن المدعى عليه تبعًا لذلك)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: عدم تجزئة الشخصية الاعتبارية الواحدة للشركة:
تتمتع الشركة بشخصية اعتبارية واحدة بكل إدارتها وفروعهت، فمن غير المتصور أن تتعدد الشخصية الاعتبارية للشركة الواحدة.
وهناك تعريفات عدة للشخصية الاعتبارية، فهناك من يعرفها بأنها: مجموعة من الأشخاص أو الأموال يجمعها غرض واحد، ويكون لهذه المجموعة شخصية قانونية لازمة لتحقيق هذا الغرض، منفصلة عن شخصية المكونين أو المنتفعين بها.
ويذهب بعض الفقه إلى تعريف الشخصية الاعتبارية بأنها “مجموعة من الأشخاص أو الأموال تتحد من أجل تحقيق غرض معين، ومعترف لها بالشخصية القانونية، وهو كيان له إدارات وفروع تمارس عملًا معينًا وفقًا لما محدد في نظم الشخص الاعتباري.
وبناءً على ذلك فإن فرع الشركة ليس له شخصية اعتبارية مستقلة عن الشركة التي يتبعها، فقد سبق القول إنه من غير المتصور أن تتعدد الشخصية الاعتبارية للشخص الاعتباري الواحد.
الوجه الثاني: وحدة الممثل القانوني للشركة:
الممثل القانوني الشركة هو: الشخص الطبيعي الذي ينوب عن الشركة ويمثلها أمام القضاء ويطالب بحقوقها ويدافع عن مصالحها وحقوقها.
كما أنه يمثلها في كافة الأعمال والتصرفات أمام الجهات الإدارية، ويتكلم باسمها ويعبر عنها في تصريف أعمالها لتحقيق أهدافها والمحافظة على أموالها ومصالحها ووجودها وذلك وفقًا لأحكام القانون.
وقد يكون الممثل القانوني للشركة رئيس مجلس إدارة الشركة أو مديرها بحسبما هو مقرر في عقد التأسيس أو النظام الأساسي.
ولاشك أن للشركة حقوق ومصالح وعليها التزامات، ولذلك فإن الشركة تحتاج إلى شخص طبيعي يقوم بتمثيلها أمام القضاء للمطالبة بحقوقها والوفاء بالتزاماتها ويمثلها أمام القضاء والجهات الإدارية المختلفة، وذلك كله في إطار القانون، ويتم اختيار الممثل القانوني وفقًا لمعايير معينة وبشروط يحددها القانون أو النظام الخاص بالشركة.
وتحدد القوانين واللوائح والنظم الأساسية الحاكمة للشركة تحدد صلاحيات المركز الرئيس للشركة وفروعها.
بيد أن فكرة الممثل القانوني للشركة باعتبارها شخصًا اعتباريًا تستلزم أن يكون للشخصية الاعتبارية الواحدة ممثل قانوني واحد، فقد سبق القول إنه من غير المتصور أن تتعدد الشخصية الاعتبارية للشخص الاعتباري الواحد، وتبعًا لذلك فإنه من غير المتصور أيضًا أن يتعدد الممثل القانوني للشخص الاعتباري الواحد، وعلى هذا الأساس فإن مدير الفرع ليس الممثل القانوني للشخص الاعتباري في منطقة عمل الفرع، مع أنه قد يكون وكيلًا أو مفوضًا من الممثل القانوني.
الوجه الثالث: صفة الشركة في الدعاوى:
صفة الشركة في الدعاوى هي عبارة عن علاقة الشركة بالشيء المدعى به كالملك، فإذا كانت الشركة هي المدعي فلا تقبل دعواها إلا إذا كانت لها صلة بالحق الذي تدعيه، كما أن لاتصلح الشركة أن تكون في مركز المدعى عليها إلا إذا كان الحق المدعى به بحوزتها أو سيطرتها.
ولذا يجب أن تتوفر الصفة في المدعي والمدعى عليه معًا، فالصفة هي ولاية مباشرة المدعي للدعوى، فلا يحق له ذلك إلا إذا كان صاحب الحق المدعى به أو نائبًا عن صاحب الحق.
ولا يختلف شراح المرافعات على اعتبار الصفة شرطًا للحق الإجرائي لتعلقها بشخص الخصم، أي أن تكون للشخص صفة تخوله اتخاذ الإجراء.
والصفة شرط لوجود الحق الإجرائي سواءً كان هذا الحق دعوى أصلية أو دفع أو طعن أو أمر أداء أو أمر على عريضة، فعند الطعن في الحكم يجب أن يكون الطاعن في مركز المحكوم عليه وبالصفة ذاتها التي كان متصفًا بها في الخصومة الصادر فيها الحكم المطعون فيه، ويمكن للمحكمة أن تتحقق من شرط الصفة من عريضة الطعن أو من عريضة الدعوى الصادر فيها الحكم المطعون فيه.
وهناك فرق بين الصفة في الدعوى كشرط لوجود حق الدعوى، وبين الصفة الإجرائية، فالصفة الإجرائية شرط لصحة الإجراء القضائي عندما يكون الذي يباشر الدعوى نائبًا عن صاحب الحق الإجرائي، وبناءً على ذلك فقد يكون شرط الصفة متحققًا بالنسبة لدعوى الشركة، بيد أن الصفة الإجرائية لا تكون صحيحة إذا قام مدير فرع الشركة برفع الدعوى من غير أن يكون مفوضًا من الممثل القانوني للشخص الاعتباري.
الوجه الرابع: موطن الشركة في الدعاوى:
للشركة موطن مستقل عن موطن الشركاء، وموطنها هو المقر الذي تباشر فيه الشركة نشاطها، ويكون فرع الشركة موطنًا لها بالنسبة للمسائل المتعلقة بالفرع.
فالموطن القانوني للشركة هو مركز إدارتها الرئيسي، وهو المكان الذي توجه إليه الإعلانات القضائية عندما تكون الشركة طرفًا في نزاع، عليه، وفي ضوء هذا الموطن يتم تحديد المحكمة المختصة، وتقرير صحة الخصومة والإجراءات القانونية.
فالمركز الرئيسي للشركة يُعد الموطن الأصلي للشركة (سواء كانت قائمة أو في دور التصفية) ويكون هذا الموطن مستقلًا تمامًا عن موطن الشركاء أو المساهمين فيها، وبالإضافة إلى المركز الرئيسي فإن فرع الشركة يعد موطنًا للشركة في المسائل والقضايا المتعلقة بنشاط هذا الفرع.
ويترتب على تحديد موطن الشركة تحديد الاختصاص القضائي والمكاني للمحاكم في النزاع الذي تكون الشركة طرفًا فيه وكذا يتم توجيه، الإعلانات والإخطارات الرسمية والأوراق القضائية إلى موطن الشركة.
بحسب القواعد العامة فإن الشركة عندما تكون في مركز المدعي فإنه يجب عليها أن ترفع دعواها في محكمة الموطن القانوني أو المختار للمدعى عليه، وبالمقابل فإن المدعي على الشركة يجب عليه أن يرفع دعواه في الموطن القانوني أو المختار للشركة.
وعند الرجوع إلى قانون المرافعات يظهر أنه قد حدد موطن الشركات حيث نصت المادة (36) مرافعات على أن: (موطن الشركات والجمعيات والمؤسسات القائمة أو التي في دور التصفية هو مركز إدارتها الرئيسي ويعتبر مقر فرعها موطنًا لها في المسائل المتعلقة به).
وعلى هذا الأساس فإن القانون قد حدد الموطن القانوني للشركة الذي يتم اختصامها فيه، وهو مركز إدارتها الرئيسي أي مقر الإدارة العامة للشركة أو فرع الشركة بالنسبة للمسائل المتعلقة بالفرع، وعلى هذا الأساس فإن للشركة موطنان هما:
الموطن الأول: المقر الرئيسي لإدارة الشركة: وهو مقر الإدارة العامة للشركة الذي يتم فيه اتخاذ القرارات والإجراءات والتصرفات بشأن الشركة بصفة عامة، وبناءً على ذلك فإن أي قرار أو إجراء أو تصرف تتخذه الإدارة العامة للشركة أو المؤسسة فإن للمتضرر من ذلك الحق في اختصام الإدارة العامة أو المركز الرئيسي للشركة في موطنها أي في مقرها الرئيسي حسبما ورد في النص القانوني السابق.
الموطن الثاني: فرع الشركة: حيث يتم اختصام فرع الشركة بالنسبة للمسائل المتعلقة بالفرع، كالاجراءات والقرارات والعقود والتصرفات التي تتخذها إدارة الفرع في نطاق اختصاص ونشاط الفرع.
فيعد مقر الفرع موطنًا للشركة فيما يتعلق بالنشاط الذي يباشره ذلك الفرع، وهو ما يحدد في كثير من الأحيان الاختصاص المكاني للمحكمة.
أما القرارات أو الإجراءات والتصرفات التي تصدر من الإدارة العامة للشركة أو مركزها الرئيسي فإن للمتضرر من ذلك أن يقوم برفع دعواه على الإدارة في مركزها أو مقرها الرئيسي.
الوجه الخامس: المركز القانوني لفرع الشركة في الدعاوى:
نصت المادة (36) مرافعات على أن: (موطن الشركات والجمعيات والمؤسسات القائمة أو التي في دور التصفية هو مركز إدارتها الرئيسي ويعتبر مقر فرعها موطنًا لها في المسائل المتعلقة به).
وقد صرح هذا النص بأن فرع الشركة يكون موطنًا للفرع بالنسبة للمسائل المتعلقة بنطاق اختصاص ونشاط الفرع، ومعنى ذلك أنه يحق للخصوم توجيه الإعلانات إلى مقر الفرع إذا كان الإعلان بشأن. مسائل أو دعاوى متعلقة بنشاط الفرع.
والفرع حينما يقوم باستقبال واستلام الإعلانات القضائية والرد على الدعاوى والدفاع عن حقوق ومصالح الشركة في المسائل المتعلقة بالفرع فإن ذلك لا يعني أن الفرع له صفة مستقلة عن الشركة الأم، وإنما على أساس أن الشركة حينما قامت بإنشاء الفرع وتحديد صلاحياته واختصاصاته فإن الشركة قد فوضت الفرع بالقيام بتلك التصرفات في حدود المنطقة التي يباشر فيها الفرع النشاط باسم الشركة ولحسابها.
فالممثل القانوني هو الذي يمثلها في كافة مناطق عملها وأمام كافة الجهات ويباشر التصرفات نيابة عنها باعتبار الشركة شخصية اعتبارية مفترضة واحدة، ومن ضمن مهام الممثل القانوني للشركة في مقر الإدارة العامة للشركة توزيع أعمال الشركة في المناطق المختلفة حتى تباشر الشركة أنشطتها التجارية في إنحاء البلاد المختلفة أو خارجها.
ولهذه الغاية يقوم الممثل القانوني للشركة بتعيين مدراء فروع الشركة في المناطق المختلفة، حيث يمثل مدراء الفروع الشركة أمام الجهات وزبائن الشركة كلًا في نطاق منطقة عمله، حيث يتولى مدراء الفروع مباشرة أنشطة الشركة وإبرام التصرفات نيابة عنها في حدود الصلاحيات المناطة بالفرع سيما فيما يتعلق ببيع البضاعة وقبض ثمنها، حيث يباشر مدير الفرع نشاط الشركة باسمها ولحسابها وبصفته مديرًا للفرع، وعلى هذا الأساس فإن الإدارة العامة للشركة أو مركزها الرئيسي يكون مسؤولًا مسؤولية تامة عن نتائج وتبعات وآثار تصرفات مدير فرع الشركة التي يباشرها باسمها ولحسابها وبصفته مديرًا لفرع الشركة. ****
ففرع الشركة لا يتمتع بشخصية قانونية مستقلة، بل يُعتبر امتدادًا ماديًا وجغرافيًا للشركة الأم (الشخص الاعتباري الأصلي) ويمارس الفرع نشاطه باسمها ولحسابها.
فلا يملك الفرع شخصية اعتبارية أو ذمة مالية مستقلة، وتكون الشركة الأم مسؤولة مسؤولية كاملة عن كافة الالتزامات والديون والتعاقدات التي يبرمها الفرع.
ويتخذ الفرع عادةً نفس الاسم التجاري للشركة الأم مع إضافة كلمة "فرع".
وبما أن الفرع لا يملك شخصية اعتبارية مستقلة، فإن الفرع لا يُقاضي ولا يُقاضى باسمه الخاص في النزاعات، بل تُرفع الدعاوى القضائية من أو ضد الشركة الأم، وإن كان النص القانوني قد أجاز توجيه الإعلانات القضائية لمقر الفرع لتسهيل المعاملات.
ويتولى إدارة الفرع من خلال مدير أو ممثل يعينه الممثل القانوني للشركة الأم، وتتحدد صلاحياته بناءً على عقد التأسيس أو قرار التعيين الصادر من المركز الرئيسي، وقد يتضمن نظام الشركة تفويض مدير الفرع بالمطالبة الودية والقضائية والدفاع عن حقوقها ومصالحها في نطاق اختصاص الفرع، وقد يقوم الممثل القانوني للشركة بتوكيل أو تفويض مدير الفرع للقيام بذلك.
فرفع الدعوى على الفرع مباشرة دون الشركة الأم يعرضها للدفوع الشكلية وبطلان الإجراءات لعدم توفر الصفة المستقلة للفرع.
فالممثل القانوني للشركة الأم هو الذي يمثل الشركة بكل مكوناتها بما في ذلك فروع الشركة، أما مدير الفرع فإن يكون وكيلًا أو ممثلًا مخولًا من الممثل القانوني للشركة، فالممثل القانوني للشركة كرئيس مجلس الإدارة، المدير العام هو الذي يباشر التقاضي باسم الشركة، أو من ينوب عنه بوكالة قانونية صحيحة، وليس مدير الفرع بذاته إلا إذا كان مفوضًا من الممثل القانوني.
ومع ذلك فقد أجاز قانون المرافعات في دول عدة رفع الدعوى أمام المحكمة التي يقع في دائرتها الفرع، ولكن فيما يتعلق بنشاط هذا الفرع فقط، وتظل الصفة في التقاضي للممثل القانوني للشركة. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الصفة والمصلحة، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص٢٧٤).