الحكم لغير الخصم
فالحكم للشخص يستلزم ان يقوم هذا الشخص بتقديم دعواه بنفسه او عن طريق محامي او وكيل او نائب.
بيد انه في بعض الأحوال يحدث الخلط بين الحكم لشخص خارج الخصومة وبين الحكم لمدع في الخصومة يطالبه الغير بالوفاء بحقوقه التي قام بها لحساب المدعى عليه مثل: ان يقوم مقاول بالتعاقد مع اخرين لتنفيذ بعض اعمال المقاولة فيقوم هؤلاء بمطالبة المقاول بالوفاء بحقوقهم فيقوم المقاول برفع دعواه على صاحب العمل او المشروع مطالبا المحكمة الزام صاحب العمل بدفع حقوق الغير، لان المقاول قام بالتعاقد مع الغير تنفيذا لالتزام عقدي بموجب عقد المقاولة، وقد يكون قام بالتعاقد تنفيذا لالتزام قانوني، فالحكم في هذه الحالة وامثالها لا يكون لغير مدع او لشخص خارج نطاق الخصومة، لان الخصم المدعي داخل الخصومة يطالب بتلك الحقوق على اساس ان الغير قد قام بالعمل تنفيذا لعقد او قانون، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٠/٤/٢٠١٤م، وذلك في الطعن رقم (53955)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فنعي الطاعن مردود بان المبلغ المحكوم به للعامل... ليس حكما لغير خصم، لان ذلك المبلغ في حقيقته كان العامل المذكور يطالب المطعون ضده بدفعه حينما عمل ذلك العامل في المبنى الخاص بالطاعن)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الأول: معنى القضاء لغير مدع:
قاعدة "الحكم لغير مدعٍ" أو "القضاء لغير مدعٍ" هي قاعدة فقهية وقانونية شهيرة تعني أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم لشخص بحق لم يطلبه أو يدّعيه بنفسه او بواسطه وكيله او نائبه.
فالمحكمة متقيدة بطلبات الخصوم المترفعين أمامها، فلا يحق لها من تلقاء ذاتها ان تحكم لشخص بحق لم يطالب به، حتى لو رأت المحكمة أنه يستحقه، فيجب على المحكمة احترام إرادة الأفراد، فالحقوق المدنية والمالية ملك لأصحابها، ولهم كامل الحرية في المطالبة بها أو التنازل عنها او السكوت عنها.
اضافة الى ان قاعدة: لا قضاء لغير مدعٍ تصون مبدأ حياد القاضي، إذ يجب أن يقف القاضي على مسافة واحدة من الجميع، فإذا حكم لشخص بحق لم يطلبه فإنه يخرج عن حياده ويصبح كأنه ينوب عن هذا الشخص في الخصومة.
الوجه الثاني: التدخل والادخال وقاعدة: القضاء لغير مدع:
الخصومة تنعقد أمام القضاء بين الأطراف المتداعين (المدعي والمدعى عليه) وأثناء التداعي بينهما وتقديم الأدلة بشأن الحق محل النزاع قد يظهر للقاضي ان الحق المتنازع عليه له علاقة او صلة بأشخاص اخرين خارج نطاق الخصومة فيقوم هؤلاء الأشخاص بالتدخل في الخصومة، واذا لم يتدخلوا فان المحكمة تقرر ادخال هؤلاء الأشخاص، فمن خلال مثول جميع أطراف القضية المتعلقين بالحق المتنازع عليه من خلال مثولهم أمام المحكمة تقف المحكمة على الحقيقة من جوانبها المختلفة ووجهات نظر الاطراف جميعا، فمن خلال إستماع المحكمة لأوجه دفاع الاطراف الماثلين أمامها ومن خلال الأدلة المقدمة منهم، ومن خلال مواجهتهم لبعضهم بالدعاوى والردود والمذكرات المتبادلة يستبين القاضي الحقيقة ويحيط بتفاصيل القضية، إضافة إلى أن ذلك يوفر إجراءات التقاضي ويختصرها ويجعل الحكم الصادر في القضية حجة في مواجهة جميع الاطراف المدعي والمدعى عليه والمتدخلين والمدخلين في القضية اي ان اجراءا التقاضي تتم في مواجهة كل من له صلة أو علاقة بالحق المتنازع عليه.، بيد أنه لا يجوز للقاضي أن يقضي بأن الحق المتنازع عليه يخص طرف خارج الخصومة لم يمثل أمام القاضي ويقدم دعوى بشأن الحق المتنازع عليه، إذ يجب على القاضي أن يدخل الطرف الذي يجد ان له علاقة بالحق محل النزاع حتى يحكم القاضي له بالحق أو يحكم عليه بموجب الدعاوي والأدلة المقدمة من هذا الطرف أمام القاضي، حتى يكون الحكم حجة في مواجهته، فإن لم يقم القاضي بإدخاله في الدعوى وقضى له بالحق المتنازع عليه فإن حكم القاضي في هذه الحالة باطل حتى لو ثبت للقاضي أحقية الشخص الذي لم يكن طرفا في الخصومة، لأن الحكم او في هذه الحالة لغير مدع اي أنه ليس هناك دعوى او مطالبة من المحكوم له، فوفقا للقانون يجب ان تكون هناك دعوى يفصل فيها الحكم، فالحكم في هذه الحالة يكون لغير مدعٍ.
اضافة الى ان حرص القاضي واهتمامه بتطبيق احكام الادخال في الخصومة وسيلة فاعلة في تيسير اجراءات التقاضي وسرعة الفصل في القضايا المرتبطة باطراف عدة حسبما بيانه في تعليق سابق. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل تيسير وتبسيط اجراءات التقاضي، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، ص٤٧٢).
الوجه الثالث: القضاء لغير مدع والحكم بعلم القاضي:
في تعليق سابق تناولنا تفصيلا معنى قضاء القاضي بعلمه، وخلاصة ذلك: ان القانون اليمني وجمهور الفقه يقرروا عدم جواز قضاء القاضي بعلمه الشخصي الخارجي لانه مخل بحياد القاضي، وذكرنا ايضا ان المقصود بعلم القاضي هو علمه الشخصي الخارجي بتفاصيل وبيانات القضية التي يحكم فيها وذلك من خارج جلسات المحاكمة واوراق القضية.
ويندرج ايضا ضمن مفهوم علم القاضي الشخصي العلم الشرعي والقانوني في بعض الاحوال اذا توصل القاضي من خلال علمه الشرعي والقانوني الى ان الحق المتنازع عليه لشخص اخر غير المتداعين امامه فعندئذ يجب على القاضي ان يدخل هذا الشخص الذي توصل الى ان له صلة بالحق المتنازع عليه، مثل ان يتوصل القاضي من خلال علمه الشرعي والقانوني الى ان محل النزاع هو حمى القرية ومفاسحها وانه مملوك ملكية عامة لأهل القرية للانتفاع المشترك به فعلى القاضي في هذه الحالة ان يدخل هيئة الاراضي، او مثل يتوصل القاضي بعلمه الشرعي والقانوني الى ان محل النزاع يخص الاوقاف كالنزاع على إمامة المسجد او النظارة عليه فعلى القاضي في هذه الحالة ان يدخل الاوقاف في القضية، وهكذا في المسائل الاخرى المماثلة.
الوجه الرابع: الحق المتنازع عليه هو الذي يحدد اطراف الخصومة:
الحق المتنازع عليه المنظور أمام المحكمة هو الذي يحدد نطاق الخصومة ويحدد الخصوم ذوي العلاقة بالحق المتنازع عليه الذين يجب أن يمثلوا أمام القاضي عند نظره في الحق المتنازع عليه.
فالقاضي لا يستطيع تحديد الخصوم في الحق المتنازع عليه إلا من خلال قيام المتداعين الأولين (المدعي والمدعى عليه) بإبراز أدلتهم، فمن خلال دراسة القاضي للدعوى والرد عليها أو الدفع والأدلة المقدمة من المدعي والمدعى عليه الاصليين يستطيع القاضي أن يحدد ما إذا كان يجب عليه إدخال من يجب عليه إدخاله لتعلق حقه بالحق المتنازع عليه، فعندما يتم تحديد نطاق الخصومة من حيث الخصوم وتقوم المحكمة بإدخال من ينبغي إدخاله في القضية، عندئذ يكون الحكم في الحق المتنازع عليه حجة على من حضر أمام القاضي، فيحكم القاضي له او عليه بموجب الدعاوى والأدلة المقدمة من الأطراف أمام القاضي.
الوجه الخامس: الحكم لغير مدعٍ باطل:
فإذا وجد القاضي أن الحق المتنازع عليه متعلق بجهة أو شخص غير المدعي والمدعى عليه فيجب عليه أن يدخل تلك الجهة أو الشخص حتى يمثل أمام القاضي ويقدم دعواه وحججه وبراهينه، وفي ضوء ذلك يحكم القاضي له بالحق إذا ثبت حقه أو يحكم عليه، اما إذا لم يتدخل في الدعوى أو لم تقم المحكمة بإدخاله، فلا يجوز الحكم له أو عليه، لأنه لم يتقدم بدعوى حتى يحكم له القاضي بموجبها، فالحكم لغير مدعٍ باطل.
الوجه السادس: العلاقة بين قاعدة: نسبية حجية الأحكام وقاعدة القضاء لغير مدعٍ باطل:
من القواعد الشرعية والقانونية الراسخة قاعدة: (نسبية حجية الأحكام) التي تعني أن الحكم لا يكون حجة إلا على أطرافه الذين مثلوا تمثيلاً صحيحاً أمام القاضي الذي اصدر الحكم بعد إن استمع إلى دعاوى وحجج الأطراف المتنازعة، وعلى أساس ذلك لا يجوز الاحتجاج بهذا الحكم أو التمسك به في مواجهة غير أطرافه، وبناءً على ذلك فإن الحكم لا يكون باطلاً في هذه الحالة بالنسبة لغير أطرافه، وإنما لا يكون حجة في مواجهتهم.
وقد قرر القانون وسائل قانونية لغير أطراف الحكم فيمواجهة الحكم الذي ليس حجة عليهم، من هذه الوسائل: دعوى الإستحقاق وإلتماس إعادة النظر وغير ذلك، وفي هذا المعنى ننصت المادة (224) مرافعات على أن: (تقتصر حجية الأحكام على أطراف الخصومة وموضوعها وسببها) أي أن هذه الأحكام صحيحة لكن حجيتها قاصرة على أطرافها، بخلاف الحكم لغير مدعٍ فهو باطل، لأنه قد صدر من غير دعوى من صاحب الحق، ولذلك فإن الحكم لغير مدعٍ يخالف المادة (217) مرافعات التي نصت على أن: (الحكم قرار مكتوب صادر في خصومة معينة من ذي ولاية قضائية شرعية وقانونية)، فالحكم لغير مدعٍ يصدر من غير أن تسبقه خصومة أو دعوى من المحكوم له الذي لم يكن طرفا في النزاع، ولذلك فإن الحكم لغير مدعٍ باطل، (مبدأ وحدة الخصومة ونطاقه في قانون المرافعات دراسة علمية وعملية لظاهرة تعدد أطراف الخصومة، د.الإنصاري حسن النيداني، ص167).
الوجه السابع: الحكم لغير مدعٍ والحكم بما لم يطلبه الخصوم:
الحكم لغير الخصم او لغير مدع او القضاء من غير طلب هو تعبير فقهي شرعي حسبما هو مذكور في كتاب شرح الازهار، ويقابل هذا التعبير الفقهي في القانون قاعدة القضاء او الحكم بما لم يطلبه الخصوم أو الحكم لمن لم يكن طرفاً في الدعوى، وهذه قاعدة قانونية تمنع المحكمة من القضاء بشيء لم يطلبه أصحاب الشأن أو الحكم لصالح أو ضد شخص ليس طرفاً في الخصومة.
فقاعدة عدم جواز الحكم بما لم يطلبه الخصوم او قاعدة لا قضاء بغير طلب تعني: انه يجب على المحكمة ان تتقيد بحدود الطلبات التي يقدمها الخصوم الماثلون امامها (المدعي والمدعى عليه، فلا يجوز لها الحكم بما لم يطلبه الخصوم أو بأكثر مما طلبوه.
فإذا قضت المحكمة لشخص أجنبي عن الخصومة (غير خصم) أو حكمت بما لم يطلب في الدعوى، فان ذلك يُعد مخالفة لمبادئ التقاضي، ويترتب على ذلك بطلان الحكم، وترد على هذه القاعدة بعض الاستتثناءات القليلة مثل المسائل المتعلقة بالنظام العام التي يجب على القاضي إثارتها والحكم فيها من تلقاء نفسه.
وكذا الطلبات الضمنية: وهي ما يدخل ضمناً بعموم في طلبات الخصم الأصلية كالحكم بالتصفية عند طلب الخصم حل الشركة، والحكم برفض الدعوى أو بأقل مما طلب الخصم أو رفض الدعوى كلياً.
ولهذا فقد أوجب القانون على المحكمة الالتزام بحدود الخصومة المعروضة عليها، فنصت المادة (221) من قانون المرافعات اليمني على أنه: "يجب على المحكمة أن تحكم في كل طلب أو دفع قدم إليها وفقاً للقانون، ولا يجوز لها أن تحكم بما لم يطلبه الخصوم أو لمن لم يكن طرفاً في الخصومة أو عليها."
ويستفاد من هذا النص أن المحكمة ملزمة بالبقاء داخل حدود الخصومة من حيث أطرافها وموضوعها، فلا يجوز لها إنشاء خصومة جديدة أو الفصل في حقوق لم تُعرض عليها أو تقرير التزامات على أشخاص لم يكونوا أطرافاً في الدعوى.
وإذا كانت المحكمة قد قضت بما لم يطلبه الخصوم أو على شخص لم يكن طرفاً في الدعوى فان حكمها يكون باطلا حسبما سبق بيانه.
الوجه الثامن: الحكم للمدعي بما يطالبه الغير لا يكون حكما لغير مدعي:
قضى الحكم محل تعليقنا بان قيام المدعي بمطالبة المدعى عليه بدفع المبالغ التي يطالب بها الغير للمدعي لا يكون قضاءا من غير طلب لان المدعي طلب المحكمة بالزام المدعى عليه بالوفاء بالمبالغ المستحقة للغير نظير الاعمال التي قاموا بها لحساب المدعى عليه بموجب التزام قانوني او عقدي، فالمدعي لم يكن فضوليا وانما قام بالتعاقد مع الغير لتنفيذ العمل الذي سبق له الاتفاق مع عليه مع المدعى عليه، فقضاء المحكمة بقبول هذا طلب المدعي في الحالة صحيح، ففي هذه الحالة لا تنطبق قاعدة الحكم بما لم يطلبه الخصم، لان هناك خصم قد مثل امام المحكمة وادعى او طلب بالفعل من المحكمة الزام المدعى عليه بدفع المبالغ التي يطالبه بها العامل الذي عمل في المشروع الذي قام بتنفيذه المقاول المطعون ضده تنفيذا لعقد المقاولة مع المدعى عليه، فالمقاول تعاقد مع العامل تنفيذا لعقد المقاولة، فالمقاول هو المسئول عن سداد ذلك المبلغ الى العامل، بيد انه يجب عند الحكم في هذه الاحوال ان لا يصرح الحكم بان المحكوم له خارج الخصومة وانما يكون الحكم باستحقاق المدعي لكذا المطلوب منه دفعه للغير حسبما المح الحكم محل تعليقنا. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالنقض الجزء الثاني، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص٣٢٠)، والله اعلم.