الطلبات الوقتية غير مقبولة إذا انتهت العلاقة

من الإشكاليات التي تظهر في الواقع العملي أن بعض الطلبات الوقتية يتم تقديمها إلى المحكمة التي لا تنظر موضوع النزاع، لا سيما إذا كان النزاع منظوراً خارج اليمن أو في حالة إذا كان النزاع بشأن استمرار العلاقة أو عدمه بين الخصمين، ومن الأحكام التي تناولت هذا الموضوع الحكم محل تعليقنا، وهو الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 2012/6/5م في الطعن التجاري رقم (492288 لسنة 1433هـ)، وخلاصة أسباب هذا الحكم أنه من خلال مطالعة الدائرة العريضة الطعن وملف القضية والاتفاقية فيما بين الطرفين الطاعنة والمطعون ضدها فقد ثبت للدائرة انتهاء العلاقة فيما بين الطرفين، وعلى ذلك فليس هناك موجب لقبول طلب الطاعنة ببقاء الحال كما هي عليه في المشروع الذي كان موضوع التعاقد فيما بين الطرفين خلافاً لإرادة المطعون ضدها، وحيث أن الطلبات الوقتية لا تكون إلا في ظل علاقة عقدية قائمة بين الطرفين في حين أن هذه العلاقة قد أضحت منعدمة لمضي موعد الاتفاقية، أما ما تجادل به الطاعنة فهو يظهر عدم فهمها لطبيعة الطلب فهي مجادلة في غير محلها لانتهاء العمل بالاتفاقية التي كانت تحكم علاقة الطرفين وسيكون تعليقنا على الحكم بحسب الأوجه الآتية:

الوجه الأول: السند القانوني للحكم محل تعليقنا


قضى الحكم محل تعليقنا بعدم قبول الطلبات الوقتية إذا كانت العلاقة العقدية قد ثبت انتهاؤها، وسند الحكم في ذلك هو المادة (238) مرافعات التي حددت الغاية من الطلبات الوقتية وهي المحافظة على أصل الحق، وعند تطبيق هذا المفهوم على الحكم محل تعليقنا نجد أنه من خلال أسبابه قد توصل إلى أن الاتفاقية التي كانت نافذة بين الطرفين كانت محددة المدة حسبما ورد فيها كما أن مدتها كانت معلقة بإنجاز العمل الذي لم يتم وحيث أنه لا تناكر بين الطرفين الطاعن والمطعون ضدها بشأن هذه المسألة، ولذلك فقد قرر الحكم أنه لا محل ولا مجال للطلبات الوقتية التي الغاية منها حفظ الحق الموضوعي عندما يكون غير موجود فعندئذ لا محل لتقديم الطلب الوقتي بإبقاء الحال على الحال التي كانت عليه في أثناء سريان الاتفاقية بين الطرفين ومنع المطعون ضدها من إسناد المشروع إلى الغير.

أما لو كان موضوع الحق المدعى ما زال قائماً فإن الطلب الوقتي سيكون مقبولاً، وكذلك الحال لو كان الحق المدعى به ما زال النزاع بشأنه قائماً أو منظوراً أمام القضاء علماً بأن النزاع فيما بين الطاعن والمطعون ضده في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا كان لا زال قائماً ومنظوراً أمام هيئة التحكيم خارج البلاد، وبعد صدور الحكم محل تعليقنا صدر حكم هيئة التحكيم الخارجية مقرراً انتهاء الاتفاقية فيما بين الطاعنة والمطعون ضدها مؤكداً على صحة اجتهاد الحكم محل تعليقنا في تقريره بانتهاء العلاقة فيما بين الطرفين.

الوجه الثاني: حذر القضاء اليمني في قبول الطلبات الوقتية


المتابع والباحث في أحكام القضاء اليمني يجد أن القضاء في اليمن حذر جداً في قبول الطلبات الوقتية عامة، وهذا مسلك حميد للقضاء اليمني، حيث أن الطلبات الوقتية وإن كان القانون قد نظمها وأجاز للخصوم مطالبة القضاء بتقريرها إلا أن النصوص القانونية ذاتها التي نظمت الطلبات الوقتية قد قررت السلطة التقديرية للقاضي في قبول تلك الطلبات أو رفضها بحسب مقتضيات السلطة التقديرية، والقرارات الوقتية وإن كانت لا تمس موضوع الحق محل الدعوى إلا أنه يفهم منها في غالب الأحوال وجهة القاضي في القضية أي في موضوع الدعوى حيث تفصح القرارات الوقتية التي يتخذها القاضي عن قناعته في القضية، ولذلك فإن القضاة المتمرسين في اليمن يتعاملون بمنتهى الحذر مع الطلبات الوقتية مثل الحجز التحفظي أو الحراسة القضائية أو منع السفر وغيرها، لا سيما أن الطلبات الوقتية في اليمن من أهم وسائل التقاضي الكيدي إضافة إلى أنها من أبرز أسباب ظاهرة بطء إجراءات التقاضي وتعقيدها كما أنها تتسبب في إثارة وتأجيج العداوات واللدد بين الخصوم، كما أن قيام القاضي بإصدار قرارات وقتية يضيق من خيارات القاضي المستقبلية وسلطته التقديرية عند إصدار الحكم الفاصل والمنهي للخصومة الموضوعية فضلاً عن أنها تؤدي في غالب الأحيان إلى اختصام القاضي وجره شخصياً إلى حلبة النزاع بين الخصوم، وحتى يكون قبول القاضي للطلبات الوقتية رشيداً فإنه ينبغي عدم اكتفاء القاضي بدراسة وتمحيص الأسباب والأسانيد الواقعية والقانونية الموجبة لإصدار القرارات الوقتية وإنما ينبغي عليه دراسة الآثار والتداعيات المترتبة على قبول هذه الطلبات وتأثيرها على قناعة القاضي والعلاقة فيما بين الخصوم وما إذا كانت ستسهم في تقريب وجهات نظر الخصوم أو تباعدها وما إذا كانت ستؤدي إلى تعقيد وتركيب القضية نتيجة التظلمات والطعون في قرارات القضاء في الطلبات الوقتية، والله أعلم.
الطلبات الوقتية غير مقبولة إذا انتهت العلاقة، ملف طلب قضائي وميزان العدالة ومطرقة القضاء
تعليقات