أثر تصادق أطراف الحكم على بطلانه
حكم الله تعالى وحده الذي لا يجوز الطعن فيه، لأن الله الحاكم العادل الحق اسم وصفة، فحكمه حق مطلق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفي هذا المعنى قال تعالى: (والله يحكم ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب)، فحكم الله هو الحق والعدل فهو وحده عنوان الحقيقة حقيقة ويقينا، اما احكام البشر فلا يطلق عليها عنوان الحقيقة إلا على سبيل المجاز.
ومن هذا المنطلق فقد اتفقت القوانين البشرية على كفالة حق الطعن في الاحكام لضمان احترام الاحكام للقانون ولتصحيح وتنقيح الاحكام من الاخطاء والمخالفات والاغفال والقصور التي تشوب احكام البشر التي يعتريها الخطأ والزلل والقصور والنسيان حتى تحقق الاحكام الهدف العام منها وهو تحقيق العدل باعتباره اساس الحكم، وفي ذلك مصلحة عامة لأفراد المجتمع باسره وليس لأطراف الحكم حصرا.
صحيح ان القانون يشترط ان يكون الطاعن هو المحكوم عليه بيد ان الغرض من ذلك تنظيم اتصال محكمة الطعن بالحكم الطعين، وصحيح انه يجوز للطاعن ان يتنازل عن طعنه او يتصالح مع خصمه غير ان لا يجوز له التنازل او التصالح بشان المطاعن المتعلقة بالنظام العام المقرر لمصلحة المجتمع باسره.
وبناء على ما سبق فان القانون هو الذي يحدد حالات بطلان الاحكام، فالطعون في الاحكام عبارة عن ادعاءات بمخالفة الحكم للقانون او الواقع، فالقول بصحة الحكم او بطلانه من اختصاص محكمة الطعن، ولذلك فليس هناك اثر لتصادق الافراد على بطلان حكم، لان الحكم بصحة او بطلان الحكم الطعين يقع بحكم محكمة الطعن، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٣١/١٢/٢٠١٣م، وذلك في الطعن رقم (53693)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فلم تكن هناك حاجة لان يحكم الحكم الاستئنافي على المدعى عليه بالبطلان بتحمل مصاريف المدعي طالما توافق الطرفان على بطلان حكم التحكيم)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الأول: الغرض من الطعن في الحكم:
الغاية الأساسية من الطعن في الأحكام هي تحقيق العدالة وضمان سلامة تطبيق القانون من خلال إتاحة الفرصة لتصحيح الأخطاء البشرية التي قد تقع في احكام القضاة والمحكمين.
فالطعن في الأحكام هو وسيلة قانونية تمنح الخصوم الحق في نظر الطعن في الحكم الصادر ضدهم، وذلك أمام محكمة أعلى درجة واكثر خبرة وعددا.
وتتلخص غايات الطعن وأهدافه فيما ياتي:
1. الغايات الرئيسية للطعن في الأحكام هي تدارك الأخطاء البشرية: فالقضاة بشر وغير معصومين من الخطأ، فالطعن يتيح للخصوم إعادة فحص القضية امام محكمة اعلى تتكون من عدد اكبر واكثر خبرة من المحكمة التي اصدرت الحكم المطعون فيه، وذلك للتأكد من عدم وجود خطأ في فهم الوقائع أو تطبيق نصوص القانون.
٢- حماية حقوق الخصوم: فالطعن يضمن حق الدفاع ومبدأ التقاضي على درجتين، مما يمنح المحكوم عليه فرصة إضافية لإثبات وجهة نظره وحماية مصالحه المشروعة.
٣- توحيد تطبيق القضاة للقانون: فتسهم محاكم الطعن سيما محكمة التعقيب او النقض أو التمييز او العليا في إرساء مبادئ قانونية موحدة تسير عليها بقية المحاكم الأدنى درجة، مما يضمن استقرار احكام القضاء واطرادها.
٤- تعزيز الثقة في النظام القضائي: عندما يشعر المتقاضون أن هناك محاكم طعن رقابية تدقق في الأحكام، تزداد ثقة الجمهور في نزاهة القضاء والقضاة وسعيهم لتحقيق العدالة واعادة الحقوق الى نصابها..
ومن خلال ما تقدم في هذا الوجه يظهر ان الغرض من الطعن في الحكم ليس محصور في حماية حقوق الخصوم اطراف الحكم، اذ ان الغاية الاساسية من الطعن هي تحقيق العدالة كقيمة اجتماعية تهم افراد المجتمع كله باعتبار العدل اساس الحكم.
الوجه الثاني: لا تسعى محكمة الطعن لتحقيق العدالة الا اذا قام المحكوم عليه بالطعن:
فمحكمة الطعن لا تقوم من تلقاء ذاتها بتصحيح الاخطاء في احكام التحكيم او احكام المحاكم الادنى الا اذا اتصلت محكمة الطعن بالحكم المعيب عن طريق الطعن فيه امام محكمة الطعن، فمن غير الممكن ان تقوم محكمة الطعن بتصحيح الاخطاء التي تشوب الحكم المعيب حتى لو كانت متعلقة بالنظام العام الا اذا كان المحكوم عليه قد قام بالطعن فيها باستثناء الاحكام التي تخضع لنظام الطعن التلقائي مثل (العرض الوجوبي) للاحكام الصادرة في مسائل الاعدام والقصاص والحدود في القانون اليمني، اما في قوانين الدول الاخرى فانها تتوسع في الاحكام التي تخضع للطعن التلقائي حتى يتمكن القضاء من حماية وحراسة النظام العام للمجتمع.
الوجه الثالث: القانون هو الذي يحدد اسباب الطعن وحالات بطلان حكم التحكيم:
المطاعن في الاحكام هي عبارة عن مخالفات لنصوص القانون الذي ينظم الحقوق والمصالح واجراءات التقاضي، وتبعا لذلك فالقانون هو الذي يحدد ما اذا كان الحكم معيبا ام لا، فدور الطاعن يقتصر على الادعاء او الاخبار عن وجود مخالفات للقانون والواقع في الحكم الطعين وبيان وتحديد مواضع هذه المخالفات.
حتى لو ثبت وجود او مخالفات في الحكم الطعين، فان تصادق الخصوم في هذه الحالة يكون مجرد إخبار عن تلك الاخطاء التي تجعل الحكم باطلا، فالحكم في ذلك متروك لمحكمة الطعن
الوجه الرابع: القول بصحة او بطلان الحكم الطعين من اختصاص محكمة الطعن وليس الخصوم:
اتفق شراح المرافعات على ان الطعن في الحكم عبارة عن ادعاءات بمخالفة الحكم الطعين للقانون او الواقع، وبموجب الطعن المرفوع من الطاعن امام محكمة الطعن المتضمن ادعاءات الطاعن بوجود اخطاء ومخالفات للقانون او الواقع في الحكم الطعين، وكذا قد يطعن الطرف الاخر في الحكم ذاته موافقا الطاعن الاصلي في ادعائه بوجود المخالفات التي سبق للطاعن ان اثارها في طعنه الاصلي، كما ان الطرف الاخر قد يرد على الطعن موافقا الطاعن بوجود المخالفات التي ادعاها الطاعن في طعنه.
ففي كل الاحوال فان محكمة الطعن غير متقيدة بادعاءات الطاعنين سواء اتفقوا او اختلفوا، لان مهمة محكمة الطعن التحقق من صحة المطاعن وما اذا كان لها سند في القانون، وبناء على ذلك فان توافق او تصادق الطاعنين غير مؤثر في نتيجة حكم محكمة الطعن الا اذا كان محل التصادق او التوافق بين الخصوم هو الوقائع او الادلة محل النزاع بين الاطراف فان ذلك يكون معتبرا عندما تحكم محكمة الطعن، وطالما ان التوافق والتصادق لم يصل الى مرحلة الصلح بين الخصوم امام محكمة الطعن.
الوجه الخامس: توافق الخصوم وتصادقهم على صحة الحكم الطعين:
اذا توافق الخصوم وتصادقوا امام محكمة الطعن على صحة الحكم الطعين كاملا فان ذلك يعني قبولهم بالحكم الطعين، وتبعا فان محكمة الطعن تحكم بموجب هذا التصادق وتلافي المخالفات القانونية التي قد تشوب الحكم المتعلقة بالنظام العام، لان محكمة الطعن بموجب قانون المرتفعات يجب عليها التصدى لهذه المخالفات من تلقاء ذاتها.
الوجه السادس: توافق الخصوم وتصادقهم على بطلان الحكم الطعين:
اذا تصادق الخصوم على بطلان الحكم الطعين فقد سبق القول ان محكمة الطعن غير متقيدة بادعاءات الخصوم بمخالفة الحكم الطعين للقانون والواقع، لان محكمة الطعن هي المختصة بدراسة ادعاءات الخصوم والحكم فيها وفقا للقانون والواقع.
الوجه السابع: المحكوم عليه في حكم محكمة الطعن:
اذا قبلت محكمة الطعن دعوى بطلان حكم التحكيم فان المحكوم عليه هو المدعي بالبطلان واذا رفضت الدعوى يكون المحكوم عليه هو المدعى عليه، وكذلك الحال عند الطعن بالنقض او الاستئناف.
واذا كان حكم محكمة الطعن منهيا للنزاع فان المحكوم عليه هو الذي يتحمل مصاريف التقاضي بحسب التفصيل الوارد في قانون المرافعات، فقد نصت المادة (257) مرافعات على أن: (نفقات المحاكمة هي ما يثبت بوجه شرعي وقانوني أن الخصوم انفقوه في الخصومة، ويدخل في ذلك ما يأتي: - الرسوم القضائية – اجور الخبراء – نفقات الشهود – نفقات إتخاذ الإجراءات التحفظية – اجور من تنصبه المحكمة عن الخصم الغائب – اجرة المحامين بما تقدره المحكمة – ولا يدخل في نفقات المحاكمة التعويضات ولا ما قضت به المحكمة على الخصم من غرامات بسبب تعطيل الفصل في الدعوى وعدم الامتثال لقراراتها وأوامرها).
فقد اوجب قانون المرافعات على المحكمة أن تحكم بتحميل المحكوم عليه مصاريف التقاضي من تلقاء ذاتها ومن غير حاجة إلى أن يطلب الخصم من المحكمة ذلك، وفي هذا الشأن نصت المادة (258) مرافعات على أنه: (يجب على المحكمة من تلقاء نفسها أن تحكم بإلزام المحكوم عليه بالنفقات في الحكم الذي تنتهي به الخصومة امامها، وإذا اخفق كلٍ من الخصمين في بعض الطلبات تقسم المحكمة النفقات بينهما بنسبة المحكوم به على كلٍ منهما، وإذا تعدد المحكوم عليهم بالنفقات أو المحكوم لهم بها قسمت بالتساوي بينهم أو بحسب ما تقرره المحكمة ولا يلزم المحكوم عليهم بالتضامن إلا إذا كانوا متضامنين في أصل المحكوم به).
فالظاهر من هذا النص انه يفيد الوجوب، لان صيغة النص تفيد ذلك (يجب على المحكمة)، وقيام المحكمة بالحكم بمصاريف التقاضي من تلقاء ذاتها على هذا النحو الوارد في النص السابق يعد استثناء من قاعدة: عدم جواز الحكم بما لم يطلب الخصوم المقررة في المادة (221) مرافعات التي نصت على أنه: (ولا يجوز للمحكمة ان تحكم بما لم يطلبه الخصوم)، وفيما قرره النص السابق دليل على أن الغاية من الحكم بمصاريف التقاضي على المحكوم عليه يتجاوز فكرة إعادة المبالغ التي تكبدها المحكوم له، إذ أن الحكم بالمصاريف القضائية على هذا النحو يتضمن معنى ردع نازع اللدد والخصومة لدى المحكوم عليه.
وعلى هذا الاساس وبموجب أحكام المادة (258) مرافعات السابق ذكرها فإن المحكوم عليه هو الذي يتحمل مصاريف التقاضي، لأن القانون افترض أن المحكوم عليه هو المتعنت في دعواه أو في دفاعه لدعوى خصمه او في طعنه او رده على الطعن، فلا ريب أن المحكوم عليه كان يعرف منذ البداية او اثناء سير إجراءات التقاضي أنه غير محق في دعواه أو دفاعه لدعوى خصمه، أو كان بوسع المحكوم عليه ان يعلم ذلك عن طريق محاميه ومستشاريه القانونيين، ومع هذا وذاك فقد مضى المحكوم عليه في إجراءات التقاضي حتى صدر الحكم عليه.
فقد كان بوسع المحكوم عليه أن يسلم بحق خصمه منذ علمه باحقية خصمه المحكوم له من غير حاجة إلى تداعي أمام القضاء أو من الاستمرار في عناده وخصامه امام القضاء، ولذلك فقد كان تعنت المحكوم عليه وعناده وإمتناعه عن التسليم بحق المحكوم له هو الباعث والدافع للمحكوم للجوء إلى القضاء ومواصلة إجراءات المحاكمة حتى صدور الحكم لصالحه كان الباعث على ذلك، فلو كان المحكوم عليه قد أذعن لصوت الحق والعدل لما لجاء المحكوم له إلى القضاء ولماسار في إجراءات التقاضي حتى صدور الحكم لصالحه، فالسبب يرجع إلى المحكوم عليه. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالنقض الجزء الثاني، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص٢١٩)، والله اعلم.