توجيه المحكمة اليمين إلى الخصم مع وجود الأدلة

اليمين وسيلة من وسائل الإثبات وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية وقانون الإثبات، فقد تكون اليمين دليلاً كاملاً، كما قد تكون اليمين متممة إذا كانت هناك أدلة ناقصة فيقوم القاضي بتوجيه اليمين إلى الخصم صاحب الدليل الناقص لتتميمه باليمين، كما يحق للقاضي توجيه يمين الاستظهار ويمين الاستحقاق ويمين الاستيثاق ويمين عدم العلم، بيد أنه في كل الأحوال، لا يجوز للقاضي توجيه اليمين إلى الخصم الذي قدم أدلة كافية تثبت الواقعة المراد إثباتها باليمين، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٣٠/٤/٢٠١٤م، في الطعن رقم (٥٥١٣٥)، فقد ورد ضمن أسباب هذا الحكم: (فالظاهر أن نعي الطاعن في محله، لأن الطاعن كان قد استدل بأدلة كافية منها شهادة الشهود التي تثبت أن مستحقات المطعون ضده هي أجرة يده فقط، أي أجرة عمله، أما مواد البناء فقد كان يشتريها ابن الطاعن، ولذلك فإن قيام الشعبة بتوجيه اليمين إلى الطاعن على أنه كان يقوم بنفسه بشراء مواد البناء مخالف لقواعد الإثبات، لأنه لم تكن لدى المطعون ضده أية أدلة حتى يقال إنها أدلة ناقصها تتممها اليمين)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: حالات قيام المحكمة بتوجيه اليمين إلى الخصم:


تقوم المحكمة بتوجيه اليمين من تلقاء ذاتها من غير طلب، وذلك في الأحوال الآتية:

الحالة الأولى: توجيه المحكمة اليمين المتممة:

تقوم المحكمة من تلقاء ذاتها بتوجيه هذه اليمين إلى الخصم الذي سبق له تقديم أدلة غير كافية لإثبات الحق أو لتكوين قناعة المحكمة، فيُكمل القاضي بهذه اليمين الدليل أو الأدلة الناقصة، ولا يحق للخصم الذي وجه القاضي اليمين إليه ردّها على خصمه، فليس أمام من توجهت اليمين إليه سوى الحلف أو النكول (الامتناع)، فإن حلف حكمت المحكمة له وإن نكل حكمت عليه.

فاليمين المتممة: هي التي توجهها المحكمة من تلقاء ذاتها لأي من الخصمين الذي قدم بينة ناقصة لتتم المحكمة الدليل الناقص فتحكم بموجب ذلك في موضوع الدعوى أو في قيمة ما تحكم به، ويشترط في توجيه هذه اليمين ألا يكون في الدعوى دليل كامل وألا تكون الدعوى خالية من أي دليل.

وفي هذا المعنى نصت المادة (145) إثبات على أنه: (على المحكمة أن توجه اليمين المتممة للمدعي الذي قدم بينة ناقصة لاستكمال البينة القانونية على الحق المدعى به بشرط ألا تكون الدعوى خالية من أية بينة وأن لا تكون فيها بينة كاملة وذلك في الأحوال التي يجوز فيها ذلك وهي الحقوق والأموال، ولا يجوز للمدعي أن يرد اليمين المتممة إلى المدعى عليه).

الحالة الثانية: توجيه المحكمة يمين الاستظهار:

يمين الاستظهار هي اليمين التي يوجّهها القاضي من تلقاء نفسه لمن ادّعى حقاً في تركة ميّت وأثبته، حيث يُحلف بأنه لم يستوفِ هذا الحق من الميت ولا من غيره ولم يُبرئه منه.

فهذه اليمين توجهها المحكمة من تلقاء نفسها لمن ادعى حقاً في التركة وأثبته على أنه لم يستوف هذا الحق بنفسه ولا بغيره من الميت بوجه من الوجوه ولا أبراه ولا أحاله على غيره ولا استوفى دينه من الغير وليس للميت مقابل هذا الحق رهن.

الحالة الثالثة: يمين الاستحقاق:

وهي اليمين التي يوجّهها القاضي لمن استحق المال وأثبت دعواه، ليحلف بأنه لم يبِع هذا المال ولم يهبه لأحد ولم يخرجه عن ملكه بوجهٍ من الوجوه.

الحالة الرابعة: توجيه يمين الاستيثاق (أو يمين عدم العلم في بعض القوانين):

يوجّهها القاضي أحياناً في حالات معينة كتوجيه اليمين إلى الورثة بعد وفاة مورثهم لنفي علمهم بالواقعة، ويتم توجيه يمين الاستيثاق إلى المشتري إذا أراد رد المبيع بعيب على أنه لم يرضى بالعيب صراحةً أو دلالة.

ويتم توجيه يمين الاستيثاق إلى المدعي بما ادعاه إذا توفي المدعي عليه أثناء المرافعة قبل الحكم على الورثة.

وتوجه المحكمة يمين عدم العلم إلى الورثة إذا توفي المدعي أثناء المرافعة قبل الحكم ويتم توجيهها إلى الورثة.

الوجه الثاني: توجيه المحكمة اليمين عند البينة الكاملة في الشريعة الإسلامية:


من أصول الإثبات وقواعده في الشريعة الإسلامية أن: البينة على المدعي واليمين على المنكر، وأصل هذه القاعدة حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، ومعنى ذلك أن الشريعة الإسلامية قد قررت البينة على المدعي بالحق أو الشيء أو الواقعة محل النزاع، فإذا أفلح المدعي في تقديم البينة الكاملة على الشيء أو الحق أو الواقعة التي يدعيها فلا يحق إلزامه بشيء آخر غير ما ألزمه الشارع به وهي البينة، وتطبيقاً لذلك لا يحق للمحكمة إلزام المدعي بأداء اليمين أو حلفها، طالما أنه قد قام بتقديم البينة الكاملة المثبتة لما ادعى به.

فاليمين وسيلة إثبات احتياطية تُشرع عند عجز المدعي عن إقامة البينة وليس عند وجودها. فالبينة أقوى في الإثبات من اليمين، لأن البينة تتعدى نفعها إلى الغير (كالشهود)، أما اليمين فهي احتجاح بالجانب الشخصي لمن حلف.

فإذا قدّم المدعي بينة كافية، وجب على القاضي الحكم له بناءً عليها، ولا يُسمح للخصم بطلب توجيه اليمين لإسقاط البينة أو منازعتها، كما لا يحق للمحكمة توجيه اليمين إلى الخصم في هذه الحالة.

الوجه الثالث: توجيه المحكمة اليمين عند البينة الكافية في قانون الإثبات اليمني:


من المعلوم أن قانون الإثبات اليمني مأخوذ من فقه الشريعة الإسلامية، ولذلك فإنه قد نحى منحى الشريعة الإسلامية في تقريره أن البينة على المدعي واليمين على المنكر.

ومن المعلوم أن مفهوم المدعي في الشريعة الإسلامية وقانون الإثبات واسع يستوعب كل من يدعي بحق أو واقعة، فقد يشمل مفهوم المدعي المدعى عليه أيضاً، مثل أن يدعي المدعي الأصلي بدين فيرد المدعى عليه على المدعي بأنه قد قام بالوفاء بالدين، فيكون رد المدعى عليه في هذه الحالة إقراراً بالدين المدعى به، ومن ناحية أخرى يكون إدعاءً من جانب المدعى عليه بوقوع واقعة الوفاء، وعندئذٍ يلزم المدعى عليه إثبات واقعة الوفاء بالدين، وفي هذا المعنى نصت المادة (2) من قانون الإثبات اليمني على أنه (على الدائن إثبات الحق وعلى المدين إثبات التخلص منه، وتكون البينة على المدعي واليمين على من أنكر).

فوفقاً لهذا النص إذا استطاع المدعي تقديم البينة على صحة دعواه فلا يلزمه أداء اليمين، فيكون توجيه المحكمة اليمين إليه في هذه الحالة من غير سند قانوني، وفي هذا المعنى نصت المادة (145) إثبات على أنه: (على المحكمة أن توجه اليمين المتممة للمدعي الذي قدم بينة ناقصة لاستكمال البينة القانونية على الحق المدعى به بشرط ألا تكون الدعوى خالية من أية بينة وأن لا تكون فيها بينة كاملة وذلك في الأحوال التي يجوز فيها ذلك وهي الحقوق والأموال، ولا يجوز للمدعي أن يرد اليمين المتممة إلى المدعى عليه) فهذا النص صريح في تقريره بأن اليمين لا يتم توجيهها إلى الخصم إذا كانت له بينة كاملة.

الوجه الرابع: توجيه المحكمة اليمين عند البينة الكافية تكليف مخالف لقواعد الإثبات:


سبق القول في الأوجه السابقة أن توجيه اليمين عند وجود البينة الكافية ليس له سند صحيح في الشريعة والقانون، وعلى هذا الأساس فإن توجيه المحكمة اليمين إلى الخصم الذي أفلح في تقديم البينة الكاملة يكون مخالفة صارخة لقواعد الإثبات المقررة في الشرع والقانون حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.

الوجه الخامس: المقصود بالبينة الكاملة التي تمنع توجيه المحكمة طلب اليمين:


المقصود بالبينة الكاملة في هذا الشأن أن يتمكن المدعي من إثبات الحق أو الواقعة المدعى بها بإحدى وسائل الإثبات سواء أكانت وسيلة واحدة من وسائل الإثبات المقررة في المادة (13) من قانون الإثبات اليمني كشهادة الشهود والإقرار والكتابة...إلخ، فإذا استطاع المدعي أن يثبت ما يدعيه بواحدة من طرق الإثبات المقررة فقد تحققت البينة.

وقد يتمكن المدعي من إثبات ما يدعيه عن طريق أكثر من طريقة من طرق الإثبات، وتطبيقاً لذلك فقد قضى الحكم محل تعليقنا بعدم جواز توجيه المحكمة اليمين إلى الخصم الذي قدم البينة الكافية، لأن الطاعن كان ومن خلال ذلك يظهر أن البينة الكاملة قد تحققت من خلال أكثر من طريقة من طرق الإثبات (الكتابة والمعاينة وأعمال الخبرة)، بيد أنه في حالات كثيرة تتحقق البينة الكاملة بطريقة واحدة من طرق الإثبات تكون كافية في إثبات الشيء المدعى به، فإذا توفرت البينة الكاملة بأية طريقة من طرق الإثبات يمتنع قبول طلب اليمين.

الوجه السادس: يجوز للمحكمة طلب يمين الاستيثاق والاستظهار والاستحقاق مع وجود البينة الكاملة:


ذكرنا في الوجه الأول أن المحكمة توجه يمين الاستيثاق والاستظهار والاستحقاق إلى المدعي مع أنه قد أفلح في إثبات دعواه وقدم البينة الكاملة على صحة دعواه.

فيحق للمحكمة توجيه يمين الاستيثاق إلى المدعي مع وجود البينة الكاملة إذا كان المدعي قد أثبت دعواه في مواجهة الخصم القاصر كالمجنون والصبي وكذا في مواجهة الغائب والخائف والمسجون والمعتقل والأسير.

فالفقه الإسلامي يجيز للقاضي أن يوجه يمين الاستيثاق إلى خصم هولاء مع أنه قد أثبت دعواه ببينة كاملة.

ويقرر الفقه الإسلامي يمين الاستيثاق في هذه الأحوال لعدم تكافؤ الخصوم أمام المحكمة، فالغائب والصبي والمجنون لا يستطيع الدفاع عن نفسه أمام المحكمة في مواجهة خصمه إلا عن طريق المنصوب أو الوكيل أو الولي الذي قد لا يحسن تمثيل القاصر أو الغائب أمام القضاء في مواجهة خصمه.

وكذلك الحال في يمين الاستظهار والاستحقاق. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل اليمين الجزء الثاني، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص٨٣).
توجيه المحكمة اليمين إلى الخصم مع وجود الأدلة، قاضٍ في قاعة المحكمة ومستندات وأدلة قضائية وميزان العدالة
تعليقات