تعليق حكم التحكيم على اليمين يبطله
معنى الحكم: هو الفصل في النزاع وحسمه، ولذلك ينبغي أن يكون الحكم جازماً حاسماً منهيا للخلاف، والتعليق في الحكم يقع حينما يتضمن منطوق الحكم تعليق الشىء المحكوم به على استيفاء اجراء او شرط بعد النطق بالحكم، مثل ان يتضمن منطوق الحكم النص على استحقاق المحكوم له للشىء شريطة ان يحلف اليمين المحكوم له بعد النطق بالحكم المعلق ان يحلف على استحقاقه للشيء، او ان يتضمن منطوق الحكم تعليقه على تعيين محاسب بعد النطق بالحكم وذلك لتحديد المبالغ المستحقة لطرفي الخصومة أو الاستماع بعد النطق لشاهد أو استجواب الخصوم لتحديد الشىء المحكوم به.
فالحكم المعلق ليست حكماً بالمعنى الشرعي والقانوني إلا من قبيل المجاز فهو لا يحسم خلافاً ولا يرفع نزاعاً، وحكم التحكيم لا يشذ عن هذه القاعدة، فإذا كان حكم التحكيم معلقا على يمين او غيرها فانه يكون باطلا، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٩/٨/٢٠١٤ في الطعن رقم (٥٣٦٩٨)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار إليه: (وهذه الدائرة تقرر ان العبارة التي جاءت في الفقرة (٢)من منطوق حكم التحكيم وهي عبارة: (ما لم يحلف المدعى عليه اليمين ان مستحقات المدعي من الارباح هي ادنى من ذلك المبلغ، لان القول قوله مع يمينه): فالدائرة تجد ان ذلك يعتبرا تعليقا للحكم على حلف اليمين، ولاشك ان الحكم يجب ان يكون حاسما للنزاع وقابلا للتنفيذ كسند تنفيذي، ولذلك فان الدائرة تقرر سلامة ما توصل اليه الحكم الاستئنافي في ابطال حكم التحكيم)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الاول: معنى تعليق الحكم:
نصت المادة (٢٢١) مرافعات يمني على انه: (يجب على المحكمة ان تحكم في كل طلب او دفع قدم اليها وفقا للقانون)، اي انه يجب على القاضي او المحكم ان يفصل ويحسم النزاع بشان الطلبات والدفوع التي ينظرها، ومقتضى ذلك انه يجب على القاضي او المحكم ان يستوفي كافة الادلة والشروط والاجراءات المتعلقة بالدعوى او الطلب او الدفع قبل الفصل فيه حتى يقف القاضي او المحكم على حقيقة الدعوى او الطلب وبعدئذ يحكم ويحسم القاضي او المحكم النزاع بشان الدعوى او الطلب المنظور امامه.
فاذا قام القاضي او المحكم بتعليق الحكم على اجراء لاحق للنطق بالحكم مثل حلف يمين او سماع شاهد او تعيين خبير او استجواب الخصوم فانه يكون قد علق الحكم على ذلك الاجراء، فيتعلق مصير الحكم بذلك الاجراء، فيكون مصير الحكم مجهولا او غير ثابت.
الوجه الثاني: تعليق الحكم على اليمين:
كان الحكم محل تعليقنا قد قضى ببطلان حكم التحكيم الذي قضى بان الارباح المستحقة لصاحب راس المال هو مبلغ ..... الا اذا حلف المدعى عليه(المضارب) بان ارباح المدعي اقل من ذلك المبلغ الذي قدره حكم التحكيم، لان القول قول المضارب مع يمينه حسبما ورد في حكم التحكيم.
فقد قضى الحكم محل تعليقنا بان حكم التحكيم باطل لانه معلق بيمين المدعى عليه المضارب فاذا حلف بطل حكم التحكيم وحل قول المضارب محل الحكم واذا نكل المضارب فلم يحلف صح حكم التحكيم، فمصير الحكم معلق بموقف المضارب من اليمين، ومعنى ذلك ان الحكم الحقيقي في النزاع سيكون بيد المضارب وليس المحكم.
وقد سبق ان قضت المحكمة العليا بتاريخ٣٠/٨/٢٠٠٤ م في الطعن رقم (١٩٣٧١) بانه: (حيث أن الطعن مقيد في ميعاده مستوفياً لشروطه القانونية فإنه يكون مقبولاً شكلاً استناداً إلى قرار دائرة فحص الطعون، ومن حيث الموضوع فإنه لما كان الطاعن قد نعى على الحكم المطعون فيه مخالفته القانون والقصور في الاستيفاء والتسبيب، وكان الظاهر من حيثيات الحكم ومنطوقه أنه لم يفصل فيما دفع به الطاعن من شمول الصلح للمطعون ضدها، ومن أن التنازل من بعض إخوانه دون عوض، مع ما ذكره الحكم الابتدائي من أن الشراء كان استشفاعاً، وإلى ذلك عدم الفصل فيما دفع به الطاعن من سقوط حق المطعون ضدها في إقامة الدعوى لتفويت الميعاد المحدد لإقامتها طبقاً لنص المادة (١٢٨٢) مدني، وبعد كل ذلك تعليق الحكم على اليمين. فإن الحكم يكون قد بني على غير أساس صحيح معيباً بالقصور المخل وغير منه للخصومة مما يتعين نقضه.(
فالمفهوم الشرعي والقانوني للحكم هو الفصل والجزم وحسم النزاع بين الخصوم بشأن الحقوق والمصالح وفصل الشجار بشأنها حتى يكون الحق المحكوم به قابلاً للاقتضاء وديا اوجبرياً، فإذا كانت هناك ثمة إجراءات يقتضيها الفصل في النزاع فإنه يجب على القاضي أن يستوفيها قبل النطق بالحكم، فلا يجوز للقاضي أن يرجئ هذه الإجراءات إلى ما بعد النطق بالحكم فيعلق الحكم عليها، لأن معنى ذلك أن الحكم لم يفصل في النزاع بصفة نهائية وينهي الخصومة وإنما ترك الحكم بعض الإجراءات الخلافية إلا ما بعد النطق بالحكم، مثل الحكم بأن يدفع المحكوم عليه مبلغ كذا بعد أن يحلف المحكوم له أو أن يحكم بتعيين محاسب لمراجعة الحسابات محل النزاع أو أن يحكم في طلب القسمة الجبرية بإجراء القسمة.
وقد استقرت أحكام القضاء في اليمن وغيرها على أن الإرجاء والتعليق يبطل الحكم، مع ملاحظة التخريج الواعي والجميل لأستاذنا الجليل الأستاذ الدكتور نبيل إسماعيل عمر عن بطلان الحكم في هذه الحالة الذي قال: أن بطلان الحكم المعلق لا يعني هدر الإجراءات التي قام بها القاضي في ذلك الحكم، إذ ينبغي استيفاء الإجراءات المعلقة بحكم لاحق يكون هو السند التنفيذي. (الهدر الإجرائي، أستاذنا الأستاذ الدكتور نبيل إسماعيل عمر، منشأة المعارف الإسكندرية ٢٠٠٢م، صـ٦٤).
وما أحوجنا في اليمن لهذا الفهم الراقي والواعي لبطلان الأحكام ونقضها حتى لا يتم هدر الإجراءات الصحيحة في الأحكام الباطلة، باعتبار ذلك من أهم أسباب إطالة إجراءات التقاضي في اليمن. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل تبسيط إجراءات التقاضي، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، صـ٣٥٤).
الوجه الثالث: القول قول المضارب مع يمينه في تحديد ربح المضاربة:
قضى الحكم محل تعليقنا بانه اذ تعذر على صاحب راس مال المضارب إثبات مقدار الربح المستحق لكل طرف في عقد المضاربة فان القول المعتمد في هذا التحديد هو قول المضارب مع يمينه، المضارب هو الذي بالمضاربة فهو الاعلم بنتائج المضاربة والمصاريف والارباح الصافية ونصيب كل طرف منها .
ولا يتم اللجوء الى قاعدة القول قول المضارب مع يمينه الا اذا تعذر اثبات الارباح ونصيب كل طرف منها عن طريق وسائل الاتبات المقررة، فاثبات ذلك يتم بواسطة كشف حساب دقيق يقدمه المضارب ويزكيه بـ يمين شرعية أمام. القاضي في حال النزاع، وقد يتم إثبات ذلك عن طريق ـ تقديم مستندات (فواتير، عقود، سجلات)، و شهود، و يمين العامل المضارب.
وهناك وسائل عدة لإثبات مقدار الربح في المضاربة ونصيب كل طرف فيه ومن اهم هذه الوسائل مثل كشوفات الحسابات والسجلات التي اعدها المضارب مسبقا لتدوين كافة إيرادات ونفقات عملية المضاربة التي كان المضارب يقوم بقيدها أولا باول، بالاضافة الى الفواتيرومستندات الشراء وكافة الوثائق والمستندات التي تدل على صحة القيود المحاسبية في السجلات المفصلة الخاصة بالنشاط التجاري لعملية المضاربة، إذ يجب على المضارب ان يوافي صاحب المال بها أو يطلعه على السجلات والمستندات اولا باول، فمن خلال ذلك يستطيع صاحب راس المال ان يستدل بتلك الكشوفات والمستندات التي سبق له ان اطلع عليها، وان لم تكن لدى صاحب المال كشوف الحساب فانه يستطيع مطالبة المضارب بتقديم كشوف الحساب وتمكينه من الاطلاع على السجلات والمستندات، واذا امتنع المضارب عن ذلك فان صاحب المال يستطيع مطالبة القضاء بتكليف محاسب لمراجعة حسابات المضارب وتحديد مقدار الأرباح ونصيب صاحب المال منها، كما يتم إثبات ربح المضاربة عن طريق أعمال الخبرة في ضوء العرف والنشاط المماثل.
كما يمكن إثبات الربح في المضاربة عن طريق مطالبة صاحب المال بيمين المضارب بصحة ماورد في كشف الحساب المقدم من قبل المضارب، لأن القول في هذه المسألة قول المضارب مع يمينه.
كما يمكن إثبات الربح في المضاربة عن طريق شهادة الشهود الذين اطلعوا على المعاملات ونتائجها أو سمعوا إقرار المضارب بمقدار الربح.
وقد قال السرخسي الحنفي في المبسوط: ولو قال المضارِب في مرضه قد ربحت ألف درهم ووصلت إلي فضاع المال كله، وكذبه رب المال، فالقول قول المضارب مع يمينه لأنه أمين...
وقال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره: والقول للعامل في تلفه وخسره.
وقال الإمام النووي الشافعي: ويصدق العامل بيمينه في قوله لم أربح..... وفي دعوى التلف.
وقال ابن قدامة الحنبلي: وكذلك القول قوله فيما يدعيه من تلف المال أو خسارة، وما يُدَّعَى عليه من خيانة وتفريط.
فاتضح لنا من كلام هؤلاء الأئمة أن المضارب أمين، وأنه مصدق بيمين على قولً، وبغير يمين على قولٍ آخر،
فعند المالكية والشافعية في الأصح: القول هو قول المضارب، لأنه مأمون كالوديع.
- وإن اختلفا في قدر رأس المال يقبل قول المضارب باتفاق الفقهاء، كأن قال رب المال: دفعت إليك ألفين، وقال المضارب: دفعت إلي ألفاً، فيقبل قول المضارب؛ لأن المتعاقدين اختلفا في مقدار المقبوض، فكان القول قول القابض بدليل أنه لو أنكر القبض أصلاً، وقال: لم أقبض منك شيئاً كان القول قوله، فكذا لو أنكر البعض دون البعض.
ولو اختلف المتعاقدان في قدر رأس المال وفي مقدار الربح أيضاً، كأن قال رب المال: رأس المال ألفان، والمشروط ثلث الربح. وقال المضارب: رأس المال ألف، والمشروط نصف الربح، فقال الحنفية والحنابلة: القول قول المضارب أيضاً في قدر رأس المال، وقول رب المال في مقدار الربح. ويرى الشافعية أن المصدق بيمينه في الحالتين هو العامل؛ لأن الأصل عدم دفع زيادة على رأس المال، والأصل عدم الربح.
- وإذا اختلف رب المال مع المضارب في مقدار الربح المشروط في العقد: فقال الحنفية والحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد: القول قول رب المال، مثل أن يقول المضارب: شرطت لي نصف الربح، فيقول رب المال: بل ثلثه، فيقبل قول رب المال؛ لأن صاحب المال ينكر الزيادة على النصف والقول قول المنكر ؛ لأن النبي ﷺ قال: «ولكن اليمين على المدعى عليه».
اما القانون المدني اليمني فقد نصت المادة (873) على ان: (القول قول رب المال والبينة على العامل عند الاختلاف في ثلاث مسائل هي:
1. كيفية الربح اي طريقة تحققه ونوعه وجنسه.
2. في نفي الربح بعد اقرار العامل بمال المضاربة مع ادعاء ربح فيه ولا مصادقة على قدره.
3. في ان المال قرض او غصب ليضمن العامل التالف منه وادعى العامل انه مضاربة (قراض)، ومن غير ذلك ان ادعى العامل ان المال قرض لا مضاربة فالقول قوله). (النظرية العامة للمصرفية الإسلامية، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2016م، ص282) والله أعلم.