مدى إلزامية الإجراءات في مركز التحكيم

مدى إلزامية الإجراءات المعتمدة في مركز التحكيم وأثر اتفاق الأطراف على التزام لجنة التحكيم بالقواعد الإجرائية
مدى إلزامية قواعد وإجراءات مركز التحكيم بالنسبة إلى الخصوم ولجنة التحكيم.

مدى إلزامية الإجراءات في مركز التحكيم

من ضمن متطلبات إنشاء مراكز التحكيم اعتماد الجهة المختصة (وزارة العدل) الدليل او القواعد التي تنظم إجراءات التحكيم في المركز، وعندما يختار الخصوم المركز للفصل في الخصومة القائمة بينهم او النزاعات التي قد تقع بينهم في المستقبل عند تنفيذهم لعقد ما، فان اتفاقهم على اختيارالمركز يكون قبولا لتطبيق اجراءات التحكيم المعتمدة على خصومتهم، فتكون تلك الإجراءات هي الواجبة التطبيق بالنسبة للجنة التحكيم او الخصوم، لان اختيار الخصوم المركز للفصل في الخصومة يعني الموافقة على اجراءات التحكيم المتبعة او المعتمدة في المركز، الا اذا اشترط الخصوم على المركز اتباع قواعد او اجراءات مختلفة عن تلك المعتمدة في المركز، كما ان اجراءات التحكيم المعتمدة في المركز تكون ملزمة للجنة التحكيم المختارة من الاطراف والتي تعمل باسم مركز التحكيم، لان اللجنة تنتسب الى المركز وتتخذ اجراءاتها وتصدر حكمها باسم المركز، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٥/١٢/٢٠١٣م في الطعن رقم (٥٣٦٩٥)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار إليه: (فالدائرة تجد أن نعي الطاعنة في محله، فقد كان من الواجب على الشعبة طلب نظام التوفيق والتحكيم الخاص بمركز التحكيم للتأكد من اتباع هيئة التحكيم لمتطلباته في حدود ما ورد بدعوى البطلان)، و سيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما مبين في الأوجه الاتية: 

الوجه الاول: قواعد واجراءات التحكيم في مراكز التحكيم: 

من ضمن متطلبات انشاء وتأسيس مراكز التحكيم والترخيص لها من قبل وزارة العدل ان تكون لدى المركز دليل او نظم وقواعد تنظم التحكيم في المركز تتضمن كيفية اختيار المحكمين وتشكيل لجان التحكيم وكيفية انعقاد جلسات التحكيم واجراءات تقديم الدعوى والقواعد الاجرائية والموضوعية المعتمدة في المركز واجور التحكيم... الخ. 
إذ تقوم وزارة العدل قبل منح مركز التحكيم ترخيص العمل تقوم الوزارة بالتحقق من سلامة قواعد التحكيم في المركز ومدى كفايتها وموافقتها للقانون وعدم مخالفتها للنظام العام. 
 وتتشابه اجراءات التحكيم المعتمدة في مراكز التحكيم المختلفة، لان مصدرها القواعد الوطنية والدولية، واجراءات التحكيم المعتمدة في المراكز تكون اكثر مرونة وبساطة من اجراءات المحاكمة امام القضاء، بيد انه لا يجوز ان تخالف قواعد التحكيم وإجراءاته في مراكز التحكيم القواعد المتعلقة بالنظام العام المقررة في قانوني المرافعات والتحكيم. 
وبالإضافة الى قواعد واجراءات التحكيم الخاصة بالمركز فانه ينبغي ان تكون لدى المركز قوائم تتضمن اسماء المحكمين المعتمدين في المركز ومؤهلاتهم وخبراتهم وبياناتهم المناسبة، وتقوم بعض مراكز التحكيم باعداد دليل التحكيم الخاص بالمركز الذي يتضمن كافة الاجراءات والقواعد والنظم المعتمدة في المركز.. 

الوجه الثاني: اختيار الخصوم لمركز التحكيم ودلالته على القبول باجراءات التحكيم المعتمدة في المركز: 

مجرد توقيع الأطراف على اتفاق التحكيم، يصبح عقداً ملزماً لا يجوز لأي طرف التراجع عنه بإرادته المنفردة، وبمجرد أن يتفق الطرفان (سواء في العقد الأساسي أو بموجب اتفاق مستقل) على إحالة نزاعهم إلى مركز تحكيم معين، فإنهما يلتزمان بقبول نظم ولوائح وقواعد المركز المختار منهم.
فتخضع اجراءات نظر الخصومة التحكيمية وجلستها وتبادل المذكرات للقواعد المعتمدة في المركز.
 ولذلك يلتزم الأطراف وهيئة التحكيم باتباع اللوائح والقواعد الإجرائية الخاصة بمركز التحكيم المتفق عليه (مثل المواعيد المحددة للرد، وتسمية المحكمين، وإجراءات الجلسات). 
وتبعا لذلك تكون إجراءات التحكيم المعتمدة في مركز التحكيم ملزمة لأطراف التحكيم بمجرد وجود اتفاق تحكيم صحيح (سواء كان شرطاً واردأ في العقد أو مشارطة تحكيم منفصلة) ورضا الأطراف المسبق أو لجوئهم إلى المركز.
فكقاعدة عامة، يعني اختيار الخصم (أو اتفاق الأطراف) على التحكيم لدى مركز تحكيم معين، قبولاً صريحاً وتلقائياً باللائحة وقواعد الإجراءات المتبعة في هذا المركز.
ففي علم التحكيم، يُعرف هذا بـ "التحكيم المؤسسي". وبمجرد إدراج اسم مركز معين في شرط التحكيم أو مشارطته، تُصبح القواعد الإجرائية للمركز (مثل مواعيد تقديم المذكرات، وطريقة إعلان الخصوم، وتعيين الهيئة) جزءاً لا يتجزأ من اتفاق التحكيم ومُلزمة للطرفين. 
ويمنح هذا الاختيار المركزَ سلطة الإشراف على القضية، وتحديد الرسوم والمصاريف، والفصل في طلبات ردّ المحكمين وفقاً لإجراءات التحكيم المعتمدة في المركز.
ويقوم الخصوم باختيار مركز التحكيم بوسيلتين هما: 
الوسيلة الاولى: شرط التحكيم الذي يرد ذكره مسبقا كبند ضمن عقد من العقود: 
وهذا الشرط عبارة: عن شرط يتم ذكره مسبقا قبل وقوع الخلاف وذلك في أي عقد من العقود المنظمة للعلاقات بين الاشخاص الاعتبارين والطبيعيين حيث يكون هذا الشرط بندا من بنود العقد، مثل الشرط الذي يرد ذكره في عقود المقاولة والتوريد والوكالات التجارية.....الخ، حيث تتضمن هذه العقود شرط التحكيم الذي ينص على أنه: (عند حدوث أي خلاف بشأن تفسير اوتنفيذ هذا العقد فيتم رفع الخلاف الى مركز.... للتحكيم للفصل في الخلاف بحسب القوانين والنظم والقواعد المتبعة في المركز)، وعندئد فان توقيع الاطراف على العقد الذي يتضمن هذا الشرط يعني موافقة وقبول اطراف التحكيم على الاحتكام للقواعد والاجراءات المعتمدة في المركز المذكور في شرط التحكيم. 
الوسيلة الثانية: مشارطة التحكيم (اتفاق التحكيم) المستقل: 
سبق القول في الفقرة السابقة أن (شرط التحكيم) يكون قبل وقوع النزاع.، اما (مشارطة التحكيم) فهي عبارة عن اتفاق مستقل بين الخصوم عند وقوع الخلاف بالفعل على تحكيم مركز معين. 
 ويتم هذا الاتفاق بعد وقوع الخلاف بين الخصوم، وهذا هو الفرق بين شرط التحكيم الذي يقع قبل وقوع الخلاف وبين مشارطة التحكيم التي تتم عند وقوع الخلاف.
وما يعنيننا ان اختيار الخصوم لمركز التحكيم للفصل في الخصومة التي قامت بينهم بالفعل يعني ايضا قبول الخصوم وموافقتهم على قواعد واجراءات التحكيم المعتمدة في المركز الذي قاموا باختياره، لان المعتاد ان الاشخاص لا يقوموا باختيار مركز التحكيم الا بعد مطالعتهم وفهمهم للنظم والقواعد والاجراءات المتبعة في المركز. 
فإتفاق التحكيم أو شرط التحكيم يتضمن إختيار الخصوم لمركز التحكيم على اساس ان المركز مؤسسة نظامية للتحكيم، لديها نظم ولوائح وقواعد واجراءات نظامية تتحقق فيها الدقة والموضوعية وسلامة الوصول إلى حكم تحكيم عادل، وعلى اساس ان لدى المركز الكوادر والخبرات اللازمة في مجال التحكيم، وعلى هذا الاساس قام الخصوم بتسمية واختيار مركز التحكيم كمحكم.
وتنفيذا لشرط أو مشارطة التحكيم فان الخصوم يقوموا باستعراض قوائم المحكمين المعتمدين في المركز بغرض اختيار محكم او لجنة تحكيم تابعة للمركز تتقيد بالإجراءات والقواعد المتبعة في المركز، وعلى هذا الاساس تم ادراج اسماء المحكمين في القوائم المعتمدة في المركز، وبناء على ذلك فان اختيار المحتكمين للمحكمين من قوائم المركز يدل على قبول المحتكمين بالإجراءات والقواعد المتبعة في المركز. 
وبناء على ذلك فان ارادة الخصوم في شرط التحكيم أو اتفاق التحكيم للمركز قد اتجهت الى إختيار الاجراءات والقواعد المتبعة في المركز، ولذلك فان النظم والقواعد والاجراءات المتبعة في مركز التحكيم تكون في حكم الشروط المقررة من الخصوم في اتفاق التحكيم ومشارطة التحكيم.
فتحكيم الاطراف للمركز كشخصية اعتبارية يعني القبول بنظم وقواعد واجراءات التحكيم المتبعة في المركز، وعلى هذا الاساس فان هذه الاجراءات ملزمة للخصوم المحتكمين وللمحكمين التابعين للمركز. 
وبناء على ما سبق فان اجراءات التحكيم المعتمدة في المركز ملزمة لأطراف التحكيم طالما انهم قد اختاروا الاحتكام الى المركز الذي يعمل على وفق قواعد واجراءات نظامية وطالما ان هذه القواعد لا تخالف قواعد النظام العام المقررة في قانوني التحكيم والمرافعات (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التحكيم الجزء الرابع، أ.د. عبد المومن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة، ٢٠٢٦م، ص١٦٥).

الوجه الثالث: حدود الزام اجراءات المركز للخصوم المحتكمين: 

ذكرنا فيما سبق ان اجراءات وقواعد مركز التحكيم المختار ملزمة للخصوم المحتكمين مادام انهم لم يشترطوا تطبيق قواعد تحكيم اخرى غير القواعد المعتمدة في المركز ومادام ان قواعد واجراءات التحكيم المعتمدة في المركز لا تخالف النظام العام المقرر في قانون التحكيم وقانون المرافعات. 
ومعنى ذلك انه يحق للمحتكمين الاتفاق على ان يقوم المركز المختار بتطبيق قواعد واجراءات التحكيم في مركز تحكيم اخر مثل اتفاق المحتكمين على تطبيق قواعد اليونسترال او قواعد غرفة تجارة باريس او قواعد مركز القاهرة او دبي او الشارقة او مركز التحكيم لدول مجلس التعاون الخليجي وغيرها من مراكز التحكيم، بل انه يحق للمحتكمين الاتفاق على تطبيق المركز المختار منهم لاية قواعد اخرى يرونها لقيام المركز بالفصل في خصومتهم ولو لم تكن معتمدة في اي من مراكز التحكيم، طالما ان القواعد التي اتفق الخصوم على تطبيقها لاتخالف النظام العام المقرر في قانون التحكيم وقانون المرافعات. 
فيحق لأطراف التحكيم الاتفاق على اجراءات تحكيم على خلاف تلك المعتمدة في المركز، لان مبدأ "سلطان الإرادة" هو الأساس في التحكيم، فإذا اتفق الخصوم (كتابةً وبموافقة المركز) على تعديل إجراء معين أو تبني قواعد إضافية او اخرى (مثل قواعد أونسيترال)، فإن الاتفاق الخاص يتم العمل به. 
كما انه لا يجوز لأي من إجراءات المركز أن تخالف القواعد الآمرة المتعلقة بالنظام العام. 

الوجه الرابع: الزامية قواعد واجراءات التحكيم بالنسبة للجنة التحكيم المشكلة من المركز: 

 يقوم المركز باختيار المحكمين المعتمدين وادراجهم في قوائم المحكمين المعتمدة بعد الدراسة الدقيقة بغرض التحقق من توفر شروط معينة ومنها التزام المحكمين بدليل التحكيم المعتمد في المركز الذي يتضمن إجراءات وقواعد التحكيم المتبعة في المركز، فالمحكمون المقيدون في قوائم المركز يتبعوا المركز ويعملوا باسمه ولحسابه وتحت مضلته. 
 فتحكيم الخصوم لمركز التحكيم سواء في اتفاق التحكيم أو شرط التحكيم يتضمن النص على تعيين الخصوم لمركز التحكيم كمحكم بصفته هيئة إعتبارية نظامية، إذ يقوم الخصوم بتسمية المركز وتعيينه كمحكم في إتفاق التحكيم أو شرط التحكيم، ومعنى ذلك ان التحكيم ينصرف للمركز وليس لهيئة التحكيم التي يختارها الخصوم من بين المحكمين المعتمدين في قوائم المركز، كما ان اجراءات نظر لجنة التحكيم التي تنظر الخصومة التحكيمية تباشر إجراءتها باسم المركز، اذ ينبغي ان تتضمن محاضر جلسات لجنة التحكيم ومدونة حكم التحكيم التصريح بان اللجنة تباشر اجراءتها وتصدر حكمها باسم المركز وتحت مضلته، فحكم التحكيم واجراءاته لا تنسب الى لجنة التحكيم وحدها وانما تنسب للجنة بصفتها تابعة للمركز، فالمركز هو المحكم وفقا لاتفاق التحكيم أو شرط التحكيم. 
 ولذلك يجب على هيئة أو لجنة التحكيم التابعة لأي مركز تحكيم الالتزام بإجراءات التحكيم المعتمدة في ذلك المركز، وذلك في حال كان التحكيم مؤسسياً لدى مركز تحكيم معتمد ومرخص له بالعمل كغرفة تجارة باريس ومركز القاهرة ومركز دبي أو المركز السعودي للتحكيم التجاري.

الوجه الخامس: رقابة القضاء على مدى التزام المحكم بالنظم والاجراءات المقررة في مركز التحكيم: 

لا تمتد رقابة القضاء الى هذه المسالة إلا إذا اثار المدعي ببطلان حكم التحكيم في دعواه أن المحكم لم يلتزم بالإجراءات والنظم المقررة في المركز، ، فتكون هذه النظم والاجراءات كما لو انها إتفاقية أي كما لو أن الخصوم اتفقوا عليها في إتفاق التحكيم أو شرط التحكيم، وتبعا لذلك تتحقق حالة بطلان حكم التحكيم المقررة في المادة (53) تحكيم المتمثلة في مخالفة لجنة التحكيم اتفاق التحكيم أو مخالفة الاجراءات المتفق عليها بين الخصوم.
فمن المقرر ان محكمة الإستئناف عند نظرها لدعوى بطلان حكم التحكيم تكون بمثابة محكمة قانون يقتصر دورها على التحقق من حالة البطلان المدعى بها، فرقابة القضاء على حكم التحكيم تتحدد في حالات بطلان حكم التحكيم المنصوص عليها في القانون، ويندرج ضمنها مدى التزام المحكم بالنظم والاجراءات واللوائح المقررة في مركز التحكيم طالما ان الخصوم قد اتفقوا على اختيار مركز التحكيم ولم يشترطوا على المركز تطبيق قواعد او إجراءات تحكيم اخرى. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التحكيم الجزء الرابع، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق، جولة جامعة صنعاء الجديدة، ص321)، والله أعلم.
تعليقات