المزاحمة غير المشروعة لوكيل الشركة الأجنبية

المزاحمة غير المشروعة لوكيل الشركة الأجنبية في القانون التجاري
المزاحمة غير المشروعة لوكيل الشركة الأجنبية — أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
عرفت المزاحمة غير المشروعة اوالمنافسة غير المشروعة الفقرة (1) من المادة (33) من القانون النموذجي للدول العربية بشأن العلامات التجارية والأسماء التجارية وأعمال المنافسة غير المشروعة فقد عرفها هذا القانون بأنه: (يعتبر غير مشروع كل عمل من أعمال المنافسة يتنافى مع العادات الشريفة في المعاملات الصناعية و التجارية)، في حين عرفت المادة (2) من اتفاقية باريس المنافسة غير المشروعة، إذ نصت هذه المادة على انه: (يعتبر من أعمال المنافسة غير المشروعة، كل منافسة تتعارض مع العادات الشريفة في الشؤون الصناعية أو التجارية).
وصور المنافسة غير المشروعة ومجالاتها كثيرة منها منافسة الوكيل التجاري الحصري في إستيراد وتسويق وترويج البضاعة أو منتجات الشركة الاجنبية في اليمن وظهور المنافس غير المشروع امام الزبائن بمظهر الوكيل القانوني للشركة الاجنبية خلافا لعقد الوكالة للشركة الاجنبية المسجل لدى الوزارة االمختصة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 26/2/2014م في الطعن رقم (53856)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فقد ظهر للدائرة من خلال أسباب الحكم الاستئنافي المطعون فيه أن قيام الطاعنة ببيع وتوزيع البضاعة والترويج لها عن طريق الوسائل المرئية والمسموعة والمقروءة وظهور الطاعنة بمظهر الموزع الحصري في الجمهورية اليمنية، وأن تلك الأعمال قد تمت دون إذن من المطعون ضدها صاحبة الوكالة الحصرية لذلك الصنف من البضاعة يعد عملاً غير مشروع يتحقق به ركن الخطأ الذي تصر الطاعنة على إنتفائه من فعلها، ولما كان الأمر كذلك وكان المعلوم فقهاً وقضاءً أن دعوى المنافسة غير المشروعة وفقاً لأحكام المادتين (63 و 64) من القانون التجاري تقوم على قواعد المسؤولية التقصيرية التي تقضي بأن كل شخص ارتكب خطأ سبب ضرراً للغير يلزم بتعويض هذا الضرر، ولما كان الثابت من حيثيات الحكم المطعون فيه إستخلاصه للخطأ المنسوب للطاعنة وقبول الحكم لدعوى المنافسة غير المشروعة، لذلك فإن الحكم المطعون فيه قد أقيم على أسباب سائغة لها أصلها الثابت بالأوراق)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية: 

الوجه الأول: مفهوم المزاحمة او المنافسة غير المشروعة: 

 ظهر مفهوم المنافسة غير المشروعة منذ العام 1900م، في إطار حماية الملكية الفكرية و الصناعية، وقد استعمل القانون التجاري اليمني مصطلح (المزاحمة غير المشروعة) في حين استعملت القوانين الاخرى مصطلح (المنافسة غير المشروعة)، ولا مشاحة في هذا المصطلح.
وقد عرفت المنافسة غير المشروعة الفقرة (١)من المادة (33) من القانون النموذجي للدول العربية بشأن العلامات التجارية والأسماء التجارية وأعمال المنافسة غير المشروعة فقد عرفها بأنه:)يعتبر غير مشروع كل عمل من أعمال المنافسة يتنافى مع العادات الشريفة في المعاملات الصناعية و التجارية).
وحددت المادة (2) من اتفاقية باريس اعمال المنافسة غير المشروعة، فقد نصت هذه المادة على انه: (يعتبر من أعمال المنافسة غير المشروعة، كل منافسة تتعارض مع العادات الشريفة في الشؤون الصناعية، أو التجارية).
 وقد عرف الأستاذ أحمد شكري السباعي المنافسة غير المشروعة بأنها "التزاحم على الزبائن عن طريق استخدام وسائل منافية للقانون أو الدين أو العرف أو العادات أو الاستقامة التجارية أو الشرف المهني." 
في حين عرفها الأستاذ محمد بن حساين بأنها "كل عمل يصدر عن التاجر يروم من خلاله اجتذاب زبائن غيره دون مراعاة مبادئ الشرف المستقر عليها في الوسط التجاري".
أما الأستاذ فؤاد معلال فقد عرفها بأنها "استخدام التاجر لوسائل منافية لمبادئ الشرف والاستقامة التجارية في مزاحمته لغيره من التجار على اجتذاب الزبائن على نحو يؤدي الى الحاق ضرر بأحدهم أو ببعضهم."
 ومعظم هذه التعاريف تضمنت شرط اعتبار فعل معين من قبيل المنافسة غير المشروعة كما أنها استعملت عبارات العادات والأعراف التجارية وكذا مفهوم الشرف والاستقامة التجارية وهي كلها عبارات وردت في كثير من القوانين.
وعلى هذا الاساس فان المزاحمة او المنافسة غير المشروعة هي ممارسات تجارية تخرج عن حدود القانون والأخلاق والنزاهة والاعراف التجارية المستقرة، وتستخدم أساليب غير عادلة لخداع المستهلكين والتأثير عليهم أو الإضرار بالتجار المنافسين بشكل متعمد، مثل تقليد العلامات التجارية، تشويه السمعة، وإغراء عمال المنافس أو زبائنه، أو نشر معلومات كاذبة، او الظهور في الدولة بمظهر الوكيل القانوني للشركة الاجنبية في اليمن ومنافسة الوكيل القانوني من غير اذنه وجذب زبائنه وتقليص مبيعاته، بدلاً من التنافس الشريف القائم على الكفاءة وتقديم الافضل. 
 فالمنافسة غير المشروعة: هي كل تصرف يصدر من تاجر يستهدف منه الإضرار بمنافسيه عن طريق وسائل مخالفة للقانون أو الأخلاق أو الاعراف التجارية، فلا تعتمد هذه المنافسة على تميز المنتج وتجويده وجعله افضل بل على الغش والخداع والتحايل وتجاوز حدود المنافسة العادلة.
ومن خلال إستعراض التعاريف السابقة لمفهوم المزاحمة او المنافسة غير المشروعة يظهر من خلال ذلك وجود صعوبة في وضع تعريف جامع مانع شامل لهذا المفهوم يعطي صورة كافية عنه ويحيط به من كل الزوايا، لان مفهوم المزاحمة او المنافسة غير المشروعة مفهوم واسع بطبيعته، ويتغير باستمرار، ولذلك من الصعب الاحاطة بمفهوم المزاحمة او المنافسة غير المشروعة. 
 ومن خلال مطالعة مفهوم المنافسة غير المشروع على النحو السابق بيانه يظهر ان قيام التاجر بمزاحمة ومنافسة الوكيل القانوني الحصري في اليمن للشركة الاجنبية المسجل لدى الجهة المختصة قانونا عن طريق الاستيراد لمنتجات الشركة الاجنبية والترويج والإعلان عنها وتوزيعها في السوق اليمنية من غير اذن من الوكيل القانوني يعد من قبيل افعال المزاحمة او المنافسة غير المشروعة، إذ ينطبق على هذا التصرف مفهوم المنافسة غير المشروعة. (فؤاد معلال، شرح القانون التجاري الجديد، مطبعة الأمنية، الرباط المغرب، الطبعة الرابعة، 2012، ص279. و أحمد شكري السباعي، الوسيط في الأصل التجاري الجزء الثاني، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2008، ص405.و محمد بن حساين، القانون التجاري الأساسي، بدون مطبعة، ص132).

الوجه الثاني: اركان المزاحمة غير المشروعة لوكيل الشركة الاجنبية: 

يذهب جمهور الفقه والقضاء الى ان المزاحمة او المنافسة غير المشروعة صورة من صور المسؤولية التقصيرية، وتبعا لذلك فانها تخضع لأركانها وشروطها واحكامها و هذا ما اخذ به المقنن اليمني والفرنسي و المصري و المغربي. 
وفي هذا السياق فإن القضاء اليمني يعتبر المزاحمة او المنافسة غير المشروعة صورة من صور المسؤولية التقصيرية , حسبما ظهر من أسباب الحكم محل تعليقنا.
ولقيام المزاحمة او المنافسة غير المشروعة لوكيل الشركة الاجنبية المبنية على قواعد المسؤولية التقصيرية , فانه يتعين تحقق اركان المسئولية التقصيرية الثلاثة (الخطأ والضرر والسبب)، وبيان ذلك كما ياتي: 
الركن الأول: الخطأ: ويتحقق ركن الخطا في قيام المزاحم او المنافس للوكيل القانوني الحصري باستيراد سلع ومنتجات الشركة الاجنبية وتوريدها الى اليمن منافسا لوكيل الشركة في اليمن المسجل لدى الجهة المختصة، مخالفا بذلك قانون الوكالات والبيوت التجارية اليمني الذي منع منافسة الوكيل الحصري.
 فالمنافس غير المشروع حينما يستورد المنتجات ذاتها التي يستوردها الوكيل الحصري فان عمله يعد عملا غير مشروع اي خطأ، وهو مخالفة القانون المشار اليه، فالمزاحم غير المشروع يظهر في السوق اليمنية كما لو انه وكيل اخر لمنتجات الشركة الاجنبيةع مما يؤدي الى الخلط والالتباس لدى الجمهور، فالمستورد المنافس غير المشروع يظهر في السوق بمظهر وكيل اخر للشركة الاجنبية في اليمن مما يؤدي الى خلط الأمر لدى الزبائن بينه وبين الوكيل الحصري الحقيقي سواء تم الاستيراد من الشركة الموكلة او من الاسواق خارج اليمن.
حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.
الركن الثاني: الضرر: وهو وقوع ضرر بالوكيل الحصري بسبب قيام المزاحم له باستيراد منتجات الشركة الموكلة سواء تم الاستيراد من الشركة الموكلة او من الاسواق خارج اليمن.
الركن الثالث: علاقة السببية: فيما بين الخطأ والضرر اي ان يكون الضرر الذي لحق بالوكيل المحلي قد وقع بسبب قيام المزاحم باستيراد المنتجات وتسويقها وتوزيعها في السوق اليمنية مما تسبب في تقليص زبائن الوكيل وضياع فرص بيع المنتجات في السوق كلها وللزبائن كلهم.. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل العلامات والوكالات التجارية، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص ١٥١).
و يذهب بعض الفقه الفرنسي خاصة الفقيه (روني روبلو) الذي يرى ان دعوى المنافسة الغير المشروعة دعوى مستقلة و قائمة الذات , و يبدو ذلك واضحاً في قوله: (يملك صاحب الأصل التجاري الدفاع عن أصله ضد أي شخص يعرقل دقة في ممارسة التجارة , أو يحول زبائنه ,و ذلك إما عن طريق دعوى جنائية أو بدعوى التزييف أو بدعوى المنافسة الغير المشروعة , ولا ينبغي اعتبار هذه الدعوى صورة من صور المسؤولية التقصيرية فحسب , و إنما هي في الحقيقة دعوى حقيقية للدفاع عن الملكية التجارية) 
ويميل بعض الباحثين العرب إلى الاتجاه الذي ذهب إليه الفقيه الفرنسي المشار اليه وهو أن أعمال المنافسة غير المشروعة يمكن أن تكون مستقلة عن دعوى التعويض اي المسؤولية التقصيرية, وهذا يتحقق على الخصوص عندما يثبت غياب الضرر نتيجة تلك الأعمال.إذا كان ذلك يحول دون إقرار التعويض فإنه لا يحول دون الحكم بوقف أعمال المنافسة. و هو ما يدل على أن دعوى المنافسة غير المشروعة ليست مجرد دعوى مسؤولية مدنية. فهي إذا كانت كذلك بالنسبة للمطالبة بالتعويض فإنها تصبح بالنسبة للمطالبة بوقف الأعمال وسيلة قانونية لمنع استعمال الأساليب المخالفة للقانون وقواعد الشرف والاعراف السائدة في الميدان التجاري التي نجد سندها في قانون تنظيم اعمال الوكالة للشركات الاجنبية اليمني.(منازعات المنافسة غير المشروعة، (يسرى الخضري وسارة الخضري، رسالة ماجستير جامعة تطوان المغرب، ص 29).
والواقع ان دعوى المزاحمة غير المشروعة تجمع بين المسئولية التقصيرية وبين حق الوكيل القانوني في وقف أعمال المنافسة غير المشروعة الذي يخول الوكيل القانوني الحق في مطالبة الجهات الادارية والمحكمة المختصة بوقف استيراد منتجات الشركة الاجنبية الموكلة.

الوجه الثالث: الوسائل القانونية المتاحة لوكيل الشركة الاجنبية في مواجهة المزاحمة غير المشروعة: 

 في هذا الشان هناك عدة وسائل منها ماياتي: 
1- وقف اعمال المنافسة غير المشروعة: فيحق لوكيل الشركة الاجنبية إن يطلب من الجهات الادارية المختصة كالصناعة والتجارة والجمارك تدخلها لوقف المنافسة غير المشروعة، وذلك لوضع حد للأعمال التي تشكل منافسة غير مشروعة تخالف القانون، كما يحق للوكيل ان يلجا الى القضاء مطالبا بوقف اعمال المنافسة غير المشروعة ومنع المنافس من استيراد وادخال المنتجات الى اليمن، إذ من المفروض أن تحكم المحكمة بإزالة العمل غير المشروع تأكيدا للقاعدة الفقهية (الضرر يزال)، فيحق للوكيل الحصري أن يتقدم بطلب إلى رئيس المحكمة التجارية باعتباره قاضيا للامور المستعجلة لاستصدار آمر بوقف تلك الأعمال.
ووقف العمل غير المشروع لا يعني إزالة الحرفة بصفة نهائية لأن ذلك لا يكون إلا في حالة المنافسة الممنوعة وحدها، و إنما يقصد بذلك أن تقوم المحكمة باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع استمرار الوضع غير القانوني، ويبقى هذا اكبر هدف يسعى ورائه التاجر المتضرر من أعمال المنافسة غير المشروعة وهو وقف هذه الأعمال حتى لا يتفاقم عليه الضرر.
فالمطالبة بوقف أعمال المنافسة غير المشروعة مسألة منطقية يقتضيها مبدأ المحافظة على الحق إذ لا يعقل أن يطالب المتضرر من أعمال المنافسة غير المشروعة بالتعويض، والحال أن تلك الأعمال لازالت مستمرة بل أكثر من ذلك إن التاجر عند لجوئه إلى المحكمة يولي أهمية قصوى للمطالبة بوقف الأعمال مقارنة بالمطالبة بالتعويض.
2- التعويض عن الأضرار: إضافة إلى وقف الأعمال فيحق للوكيل الحصري ان يطلب من المحكمة التجارية الحكم له على المنافس غير المشروع بتعويض يتناسب مع درجة الضرر الذي لحق بالوكيل، و يشمل التعويض عما لحق الوكيل من ضرر وما فاته من ربح، ولكن يصعب في كثير من الأحيان تقدير ذلك التعويض، وهذا ما يجعل المحكمة تعتد بسجلات الوكيل التي تبين الكميات التي كان يبيعها والأرباح التي كان يحققها قياسا بالكميات التي قام المنافس بادخالها الى السوق اليمنية.
 لإن التعويض يجب أن يكون مناسبا للضرر، و رادعا للمعتدي حتى يكف عن فعله غير المشروع.
ووفقا للقوانين ذات للصلة فان الوكيل الحصري قد يطلب من القضاء في دعوى المنافسة غير المشروعة بالاضافة إلى وقف أعمال المنافسة غير المشروعة والتعويض فان الوكيل قد يطلب من القضاء ما ياتي: 
1- الإتلاف: غير ان القضاء في اليمن لا يحكم بالإتلاف الا اذا كانت المنتجات مضرة اما لسوء تخزينها من قبل المنافس المهرب او لانها مقلدة تحتوي على عناصر مضرة، فالمعتاد في القضاء اليمني الحكم بحجزها وبيعها وتعويض الوكيل القانوني من حصيلة بيعها. 
2- النشر: ويعتبر بمثابة تعويض عيني للمتضرر من أعمال المنافسة غير المشروعة و الهدف منه بالأساس هو اطلاع الزبائن الذين وقعوا في الخلط و المخالفة من جراء تلك الأعمال حتى تتبين لهم الحقيقة، وبالتالي تحقق إمكانية استرجاع التاجر لزبائنه. (المنافسة الغير المشروعة، يسرى الخضري و سارة الخضري، ، بحث لنيل الإجازة في القانون الخاص بجامعة عبد المالك السعدي الكلية المتعددة التخصصات – تطوان -المغرب 2013، ص ٣٦)، . (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل العلامات والوكالات التجارية، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص١٥٣)، والله اعلم.
تعليقات