توجيه اليمين المتممة لصاحب الدفاتر التجارية
نصت المادة (41) من القانون التجاري اليمني على أن: (دفاتر التجار لا تكون حجة على غير التجار على أن البيانات عما أورده التجار تصلح أساساً يجيز للقاضي أن يوجه اليمين المتممة إلى أي من الطرفين وذلك حتى فيما لا يجوز إثباته بالبينة وتكون دفاتر التجار حجة على هؤلاء التجار ولكن إذا كانت هذه الدفاتر منتظمة فلا يجوز لمن يريد أن يستخلص منها دليلا لنفسه أن يجزء ما ورده فيها ويستبعد منه ما كان مناقضاً لدعواه)، ومقتضى ذلك انه يجب على محكمة الموضوع ان تتحرى في بحثها للدعاوى التي تستند الى دفاتر التاجر، وانه يجوز للمحكمة ان تطبق سلطتها التقديرية في توجيه اليمين المتممة المقررة في النص القانوني السابق، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٣٠-١-٢٠١٤م، وذلك في الطعن رقم (٥٣٨٥٤)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (ولعل ما وقع فيه حكم الشعبة من خطا هو انه بموجب المادة (٤١) تجاري فانه كان للشعبة ان توجه اليمين المتممة لصاحب الدفاتر التجارية للاستيثاق ان قدرت ذلك)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الأول: تعريف دفاتر التاجر والتكييف القانوني لها:
عرف الفقه العربي الدفاتر التجارية بأنها عبارة عن قيد العمليات التجارية التي تتم في المحل التجاري في دفاتر حسابات هذا المحل بتنظيم معين يمكن الرجوع إليه في أي وقت.
كما عرفها جانب آخر بأنها سجلات يثبت بها التاجر العمليات التجارية التي يقوم بها كما أنها مستندات حسابية يحتاجها التاجر عند إعداد الموازنة السنوية.
وعرف الفقه الغربي الدفاتر التجارية بأنها دليل للعمليات التجارية تهدف إلى نوعين من المصالح الأولى مصلحة شخصية للتاجر والثانية مصلحة عامة وهي حجية تلك الدفاتر أمام الغير.
وبناء على ذلك فان دفاتر التاجر عبارة عن قيود محاسبية تبين عمليات البيع والشراء التي قام بها التاجر، وقد التاجر نفسه بطباعة هذه القيود في الدفاتر وقد يكل ذلك الى موظفيه، وقد صارت الدفاتر التجارية في الوقت الحاضر عن سجلات حسابات الكترونية، وعلى هذا الاساس فان دفاتر التاجر عبارة عن اقرار كتابي صادر من التاجر صاحب الدفتر.
الوجه الثاني: توجيه يمين الصحة الى احد التاجرين اطراف القيد في الدفتر التجاري:
نصت المادة (40) من القانون التجاري اليمني على انه: (يجوز تحليف أحد الخصمين التاجرين على صحة دعواه إذا استند إلى دفاتر خصمه وسلم مقدماً بما ورد فيها ثم امتنع الخصم دون مبرر عن إبراز دفاتره).
فمن خلال استقراء هذا النص يظهر ان اليمين المذكورة جوازية بمعنى انه يجوز للقاضي توجيهها الى احد التاجرين على صحة دعواه، وقد سمى هذا النص هذه اليمين بانها يمين على صحة الدعوى اذا قرر القاضي توجيهها الى احد التاجرين المتنازعين، اما اذا طلب تلك اليمين احد التاجرين من الاخر فانها تكون حاسمة وليس يمين صحة دعوى.
فاليمين في هذه الحالة تكون يمين صحة واستظهار لواقعة لا يمكن العلم بصحتها الا من جهة الحالف، ويطلق بعض الفقهاء على هذه اليمين يمين الاستيثاق.
ولا يقوم القاضي بتوجيه اليمين المقررة في هذا النص الا اذا استند التاجر الى ما ورد في دفتره او استند الخصم الاخر الى ما ورد في دفتر خصمه، اما اذا تمسك التاجران معا بما ورد في دفتر احدهما فلا سبيل الى طلب يمين الصحة المذكورة في النص، لان الطرفان قد احتكما الى ما ورد في دفتر احدهما وقبلا بما ورد في ذلك الدفتر. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل المحررات الجزء الثاني، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص١٦٨).
الوجه الثالث: توجيه اليمين الى التاجر صاحب الدفتر او الى غير التاجر:
نصت المادة (41) من القانون التجاري اليمني على ان: (دفاتر التجار لا تكون حجة على غير التجار على أن البيانات عما أورده التجار تصلح أساساً يجيز للقاضي أن يوجه اليمين المتممة إلى أي من الطرفين وذلك حتى فيما لا يجوز إثباته بالبينة وتكون دفاتر التجار حجة على هؤلاء التجار ولكن إذا كانت هذه الدفاتر منتظمة فلا يجوز لمن يريد أن يستخلص منها دليلا لنفسه أن يجزء ما ورده فيها ويستبعد منه ما كان مناقضاً لدعواه).
فهذا النص قد ترك للقاضي الذي ينظر النزاع فيما بين التاجر وخصمه غير التاجر بشان السلع والخدمات التي سبق ان وردها التاجر الى خصمه غير التاجر، ترك النص القانوني السابق الخيار للقاضي في توجيه اليمين الى اي منهما، وفي الوقت ذاته فقد سمى هذا النص هذه اليمين باسم اليمين المتممة كي تنطبق عليها احكام اليمين المتممة، ومعنى ذلك ان ما ورد في دفتر التاجر ليس دليلا كاملا او كافيا ولذلك نص القانون على اليمين المتممة التي تتم الدليل الناقص. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل المحررات الجزء الثاني، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص١٧٢).
الوجه الرابع: حجية دفاتر التجار فيما بينهم:
نصت المادة (38) من القانون التجاري اليمني على ان: (تكون الدفاتر التجارية الإلزامية حجة لصاحبها التاجر ضد خصمه التاجر إذا كان النزاع متعلقا بعمل تجاري وكانت الدفاتر منتظمة حسب القواعد السالف ذكرها وتسقط هذه الحجة بالدليل العكسي، ويجوز أن يؤخذ هذا الدليل من دفاتر الخصم التجارية المنتظمة).
فقد صرح النص السابق ان دفاتر التاجر الالزامية المنتظمة تكون حجة للتاجر صاحبها وحجة عليه في مواجهة خصمه التاجر اذا كان القيد في الدفتر متعلقا بقيد محاسبي تجاري بين الطرفين.
وقد بينت المادة (39) من القانون التجاري اليمني حجية دفاتر التجار الالزامية غير المنتظمة على صاحبها في مواجهة خصمه التاجر شريطة ان تكون القيود التي تكون لمصلحة صاحب الدفتر معتبرة فلا تهدر، فقد نصت هذه المادة على ان: (الدفاتر التجارية الإلزامية منتظمة كانت أو غير منتظمة حجة على صاحبها التاجر فيما إذا استند إليها خصمه التاجر على أن تعتبر القيود التي في مصلحة صاحب الدفاتر أيضاً).
وللتأكد من صحة دعاوى التجار فيما بينهم فقد اجازت المادة (40) تجاري يمني للقاضي ان يوجه يمين الاستيثاق او يمين صحة الدعوى للتاجر المدعي المتمسك بما ورد في دفتره او دفتر خصمه التاجر، وفي هذا المعنى نصت هذه المادة على انه: (يجوز تحليف أحد الخصمين التاجرين على صحة دعواه إذا استند إلى دفاتر خصمه وسلم مقدماً بما ورد فيها ثم امتنع الخصم دون مبرر عن إبراز دفاتره).
ووفقا للنصوص القانونية السابقة فان دفتر التاجر - فى الدعاوى التجارية ما بين تاجر وتاجر – قد يكون حجة للتاجر صاحب الدفتر و قد يكون حجة على التاجر لتاجر نفسه صاحب الدفتر، فإذا ورد فى دفتر يومية التاجر أو فى دفتر المراسلات مثلاً بيان بأن تاجر جملة ورد له مقداراً معيناً من البضاعة بسعر معين، فهذا البيان حجة له على تاجر الجملة كما يكون الدفتر ذاته حجة لتاجر الجملة.
ومما ييسر على القاضى جعل دفتر التاجر حجة له وعليه حجة أن الدعوى تجارية ما بين تاجر وتاجر، فمثلا عند تاجر الجملة دفاتر تجارية ورد فيها البيان الوارد فى دفاتر التاجر الأول. فما على القاضى إلا أن يضاهى ما بين الدفاتر. فإن تطابقت اطمأن إلى هذا التطابق في الأخذ بالدليل. وإن لم تتطابق، فإن كانت دفاتر أحد التاجرين منتظمة رجح أن يأخذ القاضى بها. ومع ذلك قد يأخذ بالدفاتر غير المنتظمة فى هذا البيان بالذات، ويرجحها على الدفاتر المنتظمة. وإن كانت دفاتر كل من التاجرين منتظمة أو غير منتظمة، كان القاضى حراً فى أن يأخذ بدفاتر هذا أو بدفاتر ذاك، وقد لا يأخذ بهذه ولا بتلك، ويتلمس الدليل من طريق آخر
ويلاحظ فيما سبق أمران:
1 - أن القاضى قد يأخذ بدفتر غير منتظم للتاجر حجة له، مع أن ا القانون التجارى يشترط لجواز قبول الدفاتر للإثبات أن تكون منتظمة. وقد قدمنا أن هذا الشرط لم يراع عند ما أخذ القاضى بالدفتر غير المنتظم حجة على التاجر، فلا يراعى هنا أيضاً عند أخذه بالدفتر غير المنتظم حجة للتاجر متى رأى أن البيان يبعث على الإطمئنان ولا يشعر بأى افتعال، فإن كل هذه البيانات ليست إلا قرائن بسيطة لا تقيد القاضى فى الأخذ بها.
2 - ولما كانت البيانات قرائن بسيطة، فإنه يجوز دائماً، عند أخذ بيان فى دفتر تاجر حجة له، أن يثبت خصمه عكس هذا البيان بجميع الطرق، حتى بالبينة والقرائن لما قدمناه من الإعتبارات.
بيد أن للمحكمة إذا رأت ذلك ضرورياً لاستكمال قناعتها بشأن ما ورد في الدفاتر التجارية من قيود فلها ان توجه اليمين المتممة للتاجر الذي يتمسك بما ورد في دفتره اذا كان منتظما، وبالمقابل يحق لخصمه التاجران يثبت عكس ما ورد في القيود التي يتمسك بها خصمه، وذلك بكافة طرق الإثبات. (المبسوط في قانون القضاء المدني علماً وعملاً، الدكتور/ فتحي والي، طبعة 2017 دار النهضة العربية، الجزء: الثاني، الصفحة: 153).
الوجه الخامس: حجية دفاتر التجار فيما بين التجار وغير التجار:
نصت المادة (41) تجاري يمني على ان: (دفاتر التجار لا تكون حجة على غير التجار على أن البيانات عما أورده التجار تصلح أساساً يجيز للقاضي أن يوجه اليمين المتممة إلى أي من الطرفين وذلك حتى فيما لا يجوز إثباته بالبينة، وتكون دفاتر التجار حجة على هؤلاء التجار ولكن إذا كانت هذه الدفاتر منتظمة فلا يجوز لمن يريد أن يستخلص منها دليلا لنفسه أن يجزء ما ورده فيها ويستبعد منه ما كان مناقضاً لدعواه).
فهذا النص يقرر ان: دفاتر التجار لا تكون حجة على غير التجار، غير أن البيانات المثبتة فيما عما ورده التجار تصلح أساساً يجيز للقاضى أن يوجه اليمين المتممة إلى أى من الطرفين وذلك فيما يجوز إثباته بالبينة.
فالأصل إذن ألا يكون دفتر التاجر حجة له، ولا على غير التاجر من باب أولى. على أنه كما جاز إستثناء أن يكون دفتر التاجر حجة له على التاجر فيما قدمناه، يجوز كذلك إستثناء أن يكون دفتر التاجر حجة له على غير التاجر ولكن بشروط أشد، إذ يجب ان يتوفر الشرطان الآتيان:
1 - أن يكون محل الإلتزام سلعة وردها التاجر لعملية غير التاجر، كالخباز يورد الخبز " والبقال " يورد " خزين " المنزل.
2 أن يكمل الدليل باليمين المتممة يوجهها القاضي إلى التاجر الذى يحتج بدفتره، فلا تجوز التكملة هنا بالبينة أو بالقرائن.
فإذا توفر هذان الشرطان، فإنه يبقى بعد ذلك أمران:
1- أن الأخذ بهذا الدليل جوازي للقاضى، فله أن يأخذ به أو لا يأخذ، كما هى الحال فى سائر الأدلة التى تستخلص من دفاتر التجار. وهو لا يأخذ به غالباً إذا كان الدفتر غير منتظم.
2- أن للقاضى أن يسمح لغير التاجر بنقض الدليل المستخلص ضده من دفتر التاجر، ويكفى فى هذا النقض البينة أو القرائن. بل إن للقاضى بأن يستنبط من القرائن فى نقض هذا الدليل ما يكتفى معه بتوجيه اليمين المتممة إلى غير التاجر لا إلى التاجر، لتفنيد الدليل لا لتأييده. (الدفاتر التجارية وحجيتها في الاثبات، د. باسم محمد صالح، بغداد ٢٠١٦م، ص١٦٥).
وقد أجازت غالبية القوانين العربية والاجنبية أن تكون البيانات الواردة في الدفاتر التجارية دليلاً لإثبات الدعوى المقامة من التاجر على خصمه غير التاجر إذا تعلقت بأشياء وردها التاجر إلى شخص غير تاجر بشرط توجيه اليمين المتممة، فالتاجر يستطيع أن يحتج بدفاتره التجارية في مواجهة خصمه غير التاجر بالرغم من أن الأخير لا يلتزم بمسك الدفاتر التجارية مما يتعذر معه مقارنة دفاتر طرفي النزاع، وقد وضعت التشريعات الشروط اللازمة لذلك وهي كالآتي:
أ- أن يتعلق النزاع بأشياء وردها التاجر إلى خصمه غير التاجر:
اشترطت القوانين للاحتجاج بالدفاتر التجارية لصاحبها في مواجهة غير التاجر أن يتعلق النزاع بأشياء وردها التاجر كالأغذية والملابس والأثاث المنزلية، والحكمة من ذلك هي مراعاة مصلحة التجار الذين أعتادوا على توريد السلع للعملاء مع استيفاء ثمنها على فترات دورية كأول الشهر ودون الإهتمام بالحصول على دليل كتابي لإثبات هذه التوريدات بل يكتفي التجار بما يقيدونه في دفاترهم التجارية، أما إذا تعلق النزاع بعقد آخر غير التوريد كالقرض أو الوكالة أو الكفالة، فلا يستطيع أن يحتج التاجر بدفاتره التجارية في مواجهة خصمه غير التاجر، ويتعين على الأخير أن يتمسك بأنه غير تاجر أمام محكمة الموضوع ولا يجوز ذلك لأول مرة أمام محكمة النقض.
اما بالنسبة لقيمة التوريدات فقد اختلفت التشريعات في تحديدها، فقيد قسم منها حق التاجر بالاحتجاج بدفاتره التجارية في مواجهة خصمه غير التاجر بأن تكون قيمة الأشياء التي وردها في حدود ما يجوز إثباته بالبينة الشخصية، في حين أن القسم الآخر من التشريعات أجاز الاحتجاج بغض النظر عن قيمة التوريدات.
ب- أن توجه المحكمة اليمين المتممة لاستكمال الدليل الناقص المستمد من الدفاتر التجارية:
اشترطت التشريعات لاحتجاج التاجر بدفاتره في مواجهة خصمه غير التاجر أن توجه المحكمة اليمين المتممة لتستكمل الدليل الناقص المستمد من قيودها وتوجه اليمين المتممة إلى التاجر صاحب الدفاتر ليقسم على صحة ما جاء في دفاتره التجارية من مدرجات، ويجوز أن توجه اليمين المتممة إلى الطرف الذي يحتج بالدفاتر التجارية في مواجهته.
وقد ذهب بعض الفقه إلى إن البيانات الواردة في الدفاتر التجارية تعتبر دليلاً كاملاً في الإثبات أو دليلاً ناقصاً يمكن أن تكمله عناصر الإثبات الأخرى في الدعوى كالشهادة والقرائن، في حين أن الرأي الراجح في الفقه ذهب إلى أن البيانات الواردة في الدفاتر التجارية تعتبر أدلة ناقصة تستكمل بتوجيه اليمين المتممة ولا يجوز أن تستكمل بالشهادة أو القرائن، ولا يشترط أن تكون الدفاتر التجارية التي يحتج بها التاجر على خصمه غير التاجر منتظمة، ولكن البعض ذهب إلى أن الدفاتر التجارية التي يحتج بها التاجر يجب أن تكون منتظمة قياساً على الاحتجاج بالدفاتر التجارية في مواجهة التاجر. (الوسيط في شرح القانون المدني للعلامة الدكتور المرحوم/ عبد الرزاق السنهوري، تنقيح الدكتور/ مصطفى الفقي، الطبعة الثانية 1982 دار النهضة العربية، الجزء: الثاني المجلد: الأول)
فللغير أن يتمسك بما ورد من قيود في الدفاتر التجارية الإلزامية لخصمه، منتظمة كانت أم غير منتظمة لغرض إثبات التصرف القانوني سواء كان هذا التصرف تجارياً أم مدنياً وسواء كانت الدعوى بين تاجر وتاجر أم بين تاجر وغير تاجر، لان القانون أنه يجوز أن تكون القيود الواردة في الدفاتر التي يوجب القانون مسكها سواء كانت منتظمة أم غير منتظمة حجة على صاحبها شريطة عدم تجزئة الإقرار المثبت فيها، وعلة ذلك أن القيود التي تكون واردة في الدفاتر التجارية تقوم مقام الاعتراف (الإقرار) الكتابي. فيجوز إذن تمسك الغير بهذا الاعتراف لمصلحته فيطلب من القضاء إلزام صاحب الدفاتر بتقديمها لاستخلاص ما ورد فيها من أدلة لمصلحته بيد أنه لا يمكن للخصم الذي يحتج بالدفاتر تجزئة هذا الإقرار بحيث يتمسك بما ورد فيها لمصلحته ويستبعد ما كان في غير مصلحته فلو ذكر في الدفتر التجاري أن التاجر قد اشترى بضاعة من شخص ما ودفع الثمن، فلا يجوز لهذا الأخير أن يقبل بالقيد الأول ويرفض القيد الثاني بل عليه أن يقر بما جاء في الدفتر كاملاً أو يطرحه كاملاً. أما بالنسبة للدفاتر غير الإلزامية " الاختيارية " فلا يكون للبيانات الواردة فيها حجة على صاحبها إلا في حالتين:
أ- إذا ذكر فيها صراحة أنه استوفى دينا.
ب- إذا ذكر فيها صراحة أنه قصد بما دون فيها أن تقوم مقام السند لمن أثبتت حقاً لمصلحته.
وعليه يجوز للغير إذا تحقق شرط الحالة الأولى " استفياء دين ما " أو شرط الحالة الثانية أن يتمسك بالدفاتر بالغير الإلزامية لخصمه ويستخلص منها دليلاً لمصلحته في الإثبات. (الوسيط في شرح القانون المدني للعلامة الدكتور المرحوم/ عبد الرزاق السنهوري، تنقيح الدكتور/ مصطفى الفقي، الطبعة الثانية 1982 دار النهضة العربية، الجزء: الثاني المجلد: الأول).
الوجه السادس: حجية دفاتر التجار في المذكرة الايضاحية للقانون المصري:
ورد في المذكرة الايضاحية المشار اليها ان: المادة رقم: 17 دفاتر التجار لا تكون حجة على غير التجار، غير أن البيانات المثبتة فيها عما ورده التجار تصلح أساساً يجيز للقاضى أن يوجه اليمين المتممة إلى أى من الطرفين وذلك فيما يجوز إثباته بالبينة.
وتكون دفاتر التجار حجة على هؤلاء التجار، ولكن إذا كانت هذه الدفاتر منتظمة فلا يجوز لمن يريد أن يستخلص منها دليلاً لنفسه أن يجزئ ما ورد فيها ويستبعد منه ما كان مناقضاً لدعواه. مذكرة المشروع التمهيدي للمادة 397 الملغاة من القانون المدني المقابلة للمادة 17 من قانون الإثبات:
1 - جمع المشروع في هذه المادة ما ورد من الأحكام في المادتين 285، 286 من المشروع الفرنسي الإيطالي. ويراعى أن هذه الأحكام قد استقيت من المادتين 1329، 1330 من التقنين الفرنسي، و المادتين 1328، 1329 من التقنين الإيطالي، والمادة 1328 من التقنين الإسباني، والمادتين 433، 434 من التقنين المراكشي وقد نصت المادة 1919 من التقنين الهولندي على أن الدفاتر التجارية تكون حجة على غير التجار بكمية ما تم توريده من البضائع ونوعها، متى توافرت الشروط الثلاثة الآتية:
(أولاً) أن يكون التاجر قد اعتاد أن يبيع إلى غير التاجر نسيئة.
(ثانياً) أن تكون الدفاتر محررة وفقاً لأحكام القانون.
(ثالثاً) أن يؤكد الدائن صحة دعواه بأداء يمين على ذلك.
ويستخلص من هذه النصوص، مع اختلافها في التعبير، أن حجية الدفاتر التجارية ليست بمجردها مطلقة بأي وجه من الوجوه. ويراعى أن هذه الحجية لا تثبت إلا للدفاتر التي يتعين على التاجر إمساكها، وفقاً لأحكام المواد 11، 13، 12 من تقنين التجارة المصري، وهي دفتر اليومية، ودفتر صور الخطابات (الكوبيا) ودفتر الجرد.
وقد قصد من إلزام التاجر بإمساك هذه الدفاتر، واشتراط ترقيمها وتأشير الموظفين المختصين على أوراقها، إلى رعاية مصلحة المشتغلين بالتجارة. والأصل جواز التمسك بدفاتر التاجر قبله، باعتبار أنها من قبيل الأوراق غير الموقع عليها التي تصدر من جانب واحد، وأن وجوب إمساكها روعيت فيه مصلحة التاجر نفسه. بيد أنه لا يجوز للتاجر أن يستند إلى هذه الدفاتر كدليل لإثبات الالتزام قبل من يتعاقد معه من غير التجار.(إذ من الممتنع أن يصطنع الإنسان دليلاً لنفسه) (المادة 108 من التقنين السويسري).
2- على أن الفقرة الأولى من المادة 532 قد نصت استثناء على جواز الاحتجاج بالدفاتر التجارية على غير التاجر، ولكنها عقدت ذلك بشروط ثلاثة:
أولها يتعلق بمحل الالتزام، فحكم النص لا ينطبق إلا على ما يورده التاجر.
والثاني يتصل بحجية الدفاتر فهی موكولة لتقدير القاضي، وهو مطلق الخيار في إقرارها أو رفضها، وفقاً لما يتبين من عناصر الدعوى، ولهذه العلة جعلت صيغة النص جوازية، والثالث خاص بقيمة هذه الحجية. فليست تلك الدفاتر سوی عنصر من عناصر الإثبات، ولذلك يتعين على القاضي، متى قرر قبولها، أن يستكمل دلالتها بتوجيه اليمين المتممة من تلقاء نفسه إلى أي من الطرفين.
ولما كانت حجية الدفاتر التجارية موكولة لتقدير القاضي، فليس ثمة ما يدعو إلى النص على وجوب إمساكها بطريقة منتظمة. ومتى كانت هذه الدفاتر منتظمة استند إليها القاضي في توجيه اليمين، باعتبار أن ما ورد بها يعد مبدأ ثبوت بالكتابة، فإن لم تكن كذلك امتنع على القاضي قبولها بهذا الوصف، إلا أن تستخلص منها مقومات القرينة. وفي هذه الحالة الأخيرة تسري الأحكام المتعلقة بالقرائن، من حيث وجوب استكمالها بأدلة أخرى، ومن حيث قبول الإثبات بمقتضاها.
3- أما التاجر فتعتبر دفاتره حجة عليه، منتظمة كانت أو غير منتظمة، لأنها بمثابة إقرار صادر منه. ويتفرع على ذلك وجوب تطبيق القواعد المتعلقة بالإقرارات في هذا الشأن، ولاسيما قاعدة امتناع تجزئة الإقرار، متى كانت دفاتر التاجر منتظمة.
أما إذا كانت هذه الدفاتر غير منتظمة فللقاضي أن يقدر مضمونها، دون أن يتقيد في ذلك بقاعدة عدم جواز تجزئة الإقرار. وقد استظهر المشروع هذا الحكم بإضافة عبارة وإذا كانت هذه الدفاتر منتظمة، إلى نص الفقرة الثانية من المادة 532.
الإستدلال بالدفاتر التجارية ليس حقاً مقرراً للتاجر بحيث تلتزم المحكمة بإجابته إليه بل أن الشأن فيه - بحسب نص المادة 17 من قانون التجارة - أنه أمر جوازى. (قانون التجارة رقم ١٧ لسنة ١٩٩٩م، دار الكتب القانونية).
الوجه السابع: حجية دفاتر التجار في قضاء محكمة النقض المصرية:
قضت محكمة النقض المصرية بما ياتي:
1- للمحكمة إن شاءت قبلته وإن شاءت أطرحته والقاعدة أن كل أمر يجعل القانون فيه للقاضى خيار الأخذ والترك فلا حرج عليه إن مال لجانب دون الآخر من جانبى الخيار ولا يمكن الإدعاء عليه فى هذا بمخالفة القانون، لما كان ذلك، وكانت محكمة الإستئناف - إستجابة لطلب البنك الطاعن - قد أصدرت حكمها بتاريخ 1971/2/16 بإعادة المأمورية إلى الخبير لمراجعة كشوف الحساب المقدمة من البنك على القيود الثابتة بدفاتره فإن هذا لا يعنى أنها قد قطعت فى إعتماد هذه الدفاتر كدليل فى الدعوى ولا عليها إن هى أطرحت هذه الدفاتر بعد ذلك ولم تعول عليها كدليل فى الإثبات عند قضائها فى موضوع الدعوى. (الطعن رقم 610 لسنة 45 جلسة 1983/03/28 س 34 ع 1 ص 806 ق 168).
2- يصح فى الدعاوى التجارية الأخذ بالدفاتر التجارية وبالقرائن وبالأقوال والأعمال التى يطمئن إليها القاضى.(الطعن رقم 1219 لسنة 48 جلسة 1983/02/07 س 34 ع 1 ص 435 ق 95).
3- إذ كان البين من الأوراق أن الطاعنة قصرت دفاعها على مجرد القول بأنها تمسك دفاتر تجارية منتظمة تركن إليها تصفية حسابها دون أن تقدمها إلى الخبير أو أمام المحكمة، فلا على المحكمة إن هى إلتفتت عن دفاع الطاعنة العارى عن الدليل.(الطعن رقم 160 لسنة 47 جلسة 1981/01/26 س 32 ع 1 ص 321 ق 65).
4- إذا كان الطاعن قد أشار فى دفاعه إلى أن الطرفين تاجران، ويمسكان دفاتر حسابية مبينا بها المبالغ التى يداينون بها الغير، وكانت هذه الإشارة لا تعتبر طلبا صريحاً منه بتقديم الدفاتر، بل إن الطلب الذى تلتزم المحكمة ببيان سبب رفضها له أو الرد عليه هو الطلب الذى يقدم إليها فى صيغة صريحة جازمة، تدل على تصميم صاحبه عليه فإن النعى يكون على غير أساس.(الطعن رقم 19 لسنة 37 جلسة 1971/05/20 س 22 ع 2 ص 669 ق 109).
5- إذا كان الثابت أن الطاعن لم يسبق له القول أمام محكمة الموضوع بأنه غير تاجر و بعدم جواز الاحتجاج عليه بدفاتر المطعون عليه التجارية، فإنه لا يجوز له إثارة هذا النعى لأول مرة أمام محكمة النقض.(الطعن رقم 483 لسنة 35 جلسة 1970/01/15 س 21 ع 1 ص 119 ق 21
6- إلى ما قبل صدور القانون رقم 253 لسنة 1953 لم يكن القانون رقم 14 لسنة 1939 يفرض على الممول إمساك دفاتر لقيد أرباحه، ومن ثم فإنه لا يشترط فى هذه الدفاتر توافر ما نص عليه قانون التجارة، بل يكفى أن تكون مما جرى العرف بامساكه فى كل تجارة أو صناعة.(الطعن رقم 132 لسنة 29 جلسة 1964/03/11 س 15 ع 1 ص 319 ق 54).
7- مناط تطبيق قاعدة عدم تجزئة الاقرار وإعمالها فى شأن ما يرد بدفاتر التاجر من قيود وبيانات بحيث لا يجوز لمن يريد أن يستخلص منها دليلا لنفسه أن يجزىء ما ورد فيها ويستبعد ما كان مناقضا لدعواه هو أن تكون هذه الدفاتر منتظمة ومؤيدة بالمستندات الدالة على صحة القيود والبيانات الواردة فيها وامانتها وإذ كان الثابت أن الحكم المطعون فيه قد عوّل على بعض بيانات هذه الدفاتر واعتبرها اقراراً مركباً لا تجوز تجزئته بينما لم يكن قد تحقق من انتظام هذه الدفاتر وقضى بتعيين خبير لبحثها وبيان ما إذا كانت منتظمة وتمثل الحقيقة أم لا فانه يكون قد خالف القانون وأخطأ فى تطبيقه بما يوجب نقضه.(الطعن رقم 248 لسنة 28 جلسة 1963/05/22 س 14 ص 693 ق 98).
8- متى كان يبين من الحكم أن المحكمة لم تأخذ بشرط التعويض الجزائى المتفق عليه بالعقد وقدرت التعويض الذى طلبت المطعون عليها الحكم به على الطاعنين بمبلغ معين بناء على الإعتبارات التى إستمدتها من واقع الأوراق المقدمة فى الدعوى ورأت معها أنه تعويض عادل مناسب للضرر الذى لحق المطعون عليها فإن هذا الذى أخذت به المحكمة لاعيب فيه لدخوله فى سلطتها الموضوعية وإستقلالها بتقديره ولا تثريب عليها إذ هى لم تر وإن كانت المادة تجارية موجباً لتكليف المطعون عليها تقديم دفاترها أو الأخذ بالمقارنات التى أوردها الطاعنان فى مذكرتهما إكتفاء بالإعتبارات التى إستندت إليها فى تقدير التعويض، إذ الأمر بتقديم الدفاتر فى هذه الحالة جوازى لها. (الطعن رقم 10 لسنة 20 جلسة 1952/03/27 س 3 ع 2 ص 676 ق 116). (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل اليمين الجزء الثاني، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص٦٩).