إغفال مكان صدور حكم التحكيم
الحكم الصادر من القضاء يتم النطق به في جلسة علنية في مقر المحكمة وتتضمن ديباجة الحكم اسم المحكمة التي اصدرته ومكانها مثل: (محكمة بني الحارث - محكمة البريقة - محكمة صبر ...الخ) ولذلك فليس هناك اشكالية فيما يتعلق بمكان صدور حكم القضاء.
كذلك الحال اذا صدر حكم التحكيم من مركز تحكيم معروف كمركز القاهرة او غرفة تجارة باريس.. الخ، لان مكان صدور حكم التحكيم هو مركز التحكيم الذي صدر عنه الحكم.
بيد ان الاشكالية تظهر عندما يكون التحكيم غير مؤسسي اي يصدر من محكم فرد او هيئة تحكيم لا تتبع مركز او جهة معينة، والغالبية العظمى لأحكام التحكيم في اليمن يتم النطق بها وصدورها في احد المنازل او الاماكن داخل اليمن او خارجها، ففي هذه الحالة يجب ان يتضمن حكم التحكيم اسم المدينة او القرية التي صدر فيها واسم المحافظة التي تتبعها تلك المدينة او القرية وكذا اسم الدولة التي تتبعها المحافظة او الولاية او المقاطعة.
ولبيان مكان صدور حكم التحكيم اهمية بالغة، منها تحديد محكمة الاستئناف المختصة بتنفيذ الحكم او نظر دعوى بطلانه، ومكان صدور حكم التحكيم هو مقر التحكيم الذي حدده اطراف التحكيم في اتفاق التحكيم، اي ان مكان صدور الحكم هوالدولة أو البلد الذي يُعتبر المقر القانوني للتحكيم، والذي يتم تحديده بناءً على اتفاق الأطراف أو بقرار من هيئة التحكيم.
وبناء على تحديد مقر التحكيم تتحدد جنسية الحكم (وطني أو دولي) والقوانين الإجرائية الحاكمة للرقابة القضائية عليه ودعوى بطلانه، وكذا تطبيق القواعد الآمرة: التي يسري عليها قانون مكان التحكيم، سيما قواعده الإجرائية الآمرة..
والمكان المادي لصدور الحكم (Venue): هو المكان الجغرافي المؤقت الذي قد تعقد فيه الهيئة جلسات الاستماع أو مداولات الشهود، واجتماعها فيه، وقد تصدر فيه حكمها، والمكان المادي لمباشرة اجراءات التحكيم لا يغير من مقر التحكيم الذي سبق الاتفاق عليه، وقد نصت المادة (٤٨) من قانون التحكيم اليمني على انه: (ويجب أن يشتمل حكم لجنة التحكيم على البيانات الآتية:ـأسماء أطراف التحكيم وعناوينهم وجنسياتهم وملخص الطلبات ودفوعات الخصوم وأقوالهم ومستنداتهم ومنطوق الحكم وأسبابه وتاريخ ومكان إصداره).
ولذلك يجب ان تتضمن مدونة حكم التحكيم بيانا واضحا عن المكان الذي صدر فيه الحكم والا كان معيبا، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٩-٨-٢٠١٤ م، في الطعن رقم (٥٣٦٩٨)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وقد لاحظت الدائرة ان حكم التحكيم يذكر ان طرفي التحكيم يقيمان في المملكة العربية السعودية فقد تضمن اتفاق التحكيم رقم الاقامة لكل من الطرفين لكن الحكم لم يوضح مكان صدوره)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الأول: مكان صدور حكم التحكيم هو مقر التحكيم:
حكم القضاء يتم النطق به في جلسة علنية في مقر المحكمة ويتضمن الحكم اسم المحكمة ومكانها مثل (محكمة بني الحارث- محكمة البريقة- محكمة صبر...الخ) ولذلك فليس هناك اشكالية فيما يتعلق بمكان صدور حكم القضاء.
كذلك الحال اذا صدر حكم التحكيم من مركز تحكيم معروف كمركز القاهرة او غرفة تجارة باريس.. الخ، لان مكان صدور حكم التحكيم هو مركز التحكيم الذي صدر عنه الحكم.
بيد ان الاشكالية تظهر عندما يكون التحكيم غير مؤسسي اي يصدر من محكم فرد او هيئة تحكيم لا تتبع مركز او جهة معينة، والغالبية العظمى لأحكام التحكيم في اليمن يتم النطق بها وصدورها في احد المنازل او الاماكن داخل اليمن او خارجها، ففي هذه الحالة يجب ان يتضمن حكم التحكيم اسم المدينة او القرية التي صدر فيها واسم المحافظة التي تتبعها تلك المدينة او القرية وكذا اسم الدولة التي تتبعها المحافظة او الولاية او المقاطعة.
ولبيان مكان صدور حكم التحكيم اهمية بالغة، منها تحديد محكمة الاستئناف المختصة بتنفيذ الحكم او نظر دعوى بطلانه.
ومكان صدور حكم التحكيم هو الدولة أو البلد الذي يُعتبر المقر القانوني للتحكيم والذي يتم تحديده بناءً على اتفاق الأطراف أو بقرار من هيئة التحكيم.
ومكان صدور الحكم هو مقر التحكيم القانوني (Seat): وهو البلد الذي يختاره اطراف التحكيم، ويحدد مقر التحكيم جنسية الحكم (وطني أو دولي) والقوانين الإجرائية الحاكمة للرقابة القضائية عليه ودعوى بطلانه، وكذا تطبيق القواعد الآمرة: التي يسري عليها قانون مكان التحكيم، سيما قواعده الإجرائية الآمرة..
والمكان المادي لصدور الحكم (Venue): هو المكان الجغرافي المؤقت الذي قد تعقد فيه هيئة التحكيم جلسات الاستماع الى الخصوم والشهود، و الخبراء، وهذا المكان المادي لا يغير من مقر التحكيم الذي سبق الاتفاق عليه.
لذلك تجب التفرقة بين المكان الجغرافي الذي تنعقد فيه جلسات التحكيم (Venue of Arbitration) وبين مقر التحكيم (Seat of Arbitration) وبالتالي فإن إجراء هيئة التحكيم للمداولة وتوقيع أعضائها على الحكم خارج مقر التحكيم، لا يكون مخالفة.
وقد قضت محكمة النقض المصرية انه اذا سبق الاتفاقبين اطراف التحكيم على ان القاهرة هي مقر التحكيم فانه لا يغير من حقيقة هذا الامر صدور. الحكم خارج القاهرة باعتبارها المقر القانوني للتحكيم ومن ثم فلا يترتب عليه بطلانه، فقد جاء في حكم محكمة النقض المصرية انه: (لما كان الامر كذلك، وكان البين من الحكم الصادر بتاريخ 13/6/2017 من محكمة النقض في الطعن رقم 1394 لسنة 86 ق أن الشركة الطاعنة تمسكت بهذا الدفاع في دعوي البطلان، وكان سببا من أسباب طعنها على الحكم الصادر في تلك الدعوى، ورد عليه حكم النقض بما مؤداه أنه من سلطة هيئة التحكيم أن تجتمع في أي مكان تراه مناسبا للقيام بأي إجراء من إجراءات التحكيم ومن ذلك إجراء المداولة بين أعضائها، فاختيار مكان معين للتحكيم لا يعنى وجوب اتخاذ جميع إجراءات التحكيم في هذا المكان. كما أن اختيار الأطراف لمكان التحكيم ينطوي ضمنا على اختيارهم للقانون الإجرائي لهذا المكان لتخضع له إجراءات التحكيم ما لم يعلنوا صراحة عن إرادتهم باختيار قانون آخر)-(محكمة النقض المصرية، الدائرة المدنية، الطعن رقم 10103 لسنة 86 قضائية، جلسة ٢٣ إبريل ٢٠١٩، غير منشور).
وصفوة القول ان هناك تعبيرين مختلفين لا ينبغي الخلط بينهما لأن دلالتهما الاجرائية مختلفة، وهذان المصطلحان هما: مقر التحكيم ومكان إجراءات التحكيم التي يتمخض عنها صدور حكم التحكيم.
الوجه الثاني: ماهية مقر التحكيم والفرق بينه وبين مكان التحكيم:
سبق القول ان مقر التحكيم يعبر عن فكرة قانونية بحتة تستتبع نتائج هامة وبصفة خاصة اختصاص الجهات القضائية للدولة بنظر دعوى بطلان حكم التحكيم، وليست هذه الفكرة فكرة مادية تعتمد على مكان اجتماع محكمة التحكيم أو مكان توقيع الحكم.
أما مكان مباشرة اجراءات التحكيم (Venue of Arbitration) فهو مجرد موقع جغرافي يختاره الأطراف أو المحكمون لسهولة الوصول إليه وعقد بعض جلسات التحكيم فيه أو لتوقيع الحكم، ولا يستتبع آية آثار قانونية على مسائل التحكيم.
ويعد مجلس اللوردات الإنجليزي منذ عام 1991 أول من تصدي لفكرة التمييز بين مقر التحكيم عن مكان التحكيم وسار على دربه الفقة والقضاء، ففي فرنسا وبمناسبة القضية التحكيمية التي رفعتها ليبيا أمام محكمة استئناف باريس للحكم ببطلان حكم التحكيم الصادر ضدها، والتي قضت فيها بالرفض معللةً حكمها بأنه لا يكون الطعن بالبطلان مقبولاً أمام السلطة القضائية الفرنسية بشأن حكم تحكيم صدر في الخارج ولو في مسائل دولية؛ حيث أن لا يمكن تفسير نص اتفاق التحكيم القائل ".. تحكيم غرفة التجارة الدولية لجينف.." إلا أنه اتفاق على اختيار غرفة التجارة الدولية على أن يكون مقر التحكيم مدينة جينف، وبناء عليه يكون القضاء السويسري هو القضاء المختص بنظر دعوى البطلان وليس القضاء الفرنسي.
كما قررت محكمة النقض المصرية أن اختيار مكان معين للتحكيم لا يعنى وجوب اتخاذ جميع إجراءات التحكيم في هذا المكان. كما أن اختيار الأطراف لمقر التحكيم ينطوي ضمنا على اختيارهم للقانون الإجرائي لدولة المقر (Lex Arbitri) لتخضع له إجراءات التحكيم ما لم يعلنوا صراحة عن إرادتهم باختيار قانون آخر.
ولهذا يجب التفرقة بين المكان الجغرافي الذي تعقد فيه هيئة التحكيم جلسات التحكيم (Venue of Arbitration) وبين مكان التحكيم كفكرة قانونية تعبر عن مقر التحكيم (Seat of Arbitration)
ويمكن أن يكون كلاً من مقر التحكيم والقانون الذي يحكم إجراءات التحكيم مختلفين بشكلٍ مربك، فعلى سبيل المثال، من الممكن أن يُجرى التحكيم في هونغ كونغ، وتتم إدارته من قبل المحكمة الدولية للتحكيم في لندن LCIA، ويكون القانون المطبق عليه هو القانون الكندي.
وقد أصدرت محكمة تمييز دبي حكماً مميزاً ومهماً عالجت من خلاله عدة مواضيع مهمة منها موضوع مفهوم مكان التحكيم (Seat of Arbitration)، حيث عالج الحكم بشكل مفصل هذا المفهوم وفرق هذا الحكم بين مكان التحكيم بالمفهوم العام كمقر مادي لعقد جلسات التحكيم أو بعض من إجراءاته، كعقد جلسات استماع الشهود أو المداولة بين أعضاء الهيئة التحكيمية وخلافه، وبين المكان كفكرة مرتبطة بالمقر القانوني للتحكيم والآثار المترتبة على اختيار هذا المكان كمقر قانوني للتحكيم.
فحينما يتم اختيار دبي كمقر قانوني للتحكيم (Seat of Arbitration)، فهذا لا يعني بالضرورة أن هيئة التحكيم ملزمة بعقد جلسات التحكيم أو بعض من الإجراءات كالمداولة وسماع شهود الأطراف في دبي تحديداً ولكن المقر القانوني للتحكيم (Seat of Arbitration) مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقانون الإجرائي الذي يحكم نزاع أطراف الدعوى التحكيمية، كما أنه يرتبط بالمحكمة المختصة competent court)) التي لها سلطة الإشراف ومساعدة الهيئة التحكيمية في تذليل بعض العقبات الإجرائية – إذا تطلب الأمر تدخلها – كما أنه يحدد اختصاص المحكمة بنظر دعوى بطلان حكم التحكيم.
كما أنه لو اتفق الأطراف على أن دبي هي المقر القانوني للتحكيم، فلا يهم بعد ذلك إن كان لمؤسسة التحكيم التي اتفق الأطراف على إخضاع نزاعهم التحكيمي لقواعدها وجود مقر لها في مكان معين خلاف للمقر القانوني للتحكيم حتى يقال بأن مقر وجود المؤسسة هو مكان التحكيم، فهذا المفهوم ليس دقيقاً وأدى لوقوع محاكم دبي ومحاكم أبوظبي في لبس نتيجة الخلط بين مفهوم مكان التحكيم كمقر مادي تارة، وكمفهوم وفكرة مرتبطة بالمقر القانوني والآثار المترتبة على ذلك تارةً أخرى. أي أنه إذا كانت المؤسسة التحكيمية التي اتفق الأطراف على إخضاع نزاعهم التحكيمي لقواعدها يقع مقرّها الرئيسي في مكانٍ مغايرٍ للمقرّ القانوني للتحكيم،
فتحديد مكان اجراءات التحكيم من اختصاص هيئة التحكيم على اعتبار أن الاطراف اتفقوا على اخضاع نزاعهم التحكيمي إلى قواعد غرفة التجارة الدولية ICC وبالتالي فإن القواعد تعطي الهيئة صلاحية تحديد المكان كمقر قانوني للتحكيم في حال خلو الاتفاق على تحديد مكان التحكيم وأنه لا تثريب على الهيئة في اختيارها باريس مكاناً للتحكيم ما ينحسر معه اختصاص محاكم ابوظبي بنظر دعوى البطلان وان كان اتفاق الاطراف على اخضاع التحكيم لقوانين دولة الامارات من الناحية الموضوعية) القانون الموضوعي واجب التطبيق) ولكن طالما كان مقر التحكيم باريس فان ذلك كفيل بعدم انعقاد اختصاص محاكم الدولة بنظر دعوى البطلان وانعقاده لمحكمة مقر التحكيم. (الطعــن رقــم 756 لسنة 2024 طعن تجاري بتاريخ 19/11/2024).
الوجه الثالث: أهمية تحديد واثبات مقر التحكيم في مدونة الحكم:
يعتبر مقر التحكيم عنصرا جوهريا ذا أهمية قصوى، لأنه في حالة عدم وجود اتفاق صريح بين الأطراف يكون المقر أحد العوامل التي قد يتم بموجبها تحديد القانون الواجب التطبيق على النزاع من طرف هيئة التحكيم. والتي على أساسها تم إسناد مهمة الفصل في النزاع للمحكم أو لعدة محكمين، كما يحدد مقر التحكيم محكمة الدولة التي تستعين بها هيئة التحكيم في بعض الاجراءات او يتم تقديم دعوى البطلان امامها او التي تختص بتنفيذ الحكم.
ويعد اختيار مقر التحكيم من المسائل الدقيقة والحساسة في التحكيم سواء في التحكيم المحلي او الدولي، ومقر التحكيم يعني الدولة التي اختارها الخصوم لتكون مكاناً قانونياً للنظر في للنزاع القائم بينهم.
ولذلك يجب على الخصوم اطراف التحكيم تحري الدقة عند اختيار مقر التحكيم؛ حيث أن مقر التحكيم له تأثير على سلاسة إجراءات العملية التحكيمية، كما أنه يؤثر على ضمان تنفيذ حكم التحكيم دون عوائق؛ لذلك يجب أن يتسم مقر التحكيم بإطار قانوني وتشريعي رصين وبسمعة وخدمة قانونية مميزة.، فاختيار مقر التحكيم(Seat of Arbitration) له تبعات قانونية أكثر أهمية.
وتحديد مقر التحكيم له تأثير مباشر على تحديد القانون الواجب التطبيق على إجراءات التحكيم، ولا يخفي على أهمية المسائل التي ينظمها؛ حيث يتناول إجراءات عقد الجلسات والإعلانات والإخطارات ووسائل الاثبات والأدلة المقبولة، كما ينظم سرية عملية التحكيم ومدي جواز الطعن بالاستئناف على حكم التحكيم من عدمه؛ حيث تختلف القوانين والقواعد حول بعض المسائل.
وتزداد أهمية القواعد الإجرائية خاصة في منازعات التجارة الدولية؛ حيث تتباين جنسيات ومصالح الأطراف، ويعد القانون الواجب التطبيق علي التحكيم حاسماً لعدة مسائل، فعدم تحديد مقر التحكيم بدقة قد يؤدي إلي إشكاليات قانونية مختلفة.
كما أن محكمة مقر التحكيم هي المختصة بنظر دعوى بطلان الحكم الصادر في الدعوى التحكيمية، فعلى سبيل المثال، إذا كان مقر التحكيم مصر تكون محكمة استئناف القاهرة هي المختصة وفقاً للمادة 54/2 و م 9 من قانون التحكيم المصري، واذا كان مقر التحكيم مدينة صنعاء فان محكمة استئناف امانة العاصمة هي المختصة وفقا لقانون التحكيم اليمني.
الوجه الرابع: معايير تحديد مقر التحكيم:
سبق القول ان التحكيم يقوم على تراضي الخصوم اطراف التحكيم، ولذلك فهم الذين يختاروا ويحدد مقر التحكيم، بيد ان هناك عوامل عدة يجب مراعاتها عند اختيار مقر التحكيم. فوفقاً لدراسة أجرتها جامعة كوين ماري بلندن عام 2015 بشان التحكيم الدولي، فقد توصلت الدراسة الى ان هناك خمسة أسباب هي الأكثر شيوعاً لاختيار مقر معين للتحكيم، وهي:
اولا: سمعة المقر ومدى الاعتراف به.
ثانيا: القانون الحاكم والذي ينطبق على موضوع النزاع.
ثالثا: طبيعة العقد/ نوع النزاع (الذي من المحتمل أن تنشأ).
رابعا: القرب من أطراف التحكيم.
خامسا: طريقة عمل المحكم وسرعته ونزاهته.
وبالاضافة الى المعايير السابقة فان المعهد الملكي للمحكمين (CIArb) في لندن، ومركز ديلوس لتسوية المنازعات في (Delos) في باريس، قد اعتمدا معايير CIArb & Delos لمقرات التحكيم الأمنة
، وذلك لمساعدة الأطراف والعامليين بمجال الطرق البديلة لتسوية المنازعات فيما يتعلق بالتحكيم. وتتشابه تلك المعايير إلى حد كبير، وتشمل على سبيل المثال لا الحصر:
لولا: القانون: اي وجود قانون تحكيم في مقر التحكيم واضح وحديث يسمح للأطراف باختيار التحكيم مع توفير إطار عادل من التدخل المحدود من قبل المحكمة، بالإضافة إلى تحقيق توازن بين السرية والشفافية.
ثانيا: القضاء: اي وجود قضاء مستقل ونزيه في المقر يتمتع بخبرة في التحكيم ويحترم ويقدر نتائج التحكيم وإجراءاته..
ثالثا: الخبراء القانونيون والمحامون في المقر: وجود محامين وخبراء قانون محترفين مستقلين يتمتعوا بخبرة في الفصل في النزاعات بسرعة وكفاءة لمساعدة الأطراف وتسهيل إجراءات التحكيم في المقر.
رابعا: التأهيل وإعداد المحكمين: توافر الالتزام بدعم وتعزيز التخصصات والتعليم اللازم لتأهيل المحترفين في مجال التحكيم والمجالات ذات الصلة بمرونة وجودة عالية، بعيدا عن اجراءات القضاء المعقدة.
خامسا: شروط ممثلوا الأطراف: يمكن للأطراف اختيار ممثليهم من بين المحترفين في داخل أو خارج المقر التحكيم؛ بحيث يسمح للمحامين الأجانب وغير المحامين (المهندسين مثلاً) بالترافع أمام هيئات التحكيم.
سادسا: إمكانية الوصول بسلام وسرعة الى المقر: يمكن للأطراف والمحامين والشهود والأطراف الأخرى المعنية الدخول والخروج من المقر دون قيود، بما يشمل أشخاصهم ووثائقهم ومعلوماتهم.
سابعا: قابلية التنفيذ: أن تكون دولة مقر التحكيم طرفاً موقعاً على المعاهدات والاتفاقيات التي تحكم اتفاقات وأحكام التحكيم الأجنبية، مثل اتفاقية نيويورك لتنفيذ أحكام التحكيم الإجنبية 1958 م والاتفاقية الأوروبية للتحكيم التجاري الدولي (جنيف) 1961م.
الوجه الخامس: مقر التحكيم في القانون اليمني والقوانين المقارنة وتوصيتنا للمقنن اليمني:
نصت المادة (7) من قانون التحكيم اليمني: (مع عدم الإخلال بأحكام هذا القانون يجوز لطرفي التحكيم إذا كان أحدهما أو كليهما غير يمنيين الاتفاق على القانون الذي يخضع له التحكيم شكلا وموضوعا وعلى لغة التحكيم ومكانه).
وقد تضمن هذا النص حق الاتفاق على مقر التحكيم بيد انه قصره على الحالة التي يكون فيها احد اطراف التحكيم اجنبيا اي غير يمني اما اذا كان طرفا التحكيم يمنيين فلا يحق لهما ذلك، ومعنى ذلك ان مقر التحكيم بالنسبة للمحتكمين اليمنيين هو اليمن دوما وان القانون اليمني هو الواجب التطبيق وان القضاء اليمني هو يتولى الرقابة على التحكيم حتى ولو تم خارج اليمن طالما ان المحتكمين يمنيون وان المال او الشيء محل الخلاف يقع داخل اليمن او يقع خارج اليمن مادام انه غير متعلق بعقار خارج اليمن.
كما يظهر ان القانون اليمني لا يفرق بين بين مقر التحكيم ومكانه وبين مكان صدور الحكم، فهذه المسميات من وجهة نظر القانون معناها واحد.
في حين نصت المادة (28) من قانون التحكيم العماني على انه: )لطرفي التحكيم الاتفاق على مكان التحكيم في سلطنة عمان أو خارجها. فإذا لم يوجد اتفاق عينت هيئة التحكيم مكان التحكيم مع مراعاة ظروف الدعوى وملائمة المكان لأطرافها، ولا يخل ذلك بسلطة هيئة التحكيم في أن تجتمع في أي مكان تراه مناسبًا للقيام بإجراء من إجراءات التحكيم كسماع أطراف النزاع أو الشهود أو الخبراء أو الاطلاع على مستندات أو معاينة بضاعة أو أموال أو إجراء مداولة بين أعضائها أو غير ذلك).
ومن خلال المقارنة بين النصين اليمني والعماني يظهر ان النص اليمنى اعمى لا يفرق بين مقر التحكيم ومكانه كما انه قصر الاتفاق على مكان التحكيم على الحالة التي يكون فيها احد طرفي التحكيم غير يمني، ، بالإضافة الى قصور النص اليمني واجماله وعدم بيانه لبعض المسائل المتصلة بمقر التحكيم.
في حين ان النص العماني قد تضمن المسائل الاتية:
1. حرية الأطراف: إذ يمنح النص الأطراف أولوية مطلقة في تحديد مكان التحكيم داخل سلطنة عمان أو خارجها، ويُكرّس هذا مبدأ سلطان الإرادة في التحكيم.
2. دور هيئة التحكيم عند غياب الاتفاق: تُمنح هيئة التحكيم سلطة تقديرية لاختيار مكان التحكيم المناسب، بشرط مراعاة "ظروف الدعوى" و"ملاءمة المكان للأطراف".
3. مرونة الإجراءات: إذ يُجيز النص لهيئة التحكيم عقد جلسات أو اتخاذ إجراءات في أماكن مختلفة عن "مكان التحكيم" الرسمي، وهو أمر عملي يُلبّي حاجات الواقع التحكيمي، خاصة في القضايا الدولية أو الفنية او في حالات السفر الاضطراري حيث يجوز الاتفاق على ذلك في وثيقة المهمة أو في الجلسة الاجرائية الاولى التي يوافق عليها الاطراف بشكل نهائي.
اما نظام التحكيم السعودي فقد نصت المادة (28) منه على انه: )لطرفي التحكيم الاتفاق على مكان التحكيم، وإذا لم يتفقا، تولت الهيئة تحديده، مع مراعاة ملاءمة المكان لطبيعة النزاع وظروف اطراف التحكيم).
كذلك نصت المادة (28)من القانون الاتحادي الاماراتي رقم 6 لسنة 2018م نصت على انه: (يجوز للأطراف الاتفاق على مكان التحكيم، وفي حال غياب الاتفاق، تحدد هيئة التحكيم المكان مع مراعاة ظروف القضية وراحة الأطراف. كما يجوز لها أن تعقد جلساتها في أماكن مختلفة حسب الحاجة).
وكذا نصت المادة (٢٨) من قانون التحكيم القطري رقم 2 لسنة 2017م على انه:: (لطرفي التحكيم الاتفاق على مكان التحكيم، وفي حال عدم وجود اتفاق، تحدد هيئة التحكيم المكان بما يتناسب مع طبيعة النزاع وراحة الأطراف. كما يجوز عقد جلسات أو إجراءات تحكيمية في أماكن مختلفة).
كما نصت المادة (20) من قانون التحكيم البحريني رقم 9 لسنة 2015م على انه: (يكون للأطراف حرية الاتفاق على مكان التحكيم. وفي حال عدم وجود اتفاق، تحدد الهيئة المكان، ويمكن عقد الاجتماعات في أي مكان مناسب لإجراء التحكيم).
اما القانون البريطاني فهو الافضل فقد نصت المادة (3) من قانون التحكيم البريطاني لعام 1996 م على انه: (يقصد بمقر التحكيم المقر القضائي للتحكيم المعين كما ياتي: (أ) من جانب طرفي اتفاق التحكيم، أو (ب) من قبل أي هيئة تحكيمية أو مؤسسة أخرى أو شخص معين من الأطراف ذات الصلاحيات في هذا الأمر، أو (ج) من قبل هيئة التحكيم إذا كان ذلك مرخصًا لها من قبل الأطراف، أو تم تحديده مسبقا، وفي غياب أي تعيين من هذا القبيل، يراعى اتفاق الأطراف وجميع الظروف ذات الصلة).
ومن خلال ما سبق فاننا نوصي المقنن اليمني بتضمين العبارة الاتية: (وفي حال عدم وجود اتفاق، تحدد هيئة التحكيم المكان بما يتناسب مع طبيعة النزاع وظروف الأطراف. كما يجوز عقد جلسات أو إجراءات تحكيمية في أماكن مختلفة) وذلك الى نهاية نص المادة (٧) تحكيم السابق ذكرها.
لان ٩٩٪ من اتفاقات التحكيم في اليمن لا تتضمن تحديد مكان التحكيم او مقر التحكيم سواء أكانت اطراف التحكيم يمنية ام يمنية واجانب، وهذا الامر يؤدي الى اشكاليات حقيقية وعملية كثيرة سيما وان اكثر من ٩٩٪ من قضايا التحكيم في اليمن تتم خارج مؤسسات ومراكز التحكيم، اضافة الى ان كثيرا من اليمنيين العاملين خارج اليمن يقوموا بتحرير اتفاق التحكيم خارج اليمن بين يمنيين خارج اليمن بشان اموال خارج اليمن ويقوم كثير منهم بتقديم دعاوى البطلان في اليمن مثلما اشار الحكم محل تعليقنا، كما قد يكون الاتفاق بشان اموال او اشياء في اليمن او بين يمنين داخل اليمن وبين يمنيين خارجها، وفي هذه الاحوال تظهر الحاجة الماسة لتحديد مقر التحكيم او مكان التحكيم حسبما اشار الحكم محل تعليقنا، مع تأكيدنا على ان هذه الخلافات كثيرة، وقد تناولنا بعضها في تعليقات سابقة.
اما اذا كان اتفاق التحكيم قد صرح بتحديد مكان مباشرة إجراءات التحكيم فانه ينبغي على هيئة التقيد بذلك الاتفاق.
ولمعالجة اوجه القصور الحالي في المادة (٧) من قانون التحكيم اليمني فانه يمكن القول: بانه عند عدم اتفاق اطراف التحكيم على تحديد مقر التحكيم ومقر اجراءات التحكيم، فيتم تفسير اتفاق الاطراف على شخص المحكم الذي يقيم في مدينة او دولة معينة، يمكن تفسير هذا الاختيار على انه تفويض للمحكم بتطبيق القانون اليمني والخضوع لرقابة القضاء اليمني حتى لو كان احد اطراف التحكيم اجنبيا الا اذا اشترط تطبيق غير القانون اليمني حسبما ورد في المادة (٧) من قانون التحكيم اليمني، ويفهم من نص تلك المادة أن القانون اليمني لا يفرق بين مقر التحكيم ومكان التحكيم، وتبعا لذلك فان مقر التحكيم هو اليمن وفي المكان الذي يحدده المحكم، وانه يجب على المحكم ان يباشر إجراءات التحكيم في المكان الذي يختاره المحكم طالما ان الاطراف لم يقيدوا المحكم بمكان معين.
الوجه السادس: حق اطراف التحكيم في تحديد مقر التحكيم:
حق أطراف في تحديد مقر التحكيم هو مبدأ عام وواجب للتطبيق بغض النظر عن موضوع النزاع المنظور من قبل هيئة التحكيم، والذي تقرره النصوص الوطنية والصكوك الدولية للتحكيم، فكل قوانين التحكيم تقرر هذا المبدأ بالإجماع، إذ
تنص المادة 63 من اتفاقية المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (CIRDI) على أنه: “إذا قرر الأطراف أن تتم إجراءات التحكيم والتوفيق والتحكيم: (أ) في مقر محكمة التحكيم الدائمة أو أي مؤسسة أخرى مناسبة، عمومية أو خاصة، ﻳﻜﻮن اﻟﻤﺮكز قد اتخذ ﺗﺮﺗﻴﺒﺎت ﻟﻬﺬا اﻟﻐﺮض؛ (ب) في أي مكان آخر توافق عليه اللجنة أو المحكمة بعد التشاور مع الأمين العام.
كما تنص المادة 20 في بندها الأول، من قانون الأونسيترال النموذجي على أن: “للأطراف حرية الاتفاق على مكان التحكيم. فإن لم يتفقا على ذلك، تولت هيئة التحكيم تعيين هذا المكان، على أن تأخذ في الاعتبار ظروف القضية، بما في ذلك راحة الطرفين”.
وفيما يتعلق بقواعد التحكيم، تنص المادة 18-1 من قواعد غرفة التجارة الدولية (CCI) على أن: ” المحكمة تحدد مكان التحكيم، ما لم يتفق الطرفان على ذلك”
كما يؤكد البند 1.16 من لوائح محكمة لندن للتحكيم الدولي ((LCIA على أنه: “يجوز للطرفين الاتفاق كتابة على مكان (أو مكان قانوني) تحكيمهم في أي وقت قبل تشكيل هيئة التحكيم، وبعد ذلك بموافقة خطية مسبقة من طرف هيئة التحكيم “.
وفيما يتعلق بقوانين التحكيم الوطنية، نشير على سبيل المثال، إلى نص المادة 1.20 من قانون التحكيم التجاري الكندي التي نصت على أنه: “للأطراف الحرية في تقرير مكان التحكيم. وفي غياب مثل هذا القرار، يتم تحديد هذا المكان من قبل هيئة التحكيم، مع مراعاة ظروف القضية، بما في ذلك رضا الأطراف”. كما نذكر القسم 1043 من قانون التحكيم الألماني الذي ينص على أن: “للأطراف الحرية في الاتفاق على مكان التحكيم. وفي غياب هذا التنصيص، تحدد هيئة التحكيم مكان التحكيم مع مراعاة ظروف القضية، بما في ذلك رضا الأطراف. وهكذا تنص المادة 22 من قانون التحكيم السويدي على أنه: “يحدد الأطراف مكان الاجراءات. وفي غياب هذا التحديد، يقوم المحكمون بذلك “.
وفي حالة عدم اتفاق الطرفين على تحديد مقر التحكيم، يتم تحديد هذا المقر وفقاً لقواعد المركز المنصوص عليها في اتفاق التحكيم، وفي هذا الصدد، تنص المادة 16-2 من محكمة لندن للتحكيم الدولي (LCIA) على أنه: “في حالة عدم وجود أي اتفاق من هذا القبيل، يكون مقر التحكيم هو لندن (إنجلترا)، وإلا فإلى أن تصدر أوامر هيئة التحكيم، في ضوء الظروف وبعد منح الأطراف فرصة معقولة لتقديم رأيهم كتابة إلى هيئة التحكيم تقترح مكان تحكيم آخر أكثر ملاءمة (…). وتؤكد المادة 18-1 من قواعد غرفة التجارة الدولية (CCI) على أن: ” تحدد المحكمة مكان التحكيم، ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك”.
الوجه السابع: مكان مباشرة إجراءات التحكيم:
ذكرنا فيما سبق ان مقر التحكيم هو المقر الذي يحدده اطراف التحكيم وانه اذا اتفق اطراف التحكيم على تحديد المقر دون الاتفاق على تحديد مقر مباشرة اجراءات التحكيم فيحق للمحكم او هيئة التحكيم مباشرة اجراءات التحكيم خارج المقر، اما اذا كان اتفاق التحكيم قد صرح بتحديد مكان مباشرة إجراءات التحكيم فانه ينبغي على هيئة التحكيم التقيد بذلك الاتفاق.
وذكرنا فيما سبق ايضا انه وفقا للقانون اليمني فان عدم الاتفاق على تحديد مقر التحكيم ومقر اجراءات التحكيم فان اتفاق الاطراف لشخص المحكم الذي يقيم في مدينة او دولة معينة يعد تفويضا من الاطراف للمحكم بتحديد مقر التحكيم أما بشان القانون الواجب التطبيق فهو القانون اليمني وكذا يكون القضاء اليمني هو المختص في الرقابة وعلى التحكيم، ففي هذه الحالة يكون المحكم اليمني مقيد بتطبيق القانون اليمني والخضوع لرقابة القضاء اليمني ولو كان احد اطراف التحكيم اجنبيا الا اذا اشترط تطبيق غير القانون اليمني حسبما ورد في المادة (٧) من قانون التحكيم اليمني، ويفهم من نص تلك المادة أن القانون اليمني لا يفرق بين مقر التحكيم ومكان التحكيم، وتبعا لذلك فان مقر التحكيم هو اليمن وفي المكان الذي يحدده المحكم المختار وانه يجب على المحكم ان يباشر إجراءات التحكيم في المكان الذي يختاره المحكم طالما ان الاطراف لم يقيدوا المحكم بمكان معين.
ومع ذلك فان بعض قوانين التحكيم الاجنبية تذهب الى اشتراط موافقة الأطراف على مباشرة اجراءات التحكيم خارج المقر، وهذا ما نفهمه من نص المادة 2.18 من قواعد غرفة التجارة الدولية (CCI)، على أنه: “يجوز لهيئة التحكيم، بعد أخذ رأي الأطراف، عقد جلسات استماع واجتماعات في أي مكان آخر تراه مناسبًا، ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك”. وأيضا وبنفس المعنى من خلال المادة 20-2 من قواعد غرفة التجارة بستوكهولم (CCS) على أنه “يجوز لهيئة التحكيم، بعد التشاور مع الأطراف، إجراء جلسات استماع في أي مكان تراه مناسبًا. كما يجوز لها أيضا أن تجتمع وتناقش في أي مكان تراه مناسبا”. ونفهم كذلك المعنى نفسه من خلال المادة 39 (ب)- من قواعد المنظمة العالمية للملكية الفكرية، التي تنص على أنه: “يجوز للمحكمة، بعد التشاور مع الطرفين أو الأطراف، عقد جلسات استماع في أي مكان تراه مناسبًا. ويجوز لها التداول في أي مكان تراه مناسبًا “. وكذلك المادة 3.16 من قواعد (LCIA)، التي تفيد نفس المعنى.
وتجدر الإشارة في هذا الصدد، الى أن أنظمة أخرى، مثل القانون السويسري، لا ينص صراحة على هذا الشرط (استشارة الأطراف قبل تغيير مكان إجراءات التحكيم). وعلى سبيل المثال، تمنح المادة 2.16 من القانون السويسري لهيئة التحكيم فقط الإذن بتغيير مكان الإجراءات مع مراعاة ظروف النزاع. وتنص بذلك على أنه: “بصرف النظر عن تحديد مقر التحكيم، يجوز لهيئة التحكيم أن تقرر أين ستجري الإجراءات. ويجوز لها على وجه الخصوص الاستماع إلى الشهود وعقد الاجتماعات للتشاور معهم في أي مكان تراه مناسباً، مع مراعاة ظروف التحكيم”. كما تنص المادة 22 من قانون التحكيم السويدي على أنه: “يجوز للمحكمين عقد اجتماعات في مكان آخر في السويد أو في الخارج، ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك”.
الوجه السابع: مكان اجراءات التحكيم الالكترونية:
في حالات كثيرة تتم اجراءات التحكيم عن طريق الوسائل الكترونية سيما في المسائل المستعجلة أمام هيئة التحكيم
إلا أن هذا الحل لا يمكن أن يكون ذا فعالية بالنسبة للطلبات المستعجلة التي تتعلق بالتدابير الوقتية والتحفظية إلا بالنسبة للأنظمة والمؤسسات التحكيمية التي تعترف وتحتضن نظام المحكم الاستعجالي.
وفي تعبير واضح للغاية، تنص المادة 2.4، التذييل الخامس من قواعد غرفة التجارة الدولية على أنه: ” كل اجتماع مع محكم الأمور المستعجلة يجوز أن يكون في شكل جلسة يحضرها الأطراف المعنيون شخصيا في أي مكان يراه المحكم مناسبا، أو عن طريق الجلسة الافتراضية عبر الفيديو(vidéoconférence)، عبر الهاتف أو بوسائل اتصال أخرى مماثلة “.
كذلك، تنص المادة 5، الجدول 1 من قواعد المركز الدولي للتحكيم بسنغافورة (CAIS) على أنه: “(…) يجب أن يوفر هذا الجدول الزمني فرصة معقولة لسماع الأطراف، كما يجيز اللجوء التحدث الجماعي من خلال الهاتف أو عبر المراسلات الكتابية كبدائل لجلسة رسمية (…) “. وفي صياغة مماثلة، تؤكد المادة 38 (د)- من قواعد الرابطة الأمريكية للتحكيم (AAA) أنه: “(…)، مثل هذا الجدول الزمني يوفر فرصة معقولة لجميع الأطراف للاستماع إليهم، كما يجيز اللجوء إلى الهاتف أو عن طريق الجلسة الافتراضية عبر الفيديو(vidéoconférence)، أو عبر المراسلات الكتابية كبدائل لجلسة رسمية ”.
إن ما يمكن أن نستخلصه من تحليل صياغة هذه المواد؛ هو أن المحكم الاستعجالي لديه صلاحية عقد جلسات استماع واجتماعات بالوسائل الإلكترونية دون الاستشارة مع الأطراف في هذا الصدد، وهو ما يعني أن إجراء جلسات استماع عبر الفيديو من خلال الواقع الافتراضي هو أمر يتعلق بتقدير محكم الاستعجال.
ويقدم التحكيم الإلكتروني هذا ميزة مهمة، خصوصا في موضوع مقر التحكيم، لإنه يساهم في فعالية هذا الإجراء- جلسات استماع عبر الفيديو من خلال الواقع الافتراضي – مادام أن وجود حالات استعجالية لا تسمح للمحكم بإضاعة الوقت للتشاور مع جميع الأطراف في مسألة مكان الجلسة أو الوسائل التي من خلالها يمكن أن تعقد اجتماعات، مع أن الأمر لا يستبعد أبدا الحاجة إلى إخطار جميع الأطراف بمكان جلسات الاستماع أو الوسائل التي ستستخدم لعقد الجلسات.
ومن المهم جدا التأكيد، على أن المقتضيات المذكورة أعلاه، لا تنطبق إلا على الطلبات المقدمة لمحكم المستعجلات، الذي لا يكون مختصا إلا قبل تشكيل هيئة التحكيم. وبعبارة أخرى، فإنها لا تنطبق أبداً على طلب اتخاذ تدابير مؤقتة معروضة على هيئة التحكيم.
لهذا السبب، وفيما يتعلق باتخاذ تدابير وقتية أو تحفظية طلبت من هيئة التحكيم، نرى ضرورة العمل بنفس المقتضيات المذكورة آنفا، والتي تتيح للمحكمة إذا كانت ظروف القضية تستدعي عقد جلسات الاستماع والاجتماعات والمداولات من خلال وسائل الاتصال الحديثة هذه. والذي نقترح أن يتم العمل على تقنينها ضمن الأنظمة واللوائح التحكيمية التي تعتمد هذا النظام.
من حيث المنهجية التشريعية، نعتبر أنه من المنطقي أن استعمال هذه الوسائل التي نقترح أن تكون من أدوات الهيئة التحكيمية، يجب أن تتبع المقتضيات التي تحكم سلطة هيئة التحكيم في منح التدابير الوقتية والتحفظية.
إن إمكانية عقد جلسات استماع واجتماعات بوسائل الاتصال الإلكترونية بغرض التغلب على العقبات التي تواجه النزاع الدولي الاستعجالي أمام التحكيم، سيما في حالة تعدد الأطراف. وفيما يتعلق بالمسألة قيد النظر، نعتقد أن هذا الإجراء يزيد من فعالية التحكيم التجاري الدولي فيما يتعلق باتخاذ التدابير الوقتية والتحفظية، لا سيما في حالة الاستعجال القصوى.
بالإضافة إلى ذلك، فإنه يمنح هيئة التحكيم التفوق على المؤسسة القضائية للدولة التي لديها فقط الآلية التشريعية التي تجعلها أقل قدرة على تسوية النزاعات الدولية المعقدة التي تتميز بتعقيد كبير.
ومع ذلك، إذا كان تطبيق الإجراء الآنف الذكر، بمناسبة طلبات التدابير الوقتية والتحفظية أمام المحكم الاستعجالي يعتبر ضروريا لفعالية المسطرة الاستعجالية التي ينظرها هذا المحكم الوحيد، فإنها تكون بأهمية بل بضرورة أكثر، ولا غنى عنها في حالة اتخاذها من قبل هيئة التحكيم.
في حالة تقديم طلب التدابير المؤقتة إلى هيئة التحكيم، والتي غالبا ما تكون مؤلفة من ثلاثة، لأنه من النادر في الممارسة العملية أن تتكون هذه الهيئة من محكم واحد، ففي حالات الاستعجال القصوى التي تتطلب التدخل القضائي السريع جدا، يكون من الصعب على هؤلاء المحكمين الثلاثة، في غضون ساعات بعد إيداع الطلب، أن يحضروا جميعهم في موقع جغرافي معين لسماع جميع الأطراف (الذين قد يكونون أكثر من اثنين)، والتداول وإصدار قرارهم الذي يجب أن يكون في بعض الأحيان في ساعة أو أكثر من ذلك بقليل.
ولهذا السبب، نعتقد أن الإجراء الذي يعطي المحكم سلطة عقد جلسات استماع واجتماعات بوسائل الاتصال الإلكترونية الحديثة وخاصة في الفضاء السيبراني (cyber_espace)، يجعل التحكيم التجاري قادرا على التغلب على تحديات الزمن و المسافة الذين يميزان التقاضي الدولي الاستعجالي، وخاصة التعددية الدولية.
في حالة عقد جلسات استماع أو اجتماعات في مكان آخر غير المكان الذي يتفق عليه الأطراف بصفته مقر التحكيم، يجب إخطارهم بهذا المكان. وفي جميع الحالات، يجب على الأطراف أيضًا أن يكونوا على دراية بتاريخ ووقت الجلسة. وفي هذا الصدد، تنص المادة 20-2 من قواعد غرفة التجارة بستوكهولم (CCS) على أنه: “يجوز لهيئة التحكيم، بعد استشارة الأطراف، إجراء جلسات استماع في أي مكان تراه مناسبًا”. ومن المفهوم طبعا، أن استشارة الأطراف حول عقد جلسات الاستماع والاجتماعات في مكان آخر غير الذي تم بالفعل الاتفاق عليه، يؤكد موافقتهم ومعرفتهم الضمنية بهذا المكان.
ومن الواضح أن المادة 27-2 من قواعد غرفة التجارة بستوكهولم (CCS)، تؤكد هذا المبدأ من خلال النص على أنه: “تحدد هيئة التحكيم، بالتشاور مع الأطراف، تاريخ ووقت ومكان أي جلسة استماع وتخطر الأطراف في غضون فترة زمنية معقولة “.
مما سبق، نستنتج أن هذا المبدأ يجب أن ينطبق أيضا في حالة المحكم الاستعجالي أو هيئة التحكيم عندما تقرر عقد جلسات استماع أو اجتماعات بواسطة وسائل الاتصال الإلكترونية.
فمن المسلم به أن هذا ينطبق إذا تم تقديم الطلب لغرض التدابير الثنائية؛ وخلافا لذلك، فإنه يشكل انتقاصا لحقوق الدفاع المخولة للأطراف. ومع ذلك، لا ينطبق هذا المبدأ إذا كان الطلب لغرض التدابير الأحادية، لأنه يجب كفالة مبدأ المواجهة.
ويعتبر التحكيم قد تم في المكان الجغرافي التي تم تعيينه من قبل الأطراف من أجل أن يكون المقر القانوني للتحكيم، حتى لو عقدت جلسات أو اجتماعات في مكان آخر. وقد نصت على هذا المبدأ ا قوانين التحكيم المختلفة.
وتنص المادة 20-3 من قواعد (CCS) على أنه: “يُعتبر قرار التحكيم قد صدر من مقر التحكيم”. وبالتالي، فإن المادة 4.16 من القواعد السويسرية التي تنص على أنه: “يعتبر الحكم قد تم إصداره في مقر التحكيم”. من أجل تنظيم هذه المسألة، تعتبر المادة 3.16 من لوائح (LCIA) أكثر وضوحا لأنها تؤكد هذا المعنى.
هذا المبدأ، يعني ضمنا أن النتائج القانونية تتعلق دائما بالمقر المعين، إما بموافقة الأطراف أو المحكم أو مؤسسة التحكيم في غياب أي اتفاق. وعلى العكس، فإن هذه النتائج تظل في استقلال تام عن المكان الذي تجري في العمليات الإجرائية للتحكيم.) أهمية مكان التحكيم في المسطرة التحكيمية، مجلة المنارة المغربية)، (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التحكيم الجزء الرابع، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص١٩٠)، والله اعلم.