استنتاج الحكم المخالف للعبارة الظاهرة
العبارة أو العبارات الظاهرة هي العبارات التي يرد ذكرها في أوراق القضية التي يظهر للمطالع لها معناها في اللغة أو استعمالها في العرف، فهذه العبارات صريحة في دلالتها لا تحتاج إلى تأويل او تفسير.
ولذلك يجب على القاضي عند تسبيب حكمه الالتزام بما يدل عليه ظاهر هذه العبارات، فلا يجوز للقاضي العدول عن معنى العبارة الظاهر واستنتاج نتائج مخالفة للمعاني الظاهرة لتلك العبارات، لان ذلك من مظاهر الفساد في الاستدلال، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٩-١-٢٠١٤ م، وذلك في الطعن رقم (٥٣٧٢٢)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فالظاهر ان كل طرف قد افصح عن ارادته الظاهرة في ذلك الوقت، اما استدلال الحكم المطعون فيه بالمادة (٥١٢) مدني والقول بان نية الطرفين قد اتجهت الى سعر السوق فهو مخالف لما عبر عنه الطرفان حسبما ثابت في اوراق القضية، فلا يستساغ اللجوء الى استنتاج ارادة الطرفين خلافا للظاهر في الاوراق)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الأول: المعنى الظاهر لعبارات الخصوم المثبتة في اوراق القضية:
تتضمن اوراق القضية كمحاضر الجلسات ومذكرات الخصوم وتقارير الخبراء..الخ، تتضمن العبارات الصادرة من الخصوم او الشهود او الخبراء، وقد تكون هذه العبارات صريحة في معناها، فعندئذ لا يجوز للقاضي العدول عن المعنى الظاهري واستنتاج نتائج مخالفة للمعنى الظاهر لتلك العبارات حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.
واذا كانت تلك العبارات واضحة إلا انها مجملة تحتاج الى بيان وتفصيل فيحق للقاضي ان يفسرها بحسب معناها في اللغة والاستعمال العرفي لها، ومن خلال هذا التفسير يحق للقاضي ان يستنتج او يستخلص النتائج من تلك العبارات ومعناها في اللغة والعرف.
واذا كانت العبارات غامضة في ورقة من اوراق القضية فان القاضي يفسرها من العبارات الاخرى الواردة في اوراق القضية الاخرى اذا كانت العبارات منسوبة او صادرة من مصدر واحد اي منسوبة لشخص واحد، ويجوز للقاضي تفسير او بيان العبارات الغامضة عن طريق عبارات اخرى صادرة من الشخص نفسه كشاهد او خبير، بيد انه لا يجوز الرجوع غي تفسيرها الى العبارات المنسوبة للخصم لتفسير الغامض من عبارات خصمه.
اما اذا لم تكن هناك عبارات اخرى في اوراق القضية يتم اللجوء اليها لإزالة الغموض في العبارة فلا مناص عندئذ من قيام القاضي باستجواب الخصم او الخبير او الشاهد صاحب العبارة، فلا يجوز للقاضي في هذه الحالة ان يقوم بنفسه بتفسير العبارة الغامضة، كذلك لا يجوز للقاضي ان يضع تفسيرا مخالفا لظاهر العبارة كي يستخلص منها النتائج، حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.
الوجه الثاني: تفسير العبارة بخلاف معناها الظاهر اخلال بحياد القاضي:
حياد القاضي من اهم المبادئ الحاكمة للقضاء والتقاضي، ومعنى ذلك انه لا يجوز للقاضي ان يقوم باي فعل او تصرف او امتناع لصالح او ضد ايا من الخصوم، فقيام القاضي بتفسير العبارة الظاهرة الدلالة على خلاف معناها الظاهر يدل على عدم حياد القاضي وقيامه بالتدخل لصالح او ضد من قام بتفسير العبارة الظاهرة لصالحه او ضده او إذا قام باستخلاص النتائج على خلاف ما ورد في العبارة الظاهرة.
الوجه الثالث: تفسير العبارة بخلاف معناها الظاهر فساد في الاستدلال:
يعني الاستدلال في علم المنطق استنتاج معرفة جديدة (النتيجة) من معرفة سابقة (مقدمات) باستخدام قواعد منطقية، أو أن الاستدلال: الانتقال من شيء نعرفه إلى شيء آخر نصل إليه بناءً على علاقات منطقية بينها.
وبحسب هذا المفهوم فان الفساد في الإستدلال: هو عيب يشوب أسباب الحكم يجعل الاستدلال غير سليم، ويتحقق ذلك عندما تستند المحكمة في حكمها إلى أدلة غير صالحة للاقتناع بها أو الى فهم خاطئ للوقائع أو على أدلة متناقضة، او تستند الى عبارات لم يرد ذكرها في اوراق القضية او الى نتائج مخالفة للمعنى الظاهر في العبارات التي تضمنتها اوراق القضية.
فالفساد في الاستدلال مصطلح قانوني يشير إلى وجود خطأ في استنتاج المحكمة للأسباب التي بنت المحكمة عليها حكمها.
ونخلص من هذا الوجه الى القول: بان استخلاص النتائج على خلاف المعنى الظاهري للعبارة من اخطر مظاهر الفساد في الاستدلال.
الوجه الرابع: تفسير العبارة بخلاف معناها الظاهر يخالف الثابت في اوراق القضية:
تتضمن اوراق القضية كمحاضر الجلسات ومذكرات الخصوم وتقارير الخبراء..الخ، تتضمن العبارات الصادرة من الخصوم او الشهود او الخبراء، فاذا كانت هذه العبارت صريحة في دلالتها ام معانيها ظاهرة فلا تحتاج الى تفسير، فان قيام القاضي باستخلاص نتائج على خلاف المعنى الظاهر يجعل اسباب الحكم مخالفة للثابت في اوراق القضية، فلا يجوز للقاضي العدول عن المعنى الظاهري واستنتاج نتائج مخالفة للمعنى الظاهر في تلك العبارات. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالنقض الجزء الثاني، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص١٩٣)، والله اعلم.