التحكيم الهندسي في اليمن

التحكيم الهندسي في اليمن

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
يشهد اليمن، في سعيه نحو إعادة البناء والاعمار والتنمية الشاملة، حاجة ماسة إلى آليات فعالة لضمان جودة المشاريع الهندسية وحل النزاعات الناشئة عنها بطرق عادلة وسريعة، ولذلك يبرز الدور المهم للتحكيم الهندسي كركيزة أساسية لتحقيق هذه الأهداف في جميع مناطق البلاد.
ويستند التحكيم الهندسي في اليمن الى الاحكام والاجراءات المذكورة في قانون التحكيم اليمني، ويكتسب التحكيم الهندسي في اليمن اهمية خاصة كوسيلة بديلة او معاونة للقضاء بسبب كثرة القضايا وقلة القضاة في اليمن، وتكدس وتعثر القضايا في المحاكم.
ولذلك فقد تنبهت الدولة لهذه المسالة، إذ قامت في الاونة الاخيرة باستحداث قطاع التحكيم والصلح التابع لوزارة العدل، كما قامت وزارة العدل مشكورة مؤخرا بمخاطبة وزارة الشئون الاجتماعية والنقابات والاتحادات المهنية ومنها نقابة المهندسين، وذلك بانشاء مراكز تحكيم مهنية متخصصة تابعة لها.
بيد ان التحكيم الهندسي لا يعفي المحكمين المهندسين من اتباع إجراءات التحكيم المقررة في قانون التحكيم اليمني، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٦-١-٢٠١٤ م، وذلك في الطعن رقم (٥٣٨٣٢)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (ان الدائرة تجد انه لا يكفي ان تتضمن حيثيات الحكم القول: ان موضوع التحكيم بتعلق بتحكيم هندسي لمحكمين مهندسين من دوي الخبرة الهندسية وان الحكم المدعى ببطلانه قد تضمن الاجراءات الفنية التي كان ينبغي على المحكمين المهندسين القيام بها، دون تن يقوم الحكم بمناقشة اسباب دعوى البطلان، فقد كان من الواجب على المحكمين المهندسين مراعاة اجراءات التحكيم المقررة في القانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية: 

الوجه الاول: مفهوم التحكيم الهندسي: 

التحكيم الهندسي هو أحد أشكال التحكيم المتخصص الذي يُستخدم لحل النزاعات ذات الطابع الفني أو التقني في المشاريع الإنشائية والهندسية، ويتم اللجوء إليه بدلاً من اللجوء الى القضاء التقليدي.
فالتحكيم الهندسي وسيلة قانونية وفنية اختيارية يلجأ إليها أطراف العقد الإنشائي بناءً على اتفاق مسبق (مشارطة التحكيم)، لتسوية نزاعاتهم بواسطة محكم فرد أو هيئة تحكيم تتمتع بخبرة واسعة واختصاص دقيق في الهندسة والقانون معاً، بدلاً من رفع الدعاوى القضائية أمام المحاكم العامة، وقد يتم الاتفاق على التحكيم الهندسي باتفاق تحكيم مستقل.
فالتحكيم الهندسي اتفاق بين طرفين أو أكثر لتسوية نزاعات بشان مشاريع انشائية او هندسية قائمة أو مستقبلية تنشأ عن علاقة عقدية، وذلك الفصل في الخلاف الهندسي القائم او المستقبلي عن طريق التحكيم بدلًا من القضاء، ويتخذ هذا الاتفاق شكلين رئيسيين إما ان يكون بندًا ضمن العقد الأصلي أو في صورة مشارطة مستقلة.
ويمثل التحكيم الهندسي وفض المنازعات واحد من اهم الاتفاقات، و ذلك من أجل الفصل في المنازعات ذات الطابع الفني الهندسي التي تتم بين الأفراد، إذ تتفق الاطراف على تحكيم هيئة فنية هندسية متخصصة للنظر في الخصومة الهندسية والفصل فيها او من خلال مجموعة من الخبراء المهندسين.

الوجه الثاني: انواع التحكيم الهندسي: 

هناك عدة أنواع من التحكيم الهندسي تختلف حسب طبيعة النزاع وحجمه، من اهمها ما ياتي: 
اولا: التحكيم الهندسي الفردي:
 إذ يتم في هذا النوع اختيار محكم واحد متخصص في المجال الهندسي ولديه المام بإجراءات التحكيم المقررة في القانون، وذلك لفض النزاع، هذا النوع مناسب للخلافات الصغيرة أو التي لا تتطلب اجراءات كثيرة ً، ويتميز هذا النوع بالسرعة وانخفاض التكاليف نسبياً.
ثانيا: التحكيم الهندسي المؤسسي: 
ويتم عبر مراكز تحكيم محلية تابعة لنقابة المهندسين او المقاولين، وتتوفر لدى هذه المراكز نظم و قواعد وإجراءات تحكيم واضحة، ولديها فريقاً من المحكمين الخبراء المتخصصين في الشئون الهندسية والقانونية، ويدير هذه المراكز فريقا إدارياً مختصاً يتولى الإشراف على اعمال ونشاط. هذه المراكز. 
وهنك شعب للتحكيم الهندسي في بعض مراكز التحكيم العامة مثل غرفة التجارة الدولية (ICC)، ومحكمة لندن للتحكيم الدولي (LCIA)، بالإضافة إلى مراكز تحكيم عربية وإقليمية مثل مركز دبي للتحكيم الدولي ية والقانونية (DIAC). هذه المؤسسات تضفي طابعاً رسمياً وموثوقية عالية على العملية.
ثالثا: التحكيم الهندسي المختلط: 
يجمع هذا النوع بين القانونيين والمهندسين، فعادة ما تتكون هيئة التحكيم الهندسي من ثلاثة أعضاء: قانوني ومهندس، ومقاول متخصص يجمع بين الخبرتين. وهذا النموذج مثالي للنزاعات المعقدة التي تتطلب فهماً عميقاً للجوانب الفنية والقانونية معاً، لضمان إيجاد حلول شاملة وعادلة.
وكل نوع من هذه الأنواع له مزايا مختلفة، لكنها جميعها تهدف إلى تعزيز فعالية التحكيم الهندسي وضمان حيادية القرارات.

الوجه الثالث: القضايا التي يتم حسمها عن طريق التحكيم الهندسي: 

 عن طريق التحكيم الهندسي يتم الفصل في كافة القضايا التي تحتاج الى خبرة نوعية هندسية مثل اعمال البناء والتشييد والتوريد، ومن اهم النزاعات التي يتم حسمها بنجاح عن طريق التحكيم الهندسي بانواعه المختلفة نزاعات تأخير التسليم في مشاريع الأبراج السكنية والمشاريع الاخرى، حيث تلجأء شركات البناء إلى التحكيم الهندسي لتقدير مدى مسؤولية المقاول عن التأخير، سواء كان السبب في ذلك ظروف خارجة عن إرادته أو إهمالاً في تنفيذ الأعمال.
كذلك النزاعات المتعلقة بجودة المواد المستخدمة في البنية التحتية التي يحتاج الفصل فيها الى خبرة المحكمين الهندسيين الذين يحددون ما إذا كان هناك إخلال بالمواصفات، فعلى سبيل المثال: في مشروع بناء جسر، قد ينشأ نزاع بشان جودة الخرسانة المستخدمة، ففي هذه الحالة يقوم المحكمون باستدعاء مهندسين خبراء مختصين لإجراء فحوصات مخبرية، وتقديم النتائج في تقارير فنية مفصلة، ثم يتم إصدار القرار بناءً على الأدلة العلمية والفنية، وليس فقط على المذكرات القانونية.
ففي بيئة مشاريع البناء تتداخل مصالح عدة أطراف: مالكون، مقاولون، استشاريون، وموردون. وهذا التداخل غالبًا ما يؤدي إلى خلافات هندسية تتعلق بالتنفيذ، او بالجداول الزمنية للتسليم، او تكاليف العمل او البناء، أو حتى التفسيرات التعاقدية. فهنا تظهر الحاجة الى التحكيم الهندسي المتخصص، ويتم اللجوء الى التحكيم الهندسي، لان الخلافات بشان المشاريع الانشائية تتطلب للفصل فيها السرعة والخبرة لتقليل المخاطر، ومن أبرز هذه المخاطر: تكبد الخصوم مبالغ طائلة تزداد كلما زادت فترة التقاضي فكل يوم تاخير يكلف الملايين.
وتُعد مشاريع التشييد والبناء بيئة هندسية واقتصادية بالغة التعقيد، تتشابك فيها العقود الضخمة، والجداول الزمنية الحرجة، والالتزامات المالية الهائلة بين المالك، والمقاول الرئيسي، والجهات الاستشارية. ونظراً لطبيعة هذه المشاريع التي تدر ملايين الريالات، فإن نشوء الخلافات والنزاعات الفنية والتعاقدية يُعد أمراً وارداً بل وحتمياً في الكثير من الأحيان. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى آليات بديلة وفعالة لفض هذه النزاعات بعيداً عن أروقة المحاكم التي تتسم بالبطء وغياب التخصص الفني العميق. 
وقد تظهر النزاعات بشان مشاريع التشييد والبناء في أي مرحلة من مراحل المشروع، ومن أبرز النزاعات بشان هذه المشاريع: 
• الخلاف بشان تفسير بنود عقد المقاولة او الاستشارات الهندسية.
• التأخير في تنفيذ العقد بحسب الجداول الزمنية المتفق عليها وغرامات التاخير والتعويضات المترتبة على ذلك.
• وجود عيوب في تنفيذ الأعمال أو المواد.
• وجود مطالبات بمبالغ مالية مقابل اعمال إضافية قام بها المقاول.
• وجود مخالفات في المواصفات الفنية لأعمال تنفيذ المشروع.

الوجه الرابع: تشكيل هيئة التحكيم الهندسي: 

توجد لدى مراكز التحكيم الهندسي التابعة لنقابة المهندسين او المقاولين ثلاث قوائم للمحكمين المعتمدين في المركز: القائمة الاولى تتضمن اسماء المحكمين من القانونين والثانية اسماء المحكمين من المقاولين والثالثة اسماء المحكمين من المهندسين. 
وعند عرض الخلاف على مركز التحكيم فانه يقوم بعرض القوائم الثلاث على الخصوم اطراف التحكيم لاختيار محكم واحد من كل قائمة، وبناء على ذلك يقوم المركز بإصدار قراره بتشكيل لجنة التحكيم الهندسي من ثلاثة اعضاء الاول مهندس والثاني مقاول والثالث قانوني، ويتولى رئاسة لجنة التحكيم المحكم القانوني.
وكذلك الحال في بعض مراكز التحكيم العامة الكبيرة إذ توجد لديها عدة قوائم محكمين، فتقوم بتشكيل هيئات التحكيم الهندسي على شاكلة لجان التحكيم التي تشكلها مراكز التحكيم الهندسي المتخصصة التابعة لنقابة المهندسين او المقاولين.

الوجه الخامس: مزايا التحكيم الهندسي: 

ذكرنا فيما سبق ان لجنة التحكيم الهندسي تجمع في قوامها بين الخبرة الهندسية والخبرة القانونية في وقت واحد حيث يتم الفصل في الخلاف وحسمه من كافة نواحيه الفنية الهندسية والقانونية في وقت واحد، لان الخبير الهندسي والمقاول من ضمن قوام هيئة التحكيم، فلا تحتاج هيئة التحكيم الى تكليف خبير او خبراء من خارج تشكيل الهيئة الذي يستغرق وقتا طويلا نتيجة القيام بأعمال الفحص وعرض تقارير الخبرة على الخصوم والاستماع والرد على ملاحظات الخصوم وكذا قيام ه‍يئة التحكيم بتكليف الخبير باعادة دراسة الموضوع او استيفاء المهمة مع ما يستتبع ذلك من وقت وتكاليف وجهد.
 ولذلك فان التحكيم الهندسي افضل بكثير من القضاء والتحكيم العادي، فالقاضي 
 او المحكم العادي لا يستطيع فهم تفاصيل تقارير التربة أو أسباب فشل خرسانة ما، كما يمتاز التحكيم الهندسي بقلة التكاليف مقارنة بالمحاكم والتحكيم العادي، اضافة الى ان التحكيم الهندسي يمكن المشروع من الاستمرار بالتنفيذ أثناء نظر النزاع.
فالمشاريع الإنشائية لا تحتمل الانتظار لسنوات طويلة في أروقة المحاكم؛ فالنزاعات المالية ومعوقات الموقع تتطلب قرارات حاسمة وسريعة لضمان استمرار التدفق النقدي وعدم توقف أعمال التنفيذ.
كما يمتاز التحكيم الهندسي بالسرية التامة وحماية السمعة التجارية: بخلاف جلسات المحاكم العامة العلنية، فالتحكيم الهندسي يضمن الفصل في النزاع بسرية تامة وعدم اطلاع الجمهور على البيانات المالية والفنية الحساسة، مما يحمي السمعة التجارية للشركات والأطراف المتنازعة في السوق.
 ولذلك فقد أصبح التحكيم الهندسي في العقود الأخيرة أحد الحلول الأكثر اعتماداً في فض النزاعات المتعلقة بقطاع البناء والتشييد على مستوى العالم. ومع التوسع الهائل في الاستثمارات وتعدد الأطراف الدولية في المشاريع الضخمة التي تتجاوز قيمتها مئات الملايين من الدولارات، برزت الحاجة إلى أنظمة أكثر كفاءة وحيادية تضمن حقوق جميع الأطراف دون الخضوع لتعقيدات القضاء التقليدي. وهنا يأتي دور التحكيم الهندسي المدعوم بالقوانين الدولية والمعايير العالمية، حيث يقدم إطاراً متيناً لحل الخلافات الفنية والقانونية بأسلوب متخصص وسريع.
 إن هذا التطور لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة حتمية في ظل المشاريع العابرة للحدود، والتي تشمل بناء المطارات، والطرق السريعة، والموانئ، والمباني الذكية، حيث أن أي نزاع يمكن أن يؤدي إلى خسائر مالية فادحة وتأخيرات غير مقبولة في جداول التسليم.

الوجه السادس: دور التقنية التكنولوجيا في التحكيم الهندسي:

 لا شك ان هناك ثورة في التحكيم الهندسي، فمع التطور التكنولوجي الهائل، أصبح التحكيم الهندسي أكثر سرعة وفعالية وشفافية، فقد تحول من مجرد عملية ورقية إلى نظام رقمي متكامل. فاليوم يمكن استخدام أنظمة إدارة الوثائق الرقمية (EDMS) التي تتيح للجميع الوصول إلى المستندات في أي وقت ومن أي مكان، مما يسهل عملية تبادل الأدلة.
إضافة إلى ذلك فقد أصبح استخدام العروض التقديمية ثلاثية الأبعاد (3D) والواقع الافتراضي (VR) أدوات حاسمة، فيمكن للمحكمين أن “يتجولوا” افتراضياً في موقع المشروع، ويروا المشكلة من زوايا مختلفة، ويفهموا التسلسل الزمني للأحداث بشكل بصري وواضح، هذا التطور يساعد على توضيح تفاصيل النزاع بشكل لم يكن ممكناً من قبل، مما يجعل قرارات لجنة التحكيم الهندسي أكثر دقة وشفافية.
كما أن الذكاء الاصطناعي (AI) أصبح يلعب دوراً مهماً في تحليل كميات هائلة من البيانات، مثل المراسلات بين الأطراف، وسجلات العمل، والجداول الزمنية لتنفيذ المشاريع، فيمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي أن تحدد الأنماط، وتكشف عن التناقضات، وتقدم رؤى تساعد المحكمين في اتخاذ قرارات مبنية على بيانات موثوقة، وهذا لا يسرّع العملية فحسب، بل يقلل أيضاً من الخطأ البشري. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل التحكيم الجزء الرابع، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص٨٧).

الوجه السابع: المعايير العالمية في التحكيم الهندسي:

تعتمد الكثير من مراكز التحكيم الهندسي على معايير صارمة لضمان العدالة والحيادية. ومن أبرز هذه المعايير، قواعد الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (FIDIC) أو قواعد لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (UNCITRAL).
وقواعد FIDIC، على سبيل المثال توفر نظاماً متدرجاً لحل النزاعات يبدأ بـهيئة فض المنازعات (Dispute Adjudication Board – DAB)، وهي هيئة شبه قضائية تقوم بإصدار قرارات مؤقتة يمكن للأطراف الالتزام بها أثناء استمرار العمل. إذا لم يكن القرار مرضياً، يمكن للأطراف اللجوء إلى التحكيم. هذا النظام يمنع توقف العمل ويحافظ على سير المشروع.
ومن ناحية أخرى، توفر قواعد UNCITRAL إطاراً مرناً للتحكيم الحر (Ad-hoc Arbitration)، حيث يمكن للأطراف المتنازعة تحديد إجراءاتهم الخاصة، وهو ما يعطي مرونة كبيرة للمشاريع التي لا ترغب في التقيد بقواعد مؤسسة تحكيم معينة. هذه المعايير تضمن أن القرارات المتخذة تحترم القوانين الدولية وتنسجم مع أفضل الممارسات العالمية.

الوجه الثامن: التحكيم الهندسي في المشاريع الحكومية ضمانة للحيادية والشفافية:

تلجأ الحكومات في كثير من الأحيان إلى التحكيم الهندسي لتسوية النزاعات مع شركات المقاولات الأجنبية. هذا الإجراء يوفر للدولة ضمانة بأن القرارات ستكون عادلة ومحايدة، بعيداً عن أي تأثيرات سياسية أو مصالح محلية. في الوقت نفسه، يطمئن المستثمرون الدوليون على حقوقهم لأنهم يعلمون أن نزاعاتهم ستحل عبر هيئة تحكيم مستقلة وذات خبرة.
كما أن التحكيم يوفر السرية اللازمة للمشاريع الحساسة، مثل المشاريع الدفاعية أو التي تتعلق بالبنية التحتية الحيوية، حيث لا يتم الكشف عن تفاصيل النزاع للعامة، مما يحمي سمعة الأطراف وسلامة المشروع.

الوجه التاسع: التحكيم الهندسي في اليمن: 

يشهد اليمن في سعيه نحو إعادة البناء والاعمار والتنمية الشاملة، حاجة ماسة إلى آليات فعالة لضمان جودة المشاريع الهندسية وحل النزاعات الناشئة عنها بطرق عادلة وسريعة، ولذلك يبرز الدور الحيوي للتحكيم الهندسي والاستشارات الهندسية المتكاملة كركيزتين أساسيتين لتحقيق هذه الأهداف في جميع مناطق البلاد.
ويستند التحكيم الهندسي في اليمن الى الاحكام والاجراءات المذكورة في قانون التحكيم اليمني، ويكتسب التحكيم الهندسي في اليمن اهمية خاصة كوسيلة بديلة او معاونة للقضاء بسبب كثرة القضايا وقلة القضاة في اليمن ويترتب على ذلك تكدس وتعثر القضايا في المحاكم.
ولذلك فقد تنبهت الدولة لهذه المسالة إذ قامت في الاونة الاخيرة باستحداث قطاع التحكيم والصلح التابع لوزارة العدل، كما قامت وزارة العدل مؤخرا بمخاطبة وزارة الشئون الاجتماعية والنقابات والاتحادات المهنية ومنها نقابة المهندسين بأنشاء مراكز تحكيم مهنية متخصصة، علما بان هناك في اليمن مكتب هندسي يقوم باعمال التحكيم الهندسي هو مكتب التحكيم الهندسي التابع لمؤسسة وشركة الريادة الهندسية، اضافة الى ان هناك مكتب التحكيم الهندسي المتكامل الذي يقدم الخدمات الاتية: 
* إدارة عمليات التحكيم: استقبال طلبات التحكيم، وتشكيل هيئات التحكيم، وإدارة الجلسات والإجراءات.
* توفير محكمين متخصصين: قائمة بأسماء محكمين ذوي خبرة وكفاءة في مختلف فروع الهندسة والقانون.
* صياغة اتفاقيات التحكيم: ومساعدة الأطراف في إعداد وصياغة بنود التحكيم في العقود الهندسية.
* تقديم الاستشارات القانونية والهندسية: وتوفير الخبرات اللازمة للأطراف المشاركة في عملية التحكيم.
* التدريب والتأهيل في مجال التحكيم الهندسي: تنظيم دورات وورش عمل لرفع مستوى الوعي والمعرفة بأهمية التحكيم وإجراءاته.
* التحكيم في المنازعات المتعلقة بمختلف أنواع المشاريع الهندسية: سواء كانت مشاريع إنشائية، أو بنية تحتية، أو صناعية، أو غيرها.
* التحكيم في المنازعات المتعلقة بالعقود الهندسية: بما في ذلك عقود المقاولات، والاستشارات، والتصميم، والإشراف.
* التحكيم في المنازعات المتعلقة بالمواصفات الفنية والجودة: لضمان حقوق جميع الأطراف وفقًا للمعايير الهندسية.
* توفير آليات بديلة لتسوية المنازعات (ADR): مثل الوساطة والتوفيق، لتوفير حلول ودية قبل اللجوء إلى التحكيم.
ويمثل التحكيم الهندسي والاستشارات الهندسية المتكاملة حجر الزاوية في بناء مستقبل عمراني مستدام ومزدهر في اليمن، من خلال توفير آليات فعالة لحل النزاعات وضمان جودة اويمكن لهذه الأدوات أن تساهم بشكل كبير في تسريع وتيرة إعادة الإعمار وتحقيق التنمية الشاملة في جميع مناطق البلاد، ولاشك إن الاستثمار في تطوير وتعزيز هذه المجالات يمثل ضرورة ملحة لبناء يمن المستقبل على أسس هندسية متينة ومستدامة.
وعلى الرغم من الأهمية القصوى للتحكيم الهندسي والاستشارات المتكاملة في اليمن، إلا أن هناك بعض التحديات التي تواجه التحكيم الهندسي، ومن ذلك:
• محدودية الكوادر المؤهلة: فهناك حاجة ملحة إلى المزيد من المهندسين والمحكمين المتخصصين وذوي الخبرة العالية.
• ضعف الوعي بأهمية التحكيم والاستشارات: فهناك حاجة إلى نشر ثقافة التحكيم وأهمية الاستعانة بالاستشارات الهندسية المتخصصة.
• التحديات الأمنية والاقتصادية نتيجة الظروف الراهنة في اليمن التي تعيق عمل بعض الشركات الاستشارية ومراكز التحكيم.
• الحاجة إلى تطوير الأطر القانونية والتنظيمية عن طريق تحديث القوانين واللوائح المتعلقة بالتحكيم الهندسي لضمان فعاليتها.
إلا أن هذه التحديات تحمل في طياتها فرصًا كبيرة للنهوض بقطاع التحكيم الهندسي في اليمن، ويمكن تحقيق ذلك من خلال الاتي: 
* الاستثمار في تأهيل وتدريب الكوادر الهندسية والتحكيمية.
* إطلاق حملات توعية بأهمية التحكيم والاستشارات الهندسية.
* دعم إنشاء وتطوير مراكز تحكيم هندسي مؤهلة في مختلف المناطق.
* تشجيع الشركات الهندسية على تقديم خدمات استشارية متكاملة بجودة عالية.
* تطوير وتحديث التشريعات المنظمة لقطاع الهندسة والتحكيم.
* تعزيز التعاون مع المنظمات الإقليمية والدولية لتبادل الخبرات وأفضل الممارسات.
ولاريب إن إنشاء مركز تحكيم هندسي في اليمن يتبع نقابة المهندسين يمثل خطوة حاسمة نحو تطوير قطاع الهندسة والمقاولات، وتعزيز بيئة الاستثمار في جميع محافظات اليمن، من خلال توفير آليات فاعلة وعادلة وسريعة لفض المنازعات، ويمكن لهذا المركز أن يساهم بشكل كبير في دفع عجلة التنمية الاقتصادية وتحقيق الاستقرار والازدهار في البلاد، ويتطلب تحقيق هذا الهدف تضافر الجهود من جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني ونقابة المهندسين واتحاد المقاولين، لدعم وتعزيز دور هذا الصرح المهم. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الخبرة الجزء الثالث، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2025م، ص٢٠٣)، والله اعلم.
تعليقات