خطاب الضمان المشروط

خطاب الضمان المشروط

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

خطاب الضمان المشروط وشروط تسييل الضمان البنكي في القانون اليمني
خطاب الضمان المشروط — أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأصل أن خطاب الضمان حتى يتحقق فيه مبدأ استقلال التزام البنك وحتى يحقق غاياته الاقتصادية كضمان مستقل ونهائي يلتزم البنك به دون دون أي قيد أو شرط، لذلك فالأصل أن لا يتضمن خطاب الضمان أي قيد أو شرط يحول دون حصول المستفيد على قيمة خطاب الضمان.
بيد ان العميل الامر بإصدار الخطاب قد يقرر حماية نفسه من غش المستفيد وتذاكيه ومغالطته سيما في اليمن التي تعد المغالطة والكذب والغش نوعا من الذكاء والشطارة والرجالة، لذلك فان العميل الامر قد يجعل خطاب الضمان مشروطا، فيطلب العميل من البنك ان يقوم بتضمين خطاب الضمان شرط ان لا يقوم البنك بتسييل او صرف خطاب الضمان إلا بعد اخطاره اي العميل او ان يقوم البنك بالتحقق من إخلال العميل بالتزامه قبل المستفيد وإطلاع البنك على المستندات التي تثبت ذلك، وان تتم المصادرة الا بعد ان يتحقق البنك من ذلك، وقد يشترط العميل ان يكون سقف خطاب الضمان بمبلغ معين او لمدة معينة، كما انه قد ظهر في اليمن شرط: (ان لا تتم مصادرة قيمة الضمان الا بموجب حكم نهائي او بات) وقد شاهدت هذا الشرط بعيني قبل خمس عشرة سنة في خطابات ضمان عدة.
وعند وجود شروط في خطاب الضمان فانه يجب على البنك الالتزام بتلك الشروط حسبما المح الحكم محل تعليقنا.
بيد ان الالتزام بالشرط في خطاب الضمان يكون مقصورا على الشخص او الجهة التي اشترطت هذا الشرط، وتطبيقا لذلك فاذا ورد هذا الشرط في خطاب الضمان المقابل الذي طلبه البنك المحلي من بنك اجنبي لتغطية خطاب الضمان الذي سبق له ان اصدره لعميله المحلي فانه لا يجوز للعميل المحلي ان يتمسك بذلك الشرط، لان هذه الشروط مقررة لصالح البنك المحلي الذي طلب خطاب الضمان المقابل وليس لعميل البنك المحلي، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 11-3-2014م في الطعن رقم (54374)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فقد ورد الشرط بالإخطار بمصادرة خطابي الضمان في خطابي الضمان المقابلين الصادرين من البنك الاجنبي في حارج اليمن، في حين لم يرد هذا الشرط في خطابي الضمان الصادرين من البنك المحلي لعميله المحلي الذي طلب اصدار خطابي الضمان المحليين وهو الطاعن، ووجود هذا الشرط في خطابي الضمان المقابل الصادرين من البنك الاجنبي لا يعني الزام البنك المحلي بإخطار عميله المحلي بمصادرة خطاب الضمان الخالي من هذا الشرط)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية: 

الوجه الأول: ماهية خطاب الضمان: 

عرف القانون التجاري اليمني خطاب الضمان بانه: (مادة (408): ماهية خطاب الضمان. ١-- خطاب الضمان تعهد يصدر من بنك بناء على طلب عميل له (طالب الضمان) بدفع مبلغ معين أو قابل للتعيين لشخص آخر (المستفيد) إذا طلب منه ذلك خلال المدة المعينة في الخطاب، ويذكر في خطاب الضمان الغرض الصادر من اجله.-٢- يجوز أن يصدر خطاب الضمان لمدة غير معينة).
فخطاب الضمان هو تعهد نهائي يصدر من البنك بناء على طلب عميله (الآمر) بدفع مبلغ نقدي معين أو قابل للتعيين بمجرد أن يطلب المستفيد ذلك من البنك خلال مدة محددة، ولا يتوقف على شرط آخر، وغالباً ما يكون ذلك لقاء قيام العميل بالدخول في مناقصة أو مشروع بأداء حسن ليكون استيفاء المستفيد من هذا التعهد (خطاب الضمان) متى تأخر أو قصر العميل في تنفيذ ما التزم به للمستفيد في مناقصة أو مشروع، ويرجع البنك بعد ذلك على العميل بما دفعه عنه للمستفيد.
ويتضح مما سبق أن خطاب الضمان يقوم على عدة أركان هي:-١- البنك: وهو الطرف الضامن.-٢- العميل: الطرف المضمون.-٣- المستفيد: وهو الطرف المضمون له.-٤- قيمة الضمان: وهو المبلغ المضمون.
والعميل (الشخص المضمون) من الممكن أن يكون شخصاً اعتبارياً كالشركة، وقد يكون شخصاً طبيعياً. أما المستفيد فلا يكون عادة إلا شخصية اعتبارية، كمؤسسة أو شركة معروفة، ومن النادر أن يكون شخصاً طبيعياً. والبنك إذ يصدر خطاب الضمان لمصلحة دائن عميله لا يضمن له حسن تنفيذ العميل لالتزاماته أمام دائنيه، فهو لا يراقب هذا التنفيذ ولا يتعهد أن يقوم بدلاً من العميل المدين بتنفيذ هذا الالتزام أو بوفاء ما يكون عليه من دين، وإلا كان تدخل البنك في هذه الحالة كفالة تخضع لأحكام الكفالة المدنية، بل إن البنك يطلق تعهداً مجرداً عن ظروف التزام العميل أمام المستفيد، فيلتزم بدفع المبلغ المحدد في الخطاب أياً كان مقدار مديونية العميل، ولو كان هذا المقدار أكبر أو أقل مما تعهد به البنك للمستفيد. وعلى الرغم من كون تعهد البنك منفصلاً عن دين العميل ومستقلاً عنه من الناحية القانونية إلا أنه مرتبط به اقتصادياً، فهو يصدر خدمة لعلاقة العميل بدائنه، إذ يستهدف به العميل الحصول على ثقة هذا الدائن الذي قد لا يرضى بأي ضمان آخر سوى هذه الصورة من صور الضمان، فلا ترضيه الكفالة بتنظيمها المدني، لأن الكفيل - ولو كان متضامناً - لا يلزم بالوفاء للدائن إلا متى أثبت الدائن مديونية مدينه واستحقاق هذه المديونية، وهو إجراء يريد الدائن التخلص من مشقته مقدماً، بحيث يضمن تحصيل ما يدعيه، ويكون على مدينه أن يبدأ هو بالدعوى القضائية.
وخطاب الضمان شخصي، فلا يجوز للمستفيد تظهيره، إذ إن البنك يتعهد بالوفاء لشخص معين هو المتعاقد مع عميل البنك الذي صدر الخطاب بناء على طلبه، والخطاب ذاته يوضح بصريح العبارة أن البنك يتعهد بالدفع لشخص أو جهة معينة لدى أول طلب منها وأنه يتحرر تلقائياً إذا لم تصله منها في تاريخ معين. وعلى ذلك لا يجوز للمستفيد أن يتنازل عن هذا الخطاب لأي شخصٍ آخر بأي طريقة حتى بالتبعية لتنازله عن عقد المقاولة الأصلي، لأن شخصية المستفيد من الخطاب وأمانته محل اعتبار لدى عميل البنك. ومتى كان الخطاب يقوم على الاعتبار الشخصي فليس له اعتبار وقيمة في ذاته، فمجرد حيازته لا يعطي أي حق، لأن البنك لا يدفع المبلغ المضمون إلا للشخص المستفيد أو وكيله القانوني.
و حال استصدار المقاول لخطاب الضمان من البنك فيقوم البنك بالحصول علي ضمانات لذلك، و لكن لا يلتزم المقاول بدفع قيمة خطاب الضمان للبنك إلا في حالة قيام البنك بصرف قيمة خطاب الضمان للمستفيد.

الوجه الثاني: العلاقات الناتجة عن خطاب الضمان: 

ذكرنا فيما سبق ان اطراف خطاب الضمان ثلاثة: الطرف الاول: العميل الآمر بإصدار الخطاب، والطرف الثاني: المستفيد من خطاب الضمان، الطرف الثالث: البنك، وبناء على فان خطاب الضمان يفرز ثلاث علاقات: 
العلاقة الاولى: العلاقة فيما بين العميل الامر والمستفيد: 
فتكون هذه العلاقة علاقة عقدية مثل التي تنشأ في حالة عقود المقاولات أو التوريد أو عقود الاستيراد و التصدير، أو قد تكون تعاقدية كما في حالة خطابات الضمان الأبتدائية التي تصدر ضماناً لجدية العطاءات المقدمة، أو قد تكون تنظيمية مثل خطابات الضمان الجمركية و المهنية و كل ما من شأنه إلزام العميل بإيداع تأمينات نقدية.

العلاقة الثانية: علاقة العميل بالمصرف: -
يعتبر الطلب الذي يتقدم به العميل إلى البنك لكفالته في اصدار خطاب الضمان إلى الجهة المستفيدة بمثابة إيجاب من العميل، و يعتبر إصدار المصرف خطاب الضمان بمثابة قبول لطلب العميل، و بإصدار الخطاب و وصوله إلى علم المستفيد أصبح المصرف ملزم تجاه المستفيد بكامل الشروط الواردة في خطاب الضمان.
العلاقة الثالثة: علاقة المصرف بالمستفيد: -
متى تم قبول المستفيد خطاب الضمان برأت ذمة العميل من تقديم التأمين النقدي
يتطلب التعاقد بين طرفين -في أحيان كثير- تقديم أحدهما ضمان للأخر للوفاء بالتزاماته المتفق عليها، خاصةً إذا قدم أحدهما دفعة مقدمة للأخر، فكيف سيضمن من دفع الدفعة المقدمة قيام المتعاقد الأخر بتنفيذ الالتزام المتفق عليها (خاصة في التعاقدات المرتبطة بالتوريدات و المقاولات بأنواعهم المختلفة).
هنا يبدأ دور خطاب الضمان المصرفي كأحد الوسائل التي يضمن بها المتعاقد – الذي دفع دفعة مقدمة – تنفيذ المتعاقد الأخر لالتزاماته بالكيفية و في المدة المتفق عليها. ويمكن تسمية المتعاقد الذي دفع الدفعة المقدمة بالمالك أو المستفيد، و تسمية المتعاقد الذي قبض الدفعة المقدمة بالمقاول أو الآمر.
فعندما يرغب المالك في التعاقد مع مقاول لبناء مبنى أو القيام بعملية توريد لمنتج – مثلاً- فسيقوم المالك بدفع دفعة مقدمة للمقاول للبدء في التنفيذ، و عندها سيحتاج المالك إلي ما يضمن قيام المقاول بتنفيذ التعاقد بل سيحتاج المالك إلي وسيلة سريعة لتنفيذ ذات التعاقد دون أن يتكبد دفعة مقدمة أخرى لمقاول أخر حال تقاعس المقاول عن ذلك.
هنا يأتي دور خطاب الضمان ليوفر للمالك وسيلة رئيسية و مهمة لسرعة استرداد الدفعة المقدمة – حال تقاعس المقاول عن التنفيذ- لكي يقوم المالك باستبدال المقاول بأخر لتنفيذ المشروع أو لاستكمال ما تبقى من أعمال أو معالجة ما ظهر من عيوب في تنفيذ المشروع.
فيقوم المالك بإلزام المقاول باستصدار خطاب من البنك يتضمن التزام البنك بأن يدفع للمالك مبلغ معين – غالباً ما يكون مساوياً للدفعة المقدمة المزمع دفعها للمقاول، و ذلك متى طلب المالك تسييل خطاب الضمان بحيث لا يملك البنك رفض تسييل خطاب الضمان لصالح المالك “المستفيد من خطاب الضمان”.

الوجه الثالث: استقلال التزام البنك في خطاب الضمان: 

نصت المادة(410) تجاري على انه: ) لا يجوز للبنك أن يتمسك في مواجهة المستفيد بالدفوع الناجمة عن علاقة البنك بطالب الضمان أو علاقة طالب الضمان بالمستفيد).
فهذا النص يكرس مبدأ استقلال الالتزام في خطاب الضمان، فخطاب الضمان التزام مستقل ونهائي، يلتزم البنك بموجبه بالوفاء للمستفيد بمجرد الطلب، دون اعتداد بأي نزاع في العلاقة الأصلية. لأن خطاب الضمان لا يعد تنفيذًا للعقد الأصلي ولا يُنشئ تبعية بين التزام البنك والتزامات الآمر بل يعد التزامًا أصيلاً ومستقلاً بذاته.
فالالتزام ينشأ من إرادة المصرف المنفردة، ويكون المصرف أصيلاً في مواجهة المستفيد. وبما أن الالتزام مجرد ومستقل عن علاقة المصرف بالعميل، فإن المستفيد له صفة أصيلة في مطالبة البنك بتسييل قيمة خطاب الضمان، ويمتنع على المصرف الدفع بوقائع مستمدة من العلاقة الأصلية فيما بين الامر بإصدار خطاب الضمان والمستفيد، وإلا كان ذلك إخلالاً من البنك يُضعف الثقة بخطابات الضمان ويفوت غايتها التجارية والاقتصادية.
فمن الخصائص المميزة لخطاب الضمان أن البنك ملزم بتسييله دون اعتبار لأي اعتراض من المقاول الآمر، و دون الاعتداد بأي علاقة تكون بين البنك و بين المقاول الآمر حتى و لو كان المقاول مديناً للبنك، فتنشأ علاقة مباشرة بين البنك و بين المالك “المستفيد” لا ترتبط بعقد الاتفاق المبرم بين المالك و بين المقاول، فالتزام البنك تجاه المستفيد بموجب خطاب الضمان هو التزام مستقل عن أي علاقة أخرى تربط البنك بالمقاول/ الآمر، و لا يجوز للبنك بأن يتزرع بأي اعتراض من الآمر للامتناع أو التأخير في صرف خطاب الضمان.

الوجه الرابع: الشرط في خطاب الضمان (خطاب الضمان المعلق على شرط):

الاصل ان خطاب الضمان حتى يتحقق فيه مبدأ استقلال التزام البنك وحتي يحقق غاياته الاقتصادية كضمان مستقل ونهائي يلتزم البنك به دون دون اي قيد او شرط، لذلك فالأصل ان لا يتضمن خطاب الضمان اي قيد او شرط يحول دون حصول المستفيد على قيمة خطاب الضمان.
بيد ان العميل الامر بإصدار الخطاب قد يقرر حماية نفسه من غش المستفيد وتذاكيه ومغالطته سيما في اليمن التي تعد المغالطة والكذب والغش نوعا من الذكاء والشطارة والرجالة في اليمن، ولذلك فان العميل الامر قد يجعل خطاب الضمان مشروطا، فيطلب العميل من البنك ان يقوم بتضمين خطاب الضمان شرط ان لا يقوم البنك بتسييل او صرف خطاب الضمان الا بعد اخطاره او ان يقوم البنك بالتحقق من إخلال العميل بالتزامه قبل المستفيد وتقديم للمستندات التي تثبت ذلك، كما ان العميل طالب اصدار خطاب الضمان قد يشترط ان يكون لسريان خطاب الضمان مدة معينة او في حدود مبلغ معين، بل قد ظهر في اليمن شرط: (ان لا يقوم البنك بمصادرة قيمة الضمان الا بموجب حكم نهائي او بات)، وقد شاهدت هذا الشرط بعيني قبل خمس عشرة سنة في خطابات ضمان عدة.
وعند وجود شروط في خطاب الضمان فانه يجب على البنك الالتزام بتلك الشروط حسبما المح الحكم محل تعليقنا.
بيد ان الالتزام بالشرط في خطاب الضمان يكون مقصورا على الشخص او الجهة التي اشترطت هذا الشرط، وتطبيقا لذلك فاذا ورد هذا الشرط في خطاب الضمان المقابل الذي طلبه البنك المحلي من بنك اجنبي إصداره لتغطية خطاب الضمان الذي سبق له ان اصدره لعميله المحلي، فانه لا يجوز للعميل المحلي ان يتمسك بذلك الشرط الذي اشترطه البنك لنفسه وليس لعميله، حسبما قضى الحكم محل تعليقنا. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل البنوك والمصارف. أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، ص٢٠١)، والله اعلم.
تعليقات