الخبير المرجح في القانون اليمني

الخبير المرجح في القانون اليمني

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
نصت المادة (165) من قانون الإثبات اليمني على انه: (على المحكمة في المسائل الفنية كمسائل الطب والهندسة والحساب وغيرها مما يدق فهمه أن تعين خبيرا (عدلا) أو أكثر من المؤهلين علميا وفنيا أو ممن لهم خبرة خاصة المشهورين بذلك لتستعين بهم في كشف الغامض من هذه المسائل مما يفيد إثبات الواقعة المراد إثباتها ويجب على المحكمة أن تذكر في قرارها بيانا دقيقا لمأمورية الخبير والأجل المضروب لإيداع تقريره فيه ويكلف الخبير بتقديم تقرير بما أدت إليه أبحاثه في الموعد المحدد، ويجوز أن يتفق الخصوم على خبير (عدل مرجحا) أو أكثر تعينهم المحكمة بناء على طلبهم كما يجوز أن يختار كل من الخصمين خبير (عدلا) مرجحاً على أن تختار المحكمة خبيرا عدلا مرجحا). 
ومعنى ذلك ان الخبير المرجح تقوم المحكمة باختياره بداية قبل قيام الخبراء بالمهمة، وذلك في حالة اذا لم يتفق الخصوم على اختيار خبير او خبراء اما اذا اتفق الخصوم على اختيار الخبير او الخبراء فلا سبيل للمحكمة في ندب الخبير المرجح.
ووفقا للنص السابق فان دور الخبير المرجح هو الحيلولة دون انقسام فريق الخبراء الى قسمين متساويين واختلافها في الراي الفني مما يجعل القاضي مترددا غير مطئمن للاخذ براي من الاراء المتعارضة.
اما في القوانين المقارنة فان الخبير المرجح هو خبير يُعيّنه القاضي عند انتهاء الخبراء السابقين من عملهم ووصولهم الى نتائج متعارضة اي حد ث تعارض بين تقارير الخبراء في المسالة الفنية التي ندبتهم المحكمة لدراستها وبيان الراي الفني فيها، مما يؤدي الى تردد القاضي عند الاستناد الى التقارير المتناقضة التي تجعل القاضي في حيرة في معرفة الراي الفني الصحيح من بين التقارير المتناقضة او المختلفة.
 وفي كل الاحوال فان محكمة الموضوع لها السلطة التقديرية في الأخذ بتقارير الخبرة بما فيها تقرير الخبير المرجح، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٦-١-٢٠١٤ م، وذلك في الطعن رقم (٥٣٧٦١)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فقد ورد في تقرير الخبير المرجح ان قيمة العمل هو مبلغ..... وان المقاول قد اسلم مبلغ..... وان المبلغ المتبقي له هو....، وقد استند الحكم الابتدائي الى تقرير الخبير المرجح وتابعه في ذلك الحكم الاستئنافي الذي قضى بتأييد الحكم الابتدائي)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

 الوجه الأول: تعريف الخبير المرجح:

نصت المادة (165) اثبات يمني في نهايتها على انه: (كما يجوز ان يختار كل من الخصمين خبيراً "عدلاً" على أن تختار المحكمة خبيراً "عدلاً مرجحًا")، ومعنى ذلك ان الخبير المرجح يتم اختياره بداية من قبل المحكمة اذا لم يتفق الخصوم على اختيار خبير او خبراء اما اذا اتفق الخصوم على اختيار الخبير او الخبراء فلا سبيل للمحكمة في ندب الخبير المرجح.
ووفقا للنص السابق فان دور الخبير المرجح هو الحيلولة دون انقسام فريق الخبراء الى قسمين متساويين واختلافها في الراي الفني مما يجعل القاضي مترددا غير مطمئن للأخذ براي من الآراء المتعارضة.
في حين ان الخبير المرجح في القوانين المقارنة هو الخبير الذي يُعيّنه القاضي بعد تقديم الخبراء السابقين لتقاريرهم المختلفة او المتعارضة في المسالة الفنية التي ندبتهم المحكمة لدراستها وبيان الراي الفني فيها، مما يؤدي الى تردد القاضي عند الاستناد الى التقارير المتناقضة التي تجعل القاضي في حيرة في معرفة الراي الفني الصحيح.من بين التقارير المتناقضة او المختلفة، مما يدفع القاضي لتعيين خبير مرجح يقوم بدراسة ماورد في التقارير والرجوع الى مصادر التقارير المتعارضة وفي ضوء ذلك يبين الخبير المرجح الراي المختار الذي يطمئن اليه القاضي.
والمقصود بالتعارض بين التقارير ان يقع التعارض في النتائج التي تخلص إليها التقارير مع عدم امكانية التوفيق بين هذه النتائج. 

الوجه الثاني: اجراءات ندب الخبير المرجح: 

 في القانون اليمني يقوم القاضي بتعيين الخبير المرجح بداية قبل القيام بالمهمة وذلك ضمن فريق الخبراء المختارين من كل خصم على حده، وبناء على ذلك تخضع إجراءات تعيين الخبير المرجح للاجراءات التي يخضع الخبراء الاخرين وتسري على الخبير المرجح الاحكام ذاتها..
بيد انه ليس هناك مانع في القانون اليمني يمنع القاضي من تعيين خبير مرجح اذا وجد ان تقارير الخبراء السابقين متعارضة، وعنئذ يقوم القاضي بندب الخبير المرجح للترجيح بين التقارير المتعارضة، ويجوز للقاضي ذلك من تلقاء نفسه او بناء على طلب من الخصوم، واذا كان الطلب مقدما من احد الخصوم فانه يجب عليه ان يثبت في طلبه اوجه التعارض بين تقارير الخبراء وانه لا يمكن التوفيق بينها.
ويصدر القاضي المختص قرارا بندب الخبير المرجح، ويتضمن هذا القرار تحديد نطاق مهمة الخبير المرجح، وهي بيان الراي الفني الحاسم في المسائل الفنية التي اختلفت نتائج الخبراء السابقين بشأنها.
بيد انه يجوز للقاضي ان يسند الى الخبير المرجح ايضا بحث المسائل التي تجاهلها الخبراء السابقون.
والهدف من ندب الخبير المرجح بعد تقديم تقارير الخبراء السابقين هو ضمان دقة وصحة الراي الفني في مسائل الخبرة حتى يطمئن القاضي الى نتائج اعمال الخبرة، في حين ان الهدف من تعيين الخبير المرجح في البداية قبل اداء المهمة ضمن فريق الخبراء هو الترجيح اثناء تقديم تقارير او تقرير التي تتضمن راي اغلبية الخبراء حتى يطمئن القاضي الى راي الاغلبية في المسألة الفنية.

الوجه الثالث: ندب لخبير المرجح في قانون الإثبات اليمني والقوانين المقارنة: 

بعض القوانين العربية لم تنص على الخبير المرجح كالقانون العراقي، لان هذه القوانين اشترطت انه عند تعدد الخبراء اشترطت ان يكون عددهم وتراً، فعلى سبيل المثال نصت المادة (133) من قانون الإثبات العراقي على أنه: (إذا اقتضى موضوع الدعوى الاستعانة برأي الخبراء كلفت المحكمة الطرفين بالإتفاق على خبير أو أكثر على ان يكون عددهم وتراً).
 وبناءً على ما ورد في هذه القوانين فلا حاجة لتعيين خبير مرجح قبل مباشرة الخبراء للمهمة، لان العدد الوتري للخبراء (1/3/5/7) يحوّل دون انقسام الخبراء إلى قسمين متساويين، وبناء على ذلك يكون هناك راي اغلبية واقلية فياخذ القاضي براي الاغلبية اذا اطمئن اليه.
 أما قانون الإثبات اليمني فلم يشترط ان يكون عدد الخبراء العدول وتراً، ولذلك نص في نهاية المادة (165) على انه: (كما يجوز ان يختار كل من الخصمين خبيراً "عدلاً" على أن تختار المحكمة خبيراً "عدلاً مرجحًا"). 
ومن خلال استقراء النص السابق يظهر ان مهمة الخبير المرجح ليست قاصرة على الترجيح بين تقارير خبرة سابقة متعارضة وانما تهدف في الاساس الى الحيلولة دون وجود اراء متعارضة متساوية لا مرجح بينها، فالخبير المرجح يمنع وجود متعارضة صادرة من خبراء متساوية اعدادهم.
بيد انه ليس هناك مانع قانوني في القانون اليمني يمنع القاضي من تعيبن خبير مرجح اذا ظهر للقاضي بعد تقديم الخبراء لتقاريرهم ظهر ان النتائح التي وردت في التقارير السابقة متعارضة يتعذر التوفيق بينها.

الوجه الرابع: مهمة الخبير المرجح: 

 نصت المادة (165) اثبات يمني في نهايتها على انه: (كما يجوز ان يختار كل من الخصمين خبيراً "عدلاً" على أن تختار المحكمة خبيراً "عدلاً مرجحًا")، ومعنى ذلك ان الخبير المرجح يتم اختياره بداية من المحكمة اذا لم يتفق الخصوم اختيار خبير او خبراء اما اذا اتفق الخصوم على اختيار الخبير او الخبراء فلا سبيل للمحكمة في ندب الخبير المرجح.
وبناء على ذلك فان الخبير المرجح الذي تختاره المحكمة بداية ضمن فريق الخبراء يكون مثله مثل غيره من الخبراء المختارين من الخصوم، حيث يتحدد نطاق مهمة الخبير المرجح بنطاق المهمة المحددة في قرار ندب الخبراء الصادر من المحكمة المشار إليه في المادة (165) السابق ذكرها.
ومؤدى ذلك أنه يحق للخبير المرجح ان يقوم بنفسه ببحث المسألة الفنية بكافة تفاصيلها وبالطريقة والإجراءات التي يراها لازمة شريطة الإلتزام بقرار ندب الخبراء والتقرير الأولي المتضمن خطة عمله.
 ومن خلال الدراسة والبحث والتدقيق يمكن ان يصل الخبير المرجح إلى نتائج مغايرة لتلك التي توصل إليها الخبراء المنتدبون الآخرون، لان مهمة الخبير المرجح ليست دراسة النتائج التي توصل إليها الخبراء المنتدبون الآخرون دون ان يتعرض الخبير المرجح لتفاصيل المسألة الفنية، فمهمة الخبير المرجح في هذه الحالة مماثلة لمهمة الخبراء الاخرين.
اما اذا وجدت المحكمة ان تقارير الخبراء السابقين متعارضة وانه يتعذر عليها التوفيق بينها فانها تعين خبيرا مرجحا للترجيح بين النتائج المتعارضة، وعندما تكلف المحكمة الخبير المرجح بدراسة تقارير الخبراء المنتدبين التي تباينت نتائجها، فإن الخبير المرجح في هذه الحالة لا يكون مقيداً فقط بالموازنة والترجيح بين النتائج الواردة في تقارير الخبراء السابقين له وإنما من حقه ان يتأكد من مدى التزام الخبراء السابقين بالمهمة التي تم انتدابهم لأجلها ومدى إحاطة تقاريرهم بالمسألة الفنية التي انتدبوا لدراستها وبيان الرأي الفني فيها وما إذا كانت تقاريرهم قد جاءت موافقة لأصول وقواعد المهنة او الخبرة، ومن خلال ذلك يستطيع الخبير المرجح ان يتوصل إلى نتائج إضافية غير تلك الواردة في تقارير سابقيه التي تم انتدابه للترجيح بينهما، وفي هذه الحالة لا يكون القاضي باعتباره خبير الخبراء متقيداً بأي من التقارير، حيث يستطيع القاضي نفسه ان يأخذ بواحد من تلك التقارير بمقتضى السلطة التقديرية للقاضي شريطة ان يذكر سبب أخذه بما ورد في هذا التقرير وشريطة أن يذكر القاضي في أسباب حكمه سبب عزوفه عن الأخذ بما ورد في التقارير الأخرى، كما ان للقاضي ان يأخذ ببعض النتائج من تقرير وبعضها الأخر من التقارير الأخرى، فلا مشكلة في تعدد التقارير التي تمكن القاضي نفسه من الترجيح والموازنة بينها بإعتبار القاضي خبير الخبراء، لان تقارير الخبرة أدلة تخضع للسلطة التقديرية لقاضي الموضوع.
 وقد قضت محكمة النقض المصرية بان رأى الخبير لا يخرج عن كونه عنصرا من عناصر الإثبات التى تخضع لتقدير محكمة الموضوع دون معقب عليها فى ذلك، وان تقدير عمل الخبير هو مما يستقل به قاضى الموضوع، لأن تقارير الخبراء لا تعدو ان تكون من عناصر الإثبات التى تخضع لتقديرها دون معقب عليه فى ذلك (الطعن رقم 142 لسنة 39 ق جلسة 13/6/1974 مجموعة المكتب الفني السنة 25 ص 1059 قاعدة 174).
وقضت بأن: رأى الخبير لا يخرج عن كونه عنصرا من عناصر الإثبات. لمحكمة الموضوع تقديره دون معقب عليها فى ذلك.(الطعن رقم 23 سنة 24 ق س 9 ع 3 ص 689).
و قضت: بأن المقرر فى قضاء محكمة النقض أن الأخذ برأي أو بأخر من آراء الخبراء مما تستقل به محكمة الموضوع وان مؤدى الأخذ برأي أحد الخبراء دون غيره ان المحكمة لم تر فى آراء من لم تأخذ برأيهم ما يفيد اقتناعها فى الدعوى.
(الطعن رقم 521 لسنة 34 ق جلسة 14/1/1969 مج المكتب الفني السنة 20 ص 95 قاعدة 16).

الوجه الثالث: المحكمة غير ملزمة باجابة طلب الخصم تعيين خبير مرجح: 

ذكرنا فيما سبق انه يحق للخصم ان يطلب تعيين خبير مرجح اذا اختلفت النتائج التي توصل اليها الخبراء السابقين، ومع ذلك فان محكمة الموضوع غير ملزمة بإجابة الخصوم إلى طلب تعيين خبير مرجح، فقد قضت محكمة النقض المصرية بان: (المحكمة ليست ملزمة بإجابة طلب تعيين خبير آخر متى وجدت فى تقرير الخبير السابق ندبه وفى أوراق الدعوى وعناصرها الاخرى ومن القرائن الاخرى مناقشة الخبراء ما يكفى لاقتناعها بالرأي الذى انتهت اليه، فطلب الخصم تعيين المرجح ليس حقا تتحتم اجابته فمحكمة الموضوع هى صاحبة السلطة فى تقدير ما إذا كان هذا الاجراء منتجا أو غير منتج.(الطعن رقم 356 لسنة 33 ق جلسة 26/3/1968 مجموعة المكتب الفني السنة 19 ص 599 قاعدة 90).
كما قضت محكمة النقض بان: (تقدير محكمة الموضوع لعمل الخبير هو – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – مما يدخل فى سلطتها الموضوعية، ولها باعتبارها الخبير الاعلى ان تقدر رأى الخبير ولو فى مسألة فنية دون حاجة الى الاستعانة برأي خبير آخرمادامت هى لم تر لزوما لاتخاذ هذا الاجراء دون ان يعد ذلك منها اخلالا بحق الدفا، .ولما كان ذلك ما يثيره الطاعن بشأن التفات المحكمة عن القرائن التى ساقها لتبرير طلبه لندب خبير مرجح يبين التقريرين المقدمين لا يعدو ان يكون جدلا موضوعيا فى سلطة المحكمة الموضوعية مما لا يصح اثارته أمام محكمة النقض.(الطعن رقم 130 لسنة 36 ق جلسة 26/5/1970 مجموعة المكتب الفني السنة 21ص 908 قاعدة 145).
وكذا قضت محكمة النقض بأن (محكمة الموضوع ليست ملزمة بإجابة طلب تعيين خبيرا أخر متى وجدت فى تقرير الخبير السابق ندبه، وفى أوراق وعناصرها الاخرى لتكوين عقيدتها للفصل فيها كما انها ليست ملزمة بالرد استقلالا على المطاعن التى وجهت الى تقرير الخبير مادامت انها اخذت بما جاء فيه محمولا على اسبابه لان فى اخذها به ما يفيد انها لم تجد فى تلك المطاعن ما يستحق الرد عليه بأكثر مما تضمنه التقرير، وهى فى تقديرها لذلك لا سلطان عليها لمحكمة النقض.(الطعن رقم 261 لسنة 39 ق جلسة 29/4/1974 مجموعة المكتب الفني السنة 25 ص 761 قاعدة 125)
وقضت ايضا محكمة النقض بأن (محكمة الموضوع غير ملزمة بإجابة الخصوم الى طلب تعيين خبير مرجح، متى قد وجدت فى تقرير الخبير المنتدب ومن القرائن الاخرى ما يكفى لإقناعها بالرأي الذى انتهت اليه، 
وكأن لها فى حدود سلطتها التقديرية ان تأخذ بتقرير الخبير كله أو بعضه طبقا لما تطمئن اليه فى قضائها.(الطعن رقم 340 لسنة 35 ق جلسة 22/1/1970 مجموعة المكتب الفني السنة 21 ص 159 قاعدة 27). (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الخبرة الجزء الثالث، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2025م، ص١٨١)، والله اعلم.
صورة تعبيرية لميزان العدالة والمطرقة وكتاب القانون تعبر عن الخبير المرجح في القانون اليمني
الخبير المرجح في القانون اليمني - دراسة قانونية
تعليقات